أخبار عاجلةاخبار افريقياالرأيالسودان

المحلل السياسي السوداني الدكتور عبد الناصر سلم حامد يكتب : السلام الذي يحمي الدولة أم الهدنة التي تُقنّن التفكك؟

قراءة تحليلية في مقال البرهان ومعركة تعريف السلام في السودان

في الحروب الداخلية، لا يكون الخلاف الحقيقي حول وقف القتال بقدر ما يكون حول طبيعة السلام الذي سيليه: هل سيكون سلامًا يحفظ الدولة ويُنهي أسباب العنف، أم هدنة تُحوِّلها إلى كيان يُدار بالأزمات؟ من هذا المنظور، لا يمكن قراءة مقال الفريق أول عبد الفتاح البرهان المنشور في المنصة التركية Almanac Diplomatique كموقف تفاوضي تقليدي، ولا كرسالة سياسية ظرفية موجهة إلى الخارج؛ بل كمقاربة سياسية تسعى إلى إعادة ضبط قواعد النقاش ذاتها حول الحرب والسلام قبل الانخراط في أي تسوية.

ينطلق المقال لا من سؤال “كيف نوقف القتال؟”، بل من سؤال أكثر عمقًا وخطورة: كيف نمنع تحويل التفكك إلى واقع طبيعي يجري التكيّف معه دوليًا؟ بهذا التحويل، ينتقل النقاش من مستوى الإجراءات الإنسانية العاجلة إلى مستوى تعريف الدولة وحدود الشرعية ومعنى السلام الممكن في سياق يتسم بازدواج القوة.

يرتكز المقال على مسلّمة تأسيسية واضحة: أن الأزمة السودانية ليست نزاعًا سياسيًا بين أطراف متنافسة، بل أزمة سيادة ناتجة عن وجود فاعل مسلح خارج السلسلة القيادية للدولة.. هذا توصيف تحليلي يقيّد طبيعة الحلول الممكنة؛ فحين تُعرّف الحرب بوصفها مسألة سيادة، لا يعود السلام اتفاقًا بين أطراف متكافئة، بل عملية إعادة توحيد لمرجعية القرار واحتكار الدولة لاستخدام القوة.

ضمن هذا الإطار، يعيد المقال تعريف وقف إطلاق النار ذاته, فالهدنة، كما تُطرح في المقاربات الإنسانية الشائعة، تُفهم غالبًا كتعليق محايد للعنف يفتح الطريق أمام السياسة, غير أن المقال يتعامل معها بوصفها أداة سياسية غير محايدة تعيد توزيع الزمن والمساحة والموارد, وفي ظل ازدواج القوة، لا تُنهي الهدنة غير المُقيّدة الصراع بقدر ما تُجمّده، وتحوّل العنف من مواجهة مفتوحة إلى نزاع مُدار يسمح بإعادة التموضع وتثبيت النفوذ داخل المجال المدني.

وبهذا المعنى، يتعامل ما ورد في مقال البرهان مع وقف إطلاق النار من منظور إدارة الصراع لا حسمه، محذّرًا من أن الهدنة غير المُقيّدة قد تُنتج استقرارًا شكليًا يُخفّف حدّة العنف آنياً، لكنه يُبقي الأسباب البنيوية قائمة ويؤجّل انفجارها إلى جولة لاحقة أكثر تعقيدًا.

من هنا، لا يُقرأ التحفّظ على الهدنة كرفض للسلام، بل كتحفّظ بنيوي على هدنة قد تُقنّن الازدواج بدلا من أن تُنهيه, لذلك تُطرح شروط الانسحاب من المناطق المدنية، وتجميع القوات، وإبعاد القدرات القتالية الثقيلة، لا باعتبارها مطالب تفاوضية قابلة للمساومة، بل كمؤشرات عملية على استعادة قدرة الدولة المؤسسية, ووظيفتها السياسية الأعمق نزع ما يمكن تسميته بالاعتراف الوظيفي الذي يتسرّب حين يُتعامل مع الفاعل المسلح كسلطة أمر واقع داخل المدن، حتى دون اعتراف رسمي.

وفي جوهر المقال، لا يُقدَّم وقف النار كغاية مستقلة، بل كأداة مشروطة بقدرتها على تصحيح الخلل البنيوي الذي أنتج الحرب. فالسؤال ليس توقيت الهدنة، بل وظيفتها السياسية: هل تُعيد بناء مركز الدولة أم تُثبّت ازدواج القوة تحت غطاء إنساني؟ بهذا المعنى، يحذّر المقال من أن الهدنة غير المُقيّدة قد تتحول، من حيث لا تقصد، إلى آلية لتطبيع سلطات الأمر الواقع عبر إدارة مشتركة للمجال المدني، وتطبيع إداري تدريجي، ثم تقنين سياسي لاحق.

هذه المقاربة لا ترفض السلام، بل تُعيد تعريفه بوصفه عملية تفكيك لأسباب العنف لا مجرد تعليق لنتائجه. وهي تضع المجتمع الدولي أمام اختبار عملي: أي مبادرة لا تُغيّر هندسة السيطرة على الأرض ولا تُنهي الازدواج داخل المدن والمؤسسات، إنما تُدير الصراع وتؤجّل انفجاره بدل منعه.

وفي هذا السياق، يلمّح المقال، دون تسمية، إلى أن بعض المقاربات الدولية أسهمت موضوعيًا في إطالة أمد الحرب. فالإصرار على هدنة غير مُقيّدة مع التغاضي عن الانسحاب والتجميع خلق حوافز سلبية شجّعت على إدارة النزاع بدل حسم أسبابه البنيوية؛ إذ تُخفف الهدنة العنف مؤقتًا لكنها تُحوّل الزمن إلى عامل ضغط على الدولة لا على الفاعل المسلح خارجها.

بهذا المعنى، لا يدافع المقال عن مؤسسة بعينها، بل عن مبدأ تأسيسي في بناء الدول: لا استقرار مستدام مع ازدواج القوة. هذا المبدأ، وإن بدا صارمًا، أثبتت تجارب عديدة أن تجاهله يُنتج دولًا تفاوضية مشلولة تعيش داخل تسويات مؤقتة وتفتقر إلى القدرة على فرض القانون. السلام هنا ليس إعلانًا، بل هندسة للاستقرار تبدأ بإعادة بناء المركز.

ومن زاوية التفاوض، يعيد المقال تعريف نقطة البداية ونطاق المساومة: بدل “متى نوقف النار؟” يصبح السؤال “كيف نوقفها دون تقنين التفكك؟”. بهذا التحويل، يُعاد توزيع الضغط على الوسطاء وتُطالَب المبادرات بإثبات أنها لا تُعيد إنتاج الازدواج تحت عناوين إنسانية.

كما يُعاد ضبط مفهوم السيادة من شعار إلى أداة اختبار عملية: هل تزيد المبادرة قدرة الدولة أم تُضعفها؟ هل تُوحد المرجعية أم تُجزّئها؟ السيادة هنا معيار تقييم، لا ذريعة تعطيل.

ولا يقل اختيار المنصة التركية للنشر دلالة عن المضمون؛ فالمنبر جزء من الرسالة ويعكس تنويع مسارات الاعتراف وبناء جمهور شرعية أوسع لمقاربة ترى أن الاستقرار لا يُبنى بالموازنات بين الفوضى والنظام، بل بترجيح كفة الدولة.

وفي خلفية المقال تحضر نبرة تحذير من تكرار أخطاء تسويات قايضت إنهاء العنف بشرعنة ازدواج القوة، فانتهت إلى إعادة إنتاج الحرب. لا تُستدعى هذه التجارب صراحة، لكنها تعمل كذاكرة سياسية تُقيّد الحاضر وتفرض حذرًا من حلول تبدو واقعية لحظيًا لكنها مكلفة استراتيجيًا حين تتحول إلى نمط دائم.

ويكشف هذا الطرح كذلك عن إدراك لمخاطر الانزلاق نحو دولة منخفضة القدرة، تُدار بتوازنات القوة لا بمرجعية القانون؛ حيث تتحول التسويات المؤقتة إلى نمط دائم، وتغدو السيادة محل تفاوض مستمر بدل كونها إطارًا حاكمًا.

يبقى عامل الزمن التحدي الأكبر. فاشتراط تفكيك بنية القوة الموازية قبل الهدنة يراهن على نافذة حسم في بيئة استنزاف. ومع ذلك، يختار المقال تحمّل الرهان انطلاقًا من قناعة بأن كلفة التأجيل المنضبط أقل من كلفة تسوية رمادية تُرحّل الانفجار.

اللافت أخيرًا ما يتعمّد المقال عدم الخوض فيه: لا تفصيل لمرحلة ما بعد الحرب ولا نقاش للانتقال السياسي. هذا الغياب ترتيب أولويات لا فراغ؛ فلا سياسة بلا دولة، ولا انتقال بلا مركز قادر على فرض القانون.

في التحليل الأخير، لا يطرح المقال خيارًا بين الحرب والسلام، بل بين نموذجين للدولة: دولة تُفاوض على سيادتها باسم الواقعية، ودولة تُعيد بناء واقعها لتجعل السلام ممكنًا. وبين النموذجين، الخلاف استراتيجي خالص: إما سلام يُنهي أسباب العنف، أو هدنة تُدير نتائجه.

لا يدعو هذا المقال إلى إدامة الحرب، بل إلى سلامٍ لا يعيد إنتاجها في صيغة مؤجلة.

ويبقى السؤال السيادي الجامع: هل يمكن بناء سلام مستدام في دولة تُدار بتوازن الازدواج، أم أن أي تسوية لا تُعيد مركز القوة ستظل هدنة مؤقتة تُرحِّل الانفجار  ؟ .

  • الدكتور  عبدالناصر سلم حامد .. كبير الباحثين ومدير برنامج السودان وشرق أفريقيا – فوكس السويد وباحث أول في إدارة الأزمات ومكافحة الإرهاب .

إقرأ المزيد :

الدكتور عبد الناصر سلم حامد يكتب : لماذا لا يقصف الجيش السوداني كوبري جبل أولياء؟ .. قرار عسكري محسوب… بين المكاسب التكتيكية والخطر الإقليمي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »