السفير دكتور محمد حجازي يكتب : دافوس 2026 وإعادة تشكيل النظام الدولي .. وقمة الرئيسين ترامب–السيسي

دافوس 2026 روح الحوار لمعالجة اختلالات النظام العالمي
لم تعد قمة دافوس مجرد منتدى اقتصادي عالمي يجمع قادة المال والأعمال مع صناع القرار السياسي، بل تحولت تدريجيًا إلى منصة سياسية–استراتيجية غير رسمية تُختبر فيها موازين القوى، وتُرسل عبرها إشارات إعادة التموضع، وتُدار على هامشها عمليات “إعادة الضبط” بين القوى الفاعلة، وتأتي دافوس 2026 المنعقدة تحت شعار «روح الحوار»، في توقيت دولي بالغ الحساسية وفي لحظة دولية شديدة التعقيد ، تتسم بتآكل قواعد النظام الليبرالي، و تتقاطع فيها التحولات الجيوسياسية مع محاولات إعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي، والتسارع التكنولوجي غير المسبوق، بالاضافة إلي تصاعد الاستقطاب الجيوسياسي، وتزايد النزاعات الإقليمية ذات التأثير العالمي، وفي هذا السياق
أولًا: السياق الدولي
يعكس شعار دافوس 2026 «روح الحوار» إدراكًا ضمنيًا بأن العالم دخل مرحلة تراجع اليقين انتقالا من العولمة إلى عالم المصالح الوطنية الضيقة ، ومن إدارة الأزمات إلى إعادة صياغة الأولويات، فالعولمة بصيغتها الليبرالية المفتوحة، لم تعد الإطار الحاكم للتفاعلات الاقتصادية والسياسية، بل حلت محلها مقاربة أكثر صلابة تقوم على: أولوية الأمن القومي في التجارة والطاقة والتكنولوجيا، و إعادة توطين سلاسل الإمداد وتقليص الاعتماد المتبادل عالي المخاطر، وتسييس التكنولوجيا، خصوصًا الذكاء الاصطناعي والبيانات والبنية الرقمية، بالأضافة الي تنامي دور الدولة الوطنية مقابل تراجع الثقة في آليات السوق العابرة للحدود.
لذلك تتجاوز أجندة دافوس 2026 الطابع الاقتصادي التقليدي، لتتحول إلى منصة لإدارة التوازنات الدولية في عالم يتجه نحو مزيد من الاستقطاب، ويمكن تلخيص أبرز محاور النقاش في تآكل النظام الاقتصادي الليبرالي وبحث بدائل أكثر واقعية تراعي الأمن القومي وسلاسل الإمداد، والذكاء الاصطناعي والسيادة التكنولوجية بوصفهما عنصرين حاكمين في القوة الشاملة للدول، والطاقة والأمن الغذائي كقضايا استقرار سياسي، لا مجرد ملفات تنموية، عودة الدولة الوطنية كلاعب مركزي بعد سنوات من العولمة غير المنضبطة. ضمن هذا المشهد، لم يعد السؤال المطروح هو “كيف نحقق النمو؟” بل “كيف نضمن الاستقرار في بيئة نمو مضطربة؟”. وهنا تحديدًا، تعود الدول المحورية ذات الموقع الجغرافي–السياسي الحاسم إلى واجهة الاهتمام الدولي، وفي مقدمتها مصر. والتي تبرز بوصفها دولة ارتكاز إقليمي قادرة على الربط بين دوائر الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا، وشرق المتوسط.
ثانيًا: عودة ترامب – السياسة الخارجية بوصفها صفقة كبرى
مثلت عودة الرئيس ترامب إلى المشهد الدولي عودة لمدرسة البراغماتية الصدامية في السياسة الخارجية الأمريكية, هذه المدرسة لا تنطلق من الالتزامات الأيديولوجية أو القيمية بقدر ما ترتكز على قياس العلاقات الدولية بمنطق العائد والكلفة، وربط الشراكات الأمنية بالمردود الاقتصادي، مع تقليص الانخراط الأمريكي المباشر، و مع تحميل الحلفاء أعباء أكبر، في هذا الإطار، تنظر إدارة ترامب إلى الشرق الأوسط باعتباره مصدرًا محتملاً لعدم الاستقرار العالمي، ومنطقة مركزية للطاقة والملاحة الدولية، وكذلك مسرحًا للتنافس مع قوى دولية أخرى، ومن هنا، تصبح العلاقة مع مصر علاقة ضرورة استراتيجية وليست خيارًا سياسيًا
ثالثًا: مصر في الحسابات الأمريكية
تنظر الولايات المتحدة للدور المصري بوصفها دولة الارتكاز الاقليمي والوسيط في ملفات الشرق الوسط خاصة في قطاع غزة ، وبوصفها الضامن للاستقرار والقادر علي التعامل وايجاد الحلول في مرحلة ما بعد الصراع، والقادرة علي منع توسع النزاع إقليميًا وتأمين الحدود والمعابر. ومن المرجح أن تؤكد مصر على مركزية الحلول السياسية ورفض المقاربات الأمنية المجردة، مع تحميل المجتمع الدولي مسؤوليات إعادة الإعمار.
في هذا السياق، تكتسب القمة الثنائية المرتقبة بين الرئيس دونالد ترامب وفخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي أهمية خاصة، ليس فقط في بعدها الثنائي، بل في دلالاتها الإقليمية والدولية الأوسع، لتصبح حدثًا كاشفًا عن اتجاهات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، ومكانة مصر في معادلات الاستقرار الإقليمي والدولي، حيث تدخل مصر قمة دافوس 2026 من موقع مختلف عن كثير من دول الإقليم، فهي ليست دولة نزاع، ولا دولة هامشية، بل دولة مركزية تجمع بين موقع جغرافي يتحكم في شرايين التجارة العالمية (قناة السويس)، ثقل سكاني وعسكري وسياسي، دور مؤثر تقليدي في إدارة الأزمات الإقليمية، لذا تتعامل واشنطن مع مصر من منظور أن مصر تمثل صمام أمان في الشرق الأوسط وفي شرق المتوسط وشمال افريقيا، كما انها شريكًا لا غنى عنه في ملفات غزة وليبيا والسودان، وركيزة في أمن البحر الأحمر ومكافحة الإرهاب. وعليه، فإن القمة الثنائية في دافوس ليست مجاملة دبلوماسية، بل جلسة تقييم استراتيجي متبادل.
خامسًا: البحر الأحمر وقناة السويس – الأمن كقيمة اقتصادية
يمثل أمن البحر الأحمر أحد الملفات التي تلتقي فيها المصالح المصرية والأمريكية بشكل شبه كامل. فالاضطرابات في هذا الممر لا تهدد مصر وحدها، بل ترفع كلفة التجارة العالمية، وتضرب سلاسل الإمداد ، وتؤثر على الاقتصاد الأمريكي نفسه ، من هنا ستطرح مصر نفسها كشريك، يمتلك الشرعية الجغرافية، ويملك الخبرة التاريخية، وقادر علي تحمل العبء الأكبر ميدانيًا وبشكل منضبط ومسئول، وارجح كذلك أن تبحث القمة تعزيز التنسيق الأمني والبحري، ودعم القدرات المصرية، وسعي مصر لتثبيت معادلة أن أمن الملاحة مسؤولية جماعية وليست عبئًا مصريًا منفردًا.
وفي هذا السياق يجب أن تروج مصر أن معادلة أمن الملاحة البحرية في البحر الأحمر مرتبطة بتحقيق الأمن والاستقرار في ملف الأمن المائي في حوض النيل، والتعامل بحسم بشان ملف السد الإثيوبي والتوصل لاتفاق قانوني ملزم يقود الاقليمين البحر الاحمر وحوض النيل وشرق إفريقيا للاستقرار، من خلال نطاق تعاون استراتيجي يشمل الربط البري والسكك الحديدية والربط الكهربائي بين دول الساحل الغربي للبحر الأحمر ، علي أن يكون انضمام ‘ثيوبيا لممر التنمية الشرقي هذا مرتبط بتوقيعها اتفاق قانوني ملزم مع دولتي المصب، مصر والسودان لتسيق إدارة السد الاثيوبي بما يحقق مصلحة البلدان الثلاث، وبذلك يصبح نطاق التعاون الاقليمي مبني علي أسس مستقرة تندمج فيها الطاقة والتجارة والبني التحتية في منظومة إقليمية واستراتيجية للتعاون تكون الموارد المائية أحد جوانب هذا التعاون وليس جانبة الوحيد الأهم، وتربط بذلك تلك المنظومة التنموية الاقليمية امن الملاحة واستقرار القرن الافريقي بالأمن المائي في حوض النيل وشرق افريقيا .
سادسًا: الاقتصاد والاستثمار – من الدعم إلى الشراكة
اقتصاديًا، من المنتظر أن تتسم مقاربة ترامب بالوضوح المباشر فسيؤكد غالبا الرئيس ترامب ان الاستقرار مقابل الفرص الاستثمارية، وستركز واشنطن على بيئة الأعمال، الطاقة، البنية التحتية، دور القطاع الخاص الأمريكي. وفي المقابل، ستقدم مصر سردية تعرض من خلالها كونها سوق نامية ومتطورة وكبيرة لذاتها، وبوابة إقليمية، وتحظي باستقرار سياسي وتماسك شعبي في محيط مضطرب، والرهان المصري هنا هو تحويل العلاقة من منطق المساعدات إلى منطق الشراكة الاستراتيجية طويلة الأجل. دعم الاستثمارات الأمريكية في مصر، والتعاون في مجالات الطاقة، والهيدروجين الأخضر، والبنية التحتية، مع تعزيز دور المؤسسات المالية الدولية في دعم الاقتصاد المصري وتحسين برامجة.
سابعًا: الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا – ملف صاعد في العلاقات الثنائية
من الملفات الجديدة نسبيًا على جدول العلاقات المصرية–الأمريكية ملف الذكاء الاصطناعي. ففي دافوس 2026، لم يعد هذا الملف تكنولوجيًا بحتًا، بل أداة قوة وعنصر سيادة، وعامل تنافس دولي، لذا فقد تطرح مصر رؤية تقوم على نقل المعرفة لا الاكتفاء بالحلول الجاهزة، وبناء قدرات بشرية، ومساعدتها في استخدام التكنولوجيا في الإدارة والخدمات، وهو ما يتسق مع توجه عالمي نحو توطين الاستخدام بدل احتكار الإنتاج.
وختاما ، تعد قمة ترامب–السيسي في دافوس 2026 قمة تثبيت أدوار تبع القدرات المعروفة للأطراف ومنها مصر أكثر منها قمة إعلان عن مواقف، واختبارًا لمدى توافق البراغماتية الأمريكية مع الثوابت المصرية، و الأهم كونها مؤشرًا على شكل الترتيبات الإقليمية في المرحلة المقبلة، لذا فأن نجاح القمة لا يُقاس بما سيُعلن، بل بما سيُفهم ضمنيًا من استمرار التنسيق وتبادل المصالح، وفي عالم يتسم بتعدد الأزمات وتداخل الملفات، تبرز مصر كدولة تمتلك رأس مال سياسي–استراتيجي يسمح لها بالتحرك بثقة بين القوى الكبرى، وتمثل دافوس 2026. وقمة ترامب–السيسي تحديدًا، فرصة لإعادة تأكيد هذا الدور، ليس عبر الخطاب، بل عبر إدارة المصالح بواقعية، وتوظيف الموقع الجغرافي والسياسي بوعي استراتيجي.
- سفير د. محمد حجازي مساعدوزير الخارجية المصري الأسبق .
إقرأ المزيد :


