الكاتب الصحفي السوداني خالد الفكي سليمان يكتب : المليشيات في أفريقيا.. صراع النفوذ والسلطة

تشهد القارة الأفريقية، ولا سيما في محيط القرن الأفريقي ومنطقة الساحل وأفريقيا جنوب الصحراء، تمدداً مقلقاً لظاهرة المليشيات والجماعات المسلحة، بوصفها أحد أخطر أعراض هشاشة الدولة وضعف بنيتها السياسية والأمنية , لم تعد هذه الظاهرة نتاجاً عرضياً لصراعات داخلية فحسب، بل تحولت إلى أداة استراتيجية تُستخدم في صراع النفوذ والسلطة، محلياً وإقليمياً ودولياً، بما يهدد مفهوم الدولة الوطنية وسيادتها.
تتعدد أسباب تشكل المليشيات في أفريقيا، وفي مقدمتها ضعف مؤسسات الحكم، وتآكل شرعية الدولة، وغياب التنمية المتوازنة، إضافة إلى الصراعات العرقية والقبلية التي تُستثمر سياسياً, كما لعب الفقر والبطالة، رغم غزارة الموارد الطبيعية والبشرية، دوراً محورياً في تجنيد الشباب داخل هذه التشكيلات المسلحة، في ظل انسداد الأفق السياسي والاقتصادي. وتفاقم الأمر مع تدخلات خارجية وجدت في هذه المليشيات أدوات رخيصة وفعالة لتنفيذ أجندات النفوذ، بعيداً عن كلفة التدخل المباشر.
وتبرز تجربتا ليبيا والسودان كنموذجين صارخين لخطورة تفكيك الدولة عبر عسكرة المجتمع, ففي ليبيا، أدى انهيار مؤسسات الدولة إلى تعدد مراكز القوة المسلحة، ما أدخل البلاد في دوامة صراع مفتوح أضعف سيادتها وحولها إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية ,وفي السودان، أسهمت المليشيات في تعميق الانقسام الوطني، وتهديد وحدة الدولة، وإطالة أمد الصراع، مع انعكاسات كارثية على الأمن الإقليمي في القرن الأفريقي والساحل.
وفي نظري إن التداعيات الاستراتيجية لتنامي المليشيات لا تقف عند حدود الدولة الواحدة، بل تمتد لتقويض الأمن والسلم الإقليمي والدولي، عبر تغذية الإرهاب، وتهريب السلاح والبشر، وفتح مسارات للهجرة غير النظامية , الأخطر من ذلك هو ترسيخ الولاءات الخارجية على حساب الانتماء الوطني، وتحويل هذه الجماعات إلى «كلاب صيد» تُدار عن بُعد لخدمة مصالح قوى أجنبية، في قارة تزخر بالموارد المائية والطبيعية وتحتل موقعاً استراتيجياً في معادلات الطاقة والتجارة العالمية.
ولمواجهة هذه الظاهرة، أعتقد أنه لا بد من مقاربة شاملة تتجاوز الحلول الأمنية المؤقتة , تبدأ هذه المقاربة بإعادة بناء الدولة الوطنية على أسس الحكم الرشيد، وتعزيز سيادة القانون، وإصلاح القطاع الأمني عبر دمج مهني ومدروس، لا تسويات سياسية هشة , كما يتطلب الأمر استثماراً حقيقياً في التنمية، وتحويل الموارد الأفريقية إلى رافعة للاستقرار لا وقوداً للصراع, وعلى المستوى الإقليمي، تبرز أهمية التنسيق الأفريقي المشترك، ورفض عسكرة النزاعات بالوكالة، وتجفيف منابع التمويل الخارجي للمليشيات.
إن أفريقيا دون شك لا تعاني من نقص الموارد، بل من سوء إدارتها وتسييسها , ومعالجة ظاهرة المليشيات تمثل اختباراً حقيقياً لإرادة القارة في استعادة قرارها السيادي، وبناء مستقبل يتسق مع ثقلها البشري وإمكاناتها الهائلة، بعيداً عن فوضى السلاح وصراعات النفوذ.
- خالد الفكي سليمان : صحفي سوداني .. [email protected] .
إقرأ المزيد :
الكاتب الصحفي السوداني خالد الفكي يكتب : الساحل الأفريقي في مواجهة أمواج الإرهاب




