السفير دكتور محمد حجازي يكتب : واشنطن بعد انتخابات التجديد النصفي.. هل تتغير معادلات القوة الأمريكية في الشرق الأوسط؟
تفتح نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، التي أسفرت عن فوز الحزب الديمقراطي بالأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، مرحلة جديدة في المشهد السياسي الأمريكي، وتضع إدارة الرئيس دونالد ترامب أمام معادلة مختلفة في إدارة شؤون الحكم والسياسة الخارجية، فانتقال السيطرة على الكونجرس من الجمهوريين إلى الديمقراطيين لا يمثل مجرد تحول في موازين القوى الحزبية، وإنما يعكس أيضاً تصويتاً احتجاجياً على عدد من السياسات الداخلية والخارجية للإدارة، وفي مقدمتها الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة وتداعيات الحرب مع إيران، فضلاً عن تصاعد المخاوف بشأن إدارة السلطة التنفيذية.
وتكمن الأهمية السياسية والاستراتيجية لهذه النتائج في أن الرئيس ترامب، الذي تمتع خلال العامين الأولين من ولايته الثانية بأغلبية جمهورية في المجلسين، سيجد نفسه أمام كونجرس تسيطر عليه المعارضة الديمقراطية، بما يفتح الباب أمام مرحلة من التوازنات السياسية والرقابة التشريعية والمواجهة المؤسسية، خاصة أن الديمقراطيين سيمتلكون أدوات التأثير في الموازنات والمساعدات الخارجية وصفقات السلاح، إلى جانب صلاحيات التحقيق والمساءلة ومراجعة قرارات الإدارة، وهو ما قد يفرض قيوداً إضافية على هامش حركة البيت الأبيض، دون أن ينتقص من صلاحيات الرئيس الدستورية الواسعة في إدارة السياسة الخارجية.
وفي الشرق الأوسط، تكتسب هذه التحولات أهمية خاصة في ظل تزامنها مع تصاعد المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، وتداعيات الحرب على أمن الطاقة والملاحة الدولية والاقتصاد العالمي، إذ إن خسارة الجمهوريين للكونجرس ستدفع الإدارة الأمريكية إلى مواجهة مساءلة سياسية وتشريعية بشأن أهداف الحرب وتكاليفها وحدودها الزمنية، ومدى توافر استراتيجية واضحة لإنهائها، وقد تتزايد المطالب داخل الكونجرس بإخضاع استمرار العمليات العسكرية لمزيد من الرقابة والتفويض التشريعي، الأمر الذي قد يضيق مساحة المناورة المتاحة أمام الإدارة، ويزيد الضغوط من أجل البحث عن مسارات سياسية ودبلوماسية لاحتواء التصعيد.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الحزب الديمقراطي يتبنى رؤية موحدة تجاه إيران، أو أنه سيذهب إلى تسوية معها دون شروط، فداخل الحزب اتجاهات متعددة تتباين مواقفها بشأن البرنامج النووي الإيراني وأمن إسرائيل والنفوذ الإيراني في المنطقة، لكن المؤكد أن كلفة استمرار الحرب سياسياً واقتصادياً ستصبح أكثر حضوراً في النقاش الأمريكي الداخلي، خاصة مع ارتباطها بأسعار الوقود والتضخم وتكاليف المعيشة، وهي قضايا أثرت بصورة مباشرة في خيارات الناخبين.
أما العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، فقد تكون من أكثر الملفات تأثراً بالتحول الجديد، ليس بمعنى التخلي عن التحالف الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب، الذي يستند إلى اعتبارات مؤسسية وأمنية ممتدة بين الحزبين، وإنما من حيث طبيعة الدعم الأمريكي وشروطه وحدود التوافق السياسي حوله، فقد اتسعت داخل الحزب الديمقراطي دوائر الانتقاد لسياسات الحكومة الإسرائيلية، خاصة فيما يتعلق بالحرب في غزة، والانتهاكات في الضفة الغربية، والاستيطان، وغياب الأفق السياسي للقضية الفلسطينية، وهو ما قد ينعكس في تشديد الرقابة على المساعدات العسكرية وصفقات السلاح، وزيادة المطالبات بضمانات لحماية المدنيين واحترام القانون الدولي، ومن ثم فإن إسرائيل ستواجه واقعاً أمريكياً تتزايد فيه المساءلة السياسية بشأن سياساتها، حتى مع استمرار الالتزام الأمريكي بأمنها.
وتبرز القضية الفلسطينية في هذا السياق باعتبارها أحد الملفات التي قد تستفيد من اتساع النقاش داخل الكونجرس حول ضرورة إنهاء الحرب في غزة، ورفض تهجير الفلسطينيين، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية، وإعادة الإعمار، والعودة إلى مسار سياسي جاد يفضي إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، غير أن هذه التحولات لا تعني تلقائياً تغير الموقف الأمريكي الرسمي أو الانتقال إلى ممارسة ضغوط حاسمة على إسرائيل، وإنما توفر مساحة أوسع للدبلوماسية العربية والفلسطينية من أجل بناء تحالفات سياسية وتشريعية تدعم الحقوق الفلسطينية وتدفع باتجاه حل الدولتين.
وبالنسبة لمصر، فإن هذه التطورات تفرض ضرورة التعامل معها باعتبارها فرصة لإعادة توسيع شبكة العلاقات المصرية الأمريكية، وعدم الاقتصار على التواصل مع الإدارة التنفيذية والبيت الأبيض، بل تعزيز قنوات الاتصال مع القيادات الديمقراطية الجديدة في مجلسي النواب والشيوخ، ولجان العلاقات الخارجية والدفاع والمخصصات، ومراكز التأثير في صنع القرار الأمريكي، فالعلاقة المصرية الأمريكية ليست علاقة مرتبطة بحزب أو إدارة بعينها، وإنما تقوم على مصالح استراتيجية تشمل معاهدة السلام، وأمن المنطقة، ومكافحة الإرهاب، واستقرار الشرق الأوسط، وأمن البحر الأحمر وقناة السويس.
كما أن الدور المصري في الوساطة بشأن غزة، ورفض التهجير، ودعم إعادة الإعمار، والحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية، يمثل أرضية مهمة لتوسيع التفاهم مع قطاعات مؤثرة داخل الحزب الديمقراطي، وتأكيد أن الاستقرار الإقليمي لا يمكن أن يتحقق من خلال الحلول العسكرية أو فرض الأمر الواقع، وإنما عبر التسويات السياسية واحترام سيادة الدول وحقوق الشعوب، كما يتعين على القاهرة متابعة أي توجهات جديدة داخل الكونجرس بشأن المساعدات العسكرية والاقتصادية لمصر، والعمل على توضيح المصالح المشتركة التي تجعل استقرار الدولة المصرية ركيزة أساسية للأمن الإقليمي.
إن الدلالة الأعمق لهذه الانتخابات تتجاوز حدود التنافس الحزبي الأمريكي، فهي تكشف عن تزايد تأثير السياسة الخارجية في خيارات الناخب الأمريكي، وعن ارتباط الحروب والتدخلات الخارجية بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الداخلية، كما تعكس أن التوافق التقليدي حول بعض ملفات الشرق الأوسط، وفي مقدمتها العلاقة مع إسرائيل، أصبح أكثر عرضة للنقاش والمراجعة داخل المؤسسات الأمريكية، دون أن يعني ذلك نهاية الثوابت الاستراتيجية الأمريكية أو انقلاباً شاملاً في أولويات واشنطن.
وفي تقديري، فإن المرحلة المقبلة لن تشهد بالضرورة تحولاً جذرياً في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، لكنها ستشهد تغيراً في آليات صنع القرار، وتزايداً في الرقابة على الإدارة، وتنافساً أكبر بين البيت الأبيض والكونجرس حول ملفات الحرب والسلام والمساعدات والتحالفات الإقليمية، وهو ما يفرض على مصر قراءة التحول الأمريكي من منظور استراتيجي طويل المدى، واستثمار تعدد مراكز صنع القرار في واشنطن لتعزيز مصالحها الوطنية ودورها الإقليمي.
فالمسألة ليست مجرد انتقال الأغلبية من حزب إلى آخر، وإنما بداية مرحلة جديدة في العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية الأمريكية، بما قد يعيد فتح ملفات الشرق الأوسط على أسس أكثر نقاشاً ومراجعة، ويمنح الدبلوماسية المصرية فرصة لتأكيد أن أمن المنطقة واستقرارها لا يتحققان إلا بتسويات سياسية عادلة، وفي مقدمتها إنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
طالع المزيد :
الانتخابات الأمريكية .. لمن ستذهب أصوات الناخبين من ذوي الأصول الأفريقية لـ هاريس أم ترامب ؟



