صحيفة إثيوبية : كيف قادت قرارات آبي أحمد إثيوبيا إلى مأزق إقليمي؟

قالت صحيفة «أديس ستاندرد» الإثيوبية المستقلة إن فوز رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بجائزة نوبل للسلام عام 2019 عكس حينها حالة من التفاؤل الدولي، باعتبار أن إحدى الدول المحورية في القرن الأفريقي اختارت مسار السلام المؤسسي بدلًا من السياسة العسكرية، والمصالحة بدل الإكراه، والتعاون الإقليمي بدل منطق الصراع الصفري. إلا أن هذا التفاؤل، بحسب الصحيفة، سرعان ما تلاشى خلال السنوات اللاحقة.
اتفاق السلام مع إريتريا… سلام شخصي بلا مؤسسات
أوضحت الصحيفة في افتتاحيتها أن اتفاق السلام بين إثيوبيا وإريتريا (2018–2019)، والذي استند إليه منح جائزة نوبل، لم يقم على أسس دستورية أو رقابة برلمانية أو مساءلة شعبية، بل ظل اتفاقًا شخصيًا بين الزعيمين، معزولًا عن المؤسسات الرسمية وبعيدًا عن أي تدقيق عام.
وخلال فترة وجيزة، تحول هذا التقارب المعلن إلى تحالف عسكري سري، ومع حلول عام 2020، حل خطاب الحرب محل خطاب السلام، لينتهي الأمر باندلاع الحرب المدمرة في إقليم تيغراي. ووفق الصحيفة، فإن ما تم الترويج له دوليًا كمصالحة تاريخية، أصبح داخليًا تمهيدًا لعنف جماعي ضد مواطنين إثيوبيين.
مذكرة التفاهم مع أرض الصومال… تكرار لنمط مزعزع للاستقرار
واعتبرت «أديس ستاندرد» أن هذا النمط، القائم على خطاب توسعي يقود إلى نتائج مزعزعة للاستقرار، بات السمة الأبرز للسياسة الإقليمية الإثيوبية. وأشارت إلى أن مذكرة التفاهم الموقعة مع أرض الصومال في يناير 2024 جاءت على النهج ذاته، وإن لم تؤدِ إلى حرب فورية.
فقد أُعلن عن الاتفاق دون وضوح قانوني، أو مشاورات إقليمية، أو احترام لسيادة الصومال، وجرى تقديمه بوصفه اختراقًا تاريخيًا يضمن وصول إثيوبيا إلى البحر مقابل الاعتراف بأرض الصومال كدولة مستقلة. غير أن النتيجة جاءت معاكسة، حيث أدت المذكرة إلى تحالفات مضادة متوقعة.
تصعيد صومالي وتداعيات على حفظ السلام
رأت الصومال في الاتفاق تحديًا مباشرًا لسلامة أراضيها، ما دفعها إلى تصعيد دبلوماسي واسع والسعي لحشد دعم خارجي. وبدلًا من تعزيز الموقع الاستراتيجي لإثيوبيا، ساهمت مذكرة التفاهم، بحسب الصحيفة، في تسريع عسكرة الإقليم وإضعاف مكانة أديس أبابا ضمن ترتيبات حفظ السلام الأفريقية.
إعلان أنقرة… محاولة متأخرة لاحتواء الضرر
وأشارت الصحيفة إلى أن الجهود الرامية لاحتواء تداعيات الأزمة جاءت متأخرة، إذ حاولت إثيوبيا والصومال في ديسمبر 2024 إعادة ضبط العلاقات عبر إعلان أنقرة، الذي أكد سيادة الصومال وسلامة أراضيها، مع الاعتراف في الوقت ذاته بمصلحة إثيوبيا في ضمان الوصول إلى البحر. إلا أن «أديس ستاندرد» أكدت أن الضرر الاستراتيجي كان قد وقع بالفعل.
اعتراف إسرائيل بصوماليلاند… متغير إقليمي جديد
وتابعت صحيفة أديس ستاندرد ” ازداد المشهد تعقيدًا مع اعتراف إسرائيل بصوماليلاند، في خطوة غير مسبوقة من دولة عضو في الأمم المتحدة، وهو ما أضاف عنصرًا جديدًا ومزعزعًا للاستقرار. وقد قوبل القرار بإدانات من جيبوتي ومصر والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي.
وبالنسبة لإثيوبيا، ترى الصحيفة الإثيوبية المستقلة أن هذه الخطوة عقدت حسابات دبلوماسية كانت دقيقة أصلًا، إذ لطالما حافظت أديس أبابا على علاقات وثيقة لكن غير معلنة مع صوماليلاند، مع الامتناع عن الاعتراف الرسمي بها، في موقف حذر عبّر عنه رئيس الوزراء الراحل ميليس زيناوي بقوله إن إثيوبيا «لن تكون الأولى ولا الثالثة» التي تعترف بها. إلا أن هذا الغموض بات مكلفًا، إذ ضيّق هامش المناورة الدبلوماسية الإثيوبية.
الحدود الغربية والحرب في السودان… خطر تمدد الصراع
أضافت الصحيفة أن الحدود الغربية لإثيوبيا تمثل بُعدًا آخر للهشاشة، في ظل تحول الحرب الأهلية في السودان إلى صراع ذي طابع دولي. وقد حذرت الأمم المتحدة من شبكات الأسلحة والتمويل والتحالفات السياسية العابرة للحدود، مؤكدة أن هذه التدفقات غير المنضبطة قد تشعل صراعات جديدة، ليس فقط في تشاد أو جنوب السودان، بل ربما داخل إثيوبيا نفسها.
أزمات داخلية واستنزاف عسكري
وأكدت الصحيفة الاثيوبية أن هذه الضغوط الخارجية تتداخل مع مواطن ضعف داخلية عميقة، حيث تعرضت قوات الدفاع الوطني الإثيوبية لاختبارات قاسية نتيجة صراعات ممتدة وعمليات تطهير سياسي، استهدفت خصوصًا ضباطًا ذوي خبرة من إقليم تيغراي. كما تستنزف الحروب المتزامنة في أوروميا وأمهرة الموارد وتقوض التماسك الوطني، في وقت لم يُنفذ فيه اتفاق بريتوريا بشكل كامل، ما أبقى جذور الصراع دون معالجة.
البحر الأحمر… من ملف اقتصادي إلى خطاب وجودي
وقالت صحيف أديس ستاندرد ” وفي ظل هذا الضعف الداخلي، لجأت القيادة الإثيوبية إلى تصوير مسألة الوصول إلى البحر الأحمر كقضية وطنية وجودية. ففي بيان صدر في سبتمبر 2025، وصفت قوات الدفاع الوطني الإثيوبية إنكار مطالب إثيوبيا في البحر الأحمر وميناء عصب الإريتري بأنه «يفتقر لأي أساس منطقي»، معتبرة القضية «معاناة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود وأضرت بشرف الأمة».
وأشارات إلي ما صرّح به رئيس الوزراء آبي أحمد بأن «أي إثيوبي يعتقد أن إثيوبيا ستظل أسيرة للجغرافيا إلى الأبد هو شخص ميت»، بينما وصف مسؤولون عسكريون كبار الوصول إلى البحر، خاصة عبر عصب، بأنه حق تاريخي ومسألة بقاء.
تراكم الأخطاء وتزايد عدم الاستقرار
ورأت الصحيفة الاثيوبية أن القرارات التي وُصفت مرارًا بـ«الجريئة» أو «التاريخية» أدت في الواقع إلى تحالفات معاكسة صبت في مصلحة خصوم إثيوبيا. ومع تداخل الأزمات السودانية، وخطأ حسابات أرض الصومال، وتصاعد التوترات في البحر الأحمر، والتنافسات الخليجية، والصراعات الداخلية غير المحسومة، يتجه القرن الأفريقي نحو مزيد من عدم الاستقرار.
سياسة خارجية بلا تماسك داخلي
خلصت «أديس ستاندرد» إلى أن السياسة الخارجية الإثيوبية اصطدمت بحقيقة أساسية: لا يمكن لأي دولة أن تُظهر قوة خارجية وهي تعاني من انقسامات داخلية. فإثيوبيا لا تعاني نقصًا في الطموح، بل في الاستقرار والتماسك والثقة المؤسسية، معتبرة أن الدبلوماسية الحازمة المنفصلة عن السلام الداخلي تتحول من أداة ضغط إلى عبء ثقيل.
الطريق إلى التصحيح… من الداخل أولًا
وأكدت الصحيفة أن أي تحول حقيقي يجب أن يبدأ من الداخل، عبر التنفيذ الكامل والصادق لاتفاقية بريتوريا وإنهاء النزاعات الداخلية، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا لسياسة خارجية مستدامة.
كما شددت على ضرورة التخلي عن الدبلوماسية الشخصية والارتجالية لصالح سياسة خارجية مؤسسية، تستند إلى الدستور، والرقابة البرلمانية، والمساءلة العامة، بما يعزز القدرة على التنبؤ ويطمئن الجيران.
واقعية استراتيجية بدل المواجهة
وأخيرًا، دعت الصحيفة إثيوبيا إلى إعادة تقييم موقفها الإقليمي، معتبرة أن الوصول إلى البحر يمثل تحديًا اقتصاديًا ودبلوماسيًا، لا ذريعة للحرب. فتصويره كمسألة بقاء يُعسكر الدبلوماسية ويُنفّر الشركاء، بينما يكمن أمن إثيوبيا طويل الأمد في ترتيبات تفاوضية قائمة على الثقة والتكامل الإقليمي.
وختمت «أديس ستاندرد» بالقول إن انحدار إثيوبيا من وعود النجاح إلى حالة الهشاشة الإقليمية ليس قدرًا محتومًا، لكن عكس هذا المسار يتطلب مواجهة حقائق صعبة، إلى أن يُستعاد الاستقرار الداخلي وتُبنى السياسة الخارجية على أسس مؤسسية راسخة، ستظل طموحات إثيوبيا للقيادة الإقليمية هشة، وسيواصل القرن الأفريقي دفع ثمن سلامٍ وُعد به ولم يُرسَّخ.
إقرأ المزيد :
إثيوبيا على أبواب انتخابات 2026: صراعات عرقية وأزمات سياسية تهدد مشروع أبي أحمد السياسي




