أخبار عاجلةالرأي

رمضان أجاك أيانق يكتب : قِرَاءة في واقع المرأة السُّودَانِيَّة الجَنُوبِيَّة

رمضان أجاك أيانق

برغم كُلُّ التحوُّلات التاريخية التي حدثت على مر العقود، لا سيما في عالم الحداثة، فكراً وسلوكاً، ورغم كُلُّ ما حققته هذه التحوُّلات تاريخياً على كافة الأصعدة في الحياة الاجتماعية والثقافية والفلسفية، وخصوصاً في العلوم الإنسانية المتعددة إيجاباً، والتي تتعلق بالسيرِ قُدُّماً مِن أجل تحرير المرأة مِن دونيتها المصطنعة في الحس الشعبي والوعي الجمعي بشكلٍ عام.

هذه المرأة التي أصبحت شريكةً وعنصراً في مشروع النهضة الاجتماعية، ما جعلها تجتهد وتكون أستاذة ودكتورة جامعية وطبيبة ومهندسة بكافة إختصاصات الهندسة المتنوعة، وغيرها مِن مجلات الحياة المختلفة، حيث أنها ساهمت في الحقل والعقل الأدبي والفني والاجتماعي، أصبحت المرأة مفكرة وسياسية وعالمة الفضاء وعدد مِن المساهمات المتعددة، إلا أنه لاتزال هنا وهناك أصوات ذكورية كثيرة في مجتمعنا ترتفع وتعيق تقدمها ونهوضها وللنيل مِن مكانتها العظيمة وقيمتها الإنسانية والاجتماعية والعقلية.

لذلك يقتضي الأمر النظر في وضعية المرأة مِن منطلق منطقيّ واقعيّ عقلاني غير تصوري سطحي بهدف اقصاء وإستقاط دورها وتجنب تفكير المنطق الاجتماعي التصوري والاخلاقي الذي تفرضه طبيعة العلاقات الاجتماعية المتخلفة المتشعبة بالحس الذكوري ,  أول بأول لبناء ثقافة شفوية ونقلية متخلفة غير عقلانية وواقعيّة التي هي بمثابة عنصرية ذكورية ذاتها تجاه المرأة ، كونها تنظر إليها مِن زاوية هذه الثقافة، ضلعاً قاصراً وناقص عقل ودين (وهي فكرة الأصل وافدة مِن المجتمعات العربية وجرى توريدها إلى المجتمعات الإفريقية عبر التفاعل والتداخل التاريخي) أو كشاردة الإبل (نهذه فكرة عربية أيضاً)، ولا نجانب الحقيقة عندما نقول إن بعضهم يعتبرها أفعى وماكرة ونجسة وحتى صوتها عورة وغير ذلك من صفاتٍ لا تليق بإنسانيتها كإنسانة.

المرأة السُّودَانِيَّة الجَنُوبِيَّة وتعامل المجتمع السُّودَانِي الجَنُوبي معها ونظرته إليها في كافة الأصعدة وعلى وجه الخصوص، الصعيد الإجتماعي والاقتصادي والسياسي، نجد أن المرأة في جل المجتمعات السُّودَانِيَّة الجَنُوبِيَّة ينظر إليها كمصدر رزق اقتصادي من خلال مهر زواجها التي تكون في ثروة حيوانية (أبقار ماعز وخراف أو آلات إنتاج مثل الملودة وهي آلة زراعية ,  وخرز وهدايا أُخرى) بحسب معايير عقلانية المنظومة الذكوية الأبويّة السائدة في مجتمعاتنا السُّودَانِيَّة.

ونرى ذلك في العادات والتقاليد بعض الجماعات الإثنية التي تعامل المرأة «كثروة غير معرفية باسم المؤسسة الزوجية» وخادمة يحدّدون دورها في أدوار منزلية معينة , وجزء من مهاماتها تحددها المنظومة الذكورية دون النظر إلى تطلعاتها وطموحاتها تجاه الحياة واتاحة الفرص لها مثل الرَّجُل تماماً لكيما تفعل ما تريد بالحرية.

 

>> أبرز المعوقات التي تقف أمام المرأة السُّودَانِيَّة الجَنُوبِيَّة وتعيق تقدمها

 

وإذا رأينا ذلك، نجد بأنها محكومة بخرافات وتصورات مختلفة، ذكورية إقصائية لا تتماشى مع متطلبات الحداثة والواقع المعاش، الذي يرى أن للمرأة حق في اتخاذ قراراتها مثل الرَّجُل بالمساواة، كذلك ضرورة التساوي في الحقوق والواجبات رغم تطرف التيارات الأصوليّة الرجعية الذين يقدسون الفكر الذكوري الأبويّ الطبقي الإقصائي، وهذا يقودنا إلى التطرق إلى أبرز المعوقات التي تقف أمام المرأة السُّودَانِيَّة الجَنُوبِيَّة وتعيق تقدمها وتواكبها مع المرأة المستقلّة في أنحاء أُخرى مِن العالم المتحضر , ويمكن تلخيص هذه المعوقات كما يلي:

أولاً، غياب حرية المرأة بشكلٍ مطلق مثل الرَّجُل، واحدة مِن التحديات التي تواجه مشروع تمكين وانفتاحها.

ثانياً، عدم وجود المساواة بين المرأة والرَّجُل من منطلق تكافؤ الفرص وتحكم الرَّجُل بالمرأة “العقلية الذكورية” بحكم إمتيازاته التاريخية.

ثالثاً، تمسك المجتمعات بالعادات الضارة التي ترى بأن المرأة مجرّدة تركيبة بيولوجية “آلة الإنجاب” وجهل دورها الريادي وإمكانية مساهمتها في عملية النهضة الاجتماعية والثقافية وفي كافة الحقول المعرفية المتعددة.

رابعاً، عدم التطرق ألى قضايا المرأة بالعقلية المتجردة وتعامل مع المعطيات المرحلية بحسب مع يحقق العدالة الإجتماعية بين الجنسين “الأُنثى والذكر”.

كذلك وصف المتقدمات مِن النساء بالعائرات وفاقدات التربية والنظر إليهُنَّ بشكلٍ إقصائي رغم أنهُنَّ يتحدَثنَّ عن التحول الاجتماعي وإعادة النظر في قضية المرأة مع فتح المجال للحوار المشترك لبناء حياة متكاملة.

خامساً، تهميش المرأة في المشاركة في الحياة العامة وتجاهل إمكانياتها المعرفية والفكرية بحجة أنوثتها وعدم قدرتها على المساهمة في القيادة المجتمعية مثل الرَّجُل، لذا يفضلون الرَّجُل دائماً ويمجدونه.

بعدما تطرقنا لبعض المهددات الوخيمة والاقصائية التي يمارسها الرَّجُل الذكوري الأبويّ في حق النساء، يقتضي على التنويرات والمتقدمات منهنَّ الاصرار والمواصلة في طرح أفكارهن الرامية إلى تحقيق غايات المرأة، وإبراز دور المرأة في كافة الأصعدة حتى ترى المرأة نفسها كجزء مساهمة في عملية النهضة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية… إلخ، لأن ذلك يقودنا إلى بناء مجتمع يسوده العدل والإنسانية، عكس المجتمعات التي تقوم بتمييز بين أفرادها على أساس النوع أو الجنس.

 

 

>> لا مخرج غير اللجوء إلى صوت الاستنارة “تفعيل دور التنوير” لأنها تسهم في تغيير الأدمغة وتطهيرها من غبار الجهل والتخلف

 

نريد مجتمعاً يدعم صاحب الأطروحة بغض النظر عن جنسه أو نوعه، وبهذه الخطوات، سنحصل إلى مرحلة جديدة وستكون هذا مدخل لبناء الإنسان والاعتراف بمقدراتها الهائلة دون التميز الجنسيّ رغم إلمامنا بتطرف الجماعات الأصوليّة، لكن لا مخرج غير اللجوء إلى صوت الاستنارة “تفعيل دور التنوير”، لأنها تسهم في تغيير الأدمغة وتطهيرها من غبار الجهل والتخلف المتفشي الذي يعيق حركة العقل والحداثة.

لتأسيس “بناء” مجتمع يقبل المرأة بأنها أحد وقود النهضة، يتوجب توفير الأدوات التي ترفع مِن شأن المرأة وتجعلها مثل الرَّجُل في المقام الإنساني والمكانة الاجتماعية تماماً كالرَّجُل مع توفير عدد من المتطلبات الضرورية التي تتمثل في شكل المقترحات والحلول الجذرية الحيويّة التي تسهم في تحريك عجلة التنوير.

أولاً: لابد مِن تعليم المرأة وتطبيق سياسة الزامية التعليم المجانية عليها، ويكون ذلك تحت طائلة معاقبة قانونية، الأهل الذين يقفون ضد تعليمها مِن قبل الدولة ,  فالتعليم والمعرفة يفتحان الطريق أمام عقل المرأة وجسدها كي تعرف دونيتها بالتالي؛ تخلفها ودونيتها التي فرضتها عليها المنظومة الذكورية الطبقية الأبويّة تاريخياً.

 

>> لابد مِن تمكين المرأة مِن معرفة ذاتها عن طريق مؤسسات تنويريّة “أهلية” وحكومية

ثانياً، لابد مِن تمكين المرأة مِن معرفة ذاتها عن طريق مؤسسات تنويريّة “أهلية” وحكومية وتقوم هذه المؤسسات بتوعية عامة بحقوقها وتثقيفها، ويحدث ذلك مِن خلال التأكيد على مساواتها الكاملة دون تجزئة مع الرَّجُل اجتماعياً، وأخلاقياً واقتصادياً وسياسياً وعلمياً، ويتم توعية المجتمعات إن الفروقات البيولوجية بين الجنسين “الأنثى والذكر” أمرٌ طبيعيّ خلقية لا ينقص مِن دورها ومقامها ومكانتها هذا دون أن تغفل عملية التمكين مِن فضح المتاجرة بجسدها وتحويلها إلى سلعة في السوق  المشروعة وغير المشروعة بأشكالها المتعددة “المعروفة” تاريخياً كزواج المتعة وزواج المسيار وغيرهما كما هو الحال في هذه المدينة وكثير مِن المدائن هذي البلاد.

وتكون الأهم مِن ذلك التمكين في المقام الأول والأخير هو توظيفها بمؤهلاتها الأكاديمية دون أي مقابل جسدي أو مادي وتحريرها اقتصادياً، فالحرية الاقتصادية تمنحها القدرة على تحرير نفسها وعدم خضوعها لإرادة “المنظومة الذكورية الطبقية الأبويّة” التي تتحكم فيها بسبب حاجاتها مِن طعام ولباس وكل ما يتعلّق بكينونتها الإنسانية المقدسة.

ثالثاً، على الدولة رسم سياسات وإستراتيجيات لمحاربة منظومة الأفكار الاجتماعية والممارسات الأبوية الذكورية التي تسيطر على عقول الجماهير في مجتمعاتنا , ولجعل تلك السياسات والإستراتيجيات نافذة وفعالة لتحرير الأجيال الحالية والقادمة مِن قبضتها المتخلفة، ينبغي استغلال المناهج الدراسيات كوسائل دائمة لتوصيل التوعية الضرورية والتنشئة الاجتماعية السليمة، فيما يتعلق بقضية المرأة التي تتمثل في أربعة أشياء أساسية: مقامها ومكانتها وتكافؤ فرص العمل بينها والنوع الآخر ومحاربة الفكر الذكوري الظالمةالجائر وتطهير المجتمعات والدولة ككل من مضارها.

رابعاً، لابد للمرأة ذاتها، أولاً وقبل كل شيء آخر أن تعي نفسها ودورها ومكانتها في هذه الحياة، وهذا مِن خلال تثقيف نفسها وبحثها عن معوقات تحررها الداخلية قبل الخارجية مِن قبضة المنظومة الذكورية الطبقية الأبويّة، لأن المرأة على مر العصور تعرضت للقهر والاقصاء والظلم والاستلاب بالإضافة إلى الغربة الروحية والجسدية تاريخياً بشكل ممنهجة وجعلها ذلك الممارسات إنهاء راحت تشعر هي ذاتها ومن داخلها بضعفها ودونيتها أمام الرَّجُل وكان وضعها الذي هي فيه قدراً محتوماً عليها وهي لا تملك القدرة على تجاوز أو مقاومته ذلك سأقول بأن حان المرحلة للمرأة أن تنتفض من أجل استرداد حقوقها ومكانتها المسلوب تاريخياً لتواكب الحداثة والواقع المعاش.

 

  • رمضان أجاك أيانق – كاتب من جنوب السودان
  • الإيميل: [email protected]

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »