أخبار عاجلةالرأي

رامي زهدي يكتب : إسرائيل – إثيوبيا .. تحالف “مشبوه” على حافة الشرعية

قراءة استراتيجية في دلالات زيارة الرئيس الإسرائيلي إلى أديس أبابا وانعكاساتها على توازنات القرن الإفريقي والأمن القومي لدول الجوار في ضوء مبدأ وحدة وسيادة الدول

ليست زيارة الرئيس الإسرائيلي إلى أديس أبابا حدثا معزولا عن سياقه أبدا، ولا يمكن حصرها في إطار نمطي تقليدي تحكمه العلاقات الدبلوماسية أو حسابات التعاون الثنائي، ولكن نحن أمام لحظة تقاطع بين مشروعين سياسيين يتحركان في فضاء إقليمي هش مُعقد ومتشابك، تحكمه خرائط معقدة من التوازنات الإثنية والحدودية والموارد الطبيعية والممرات البحرية والتجارية، وحين نقرأ الزيارة في ضوء استضافة إثيوبيا لقمة الاتحاد الإفريقي الأخيرة، وما صدر عنها من تأكيد واضح على مبدأ وحدة دول القارة الإفريقية ورفض المساس بسيادتها، يصبح من المشروع التساؤل حول اتساق السلوك السياسي الإثيوبي مع روح الاجماع الأفريقي الذي تشكل عبر عقود من المعاناة.

القارة الأفريقية لم تصل إلى مبدأ احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار بسهولة، حيث كان هذا المبدأ، الذي كرسه سابقا ميثاق منظمة الوحدة الافريقية ثم أعاد تأكيده الاتحاد الافريقي، بمثابة صمام أمان حال دون تفجر مئات النزاعات الكامنة، و يكفي أن نشير إلى أن إفريقيا تضم أكثر من 2000 مجموعة إثنية، وأن اعادة فتح ملف الحدود على أساس الهويات كفيلا بادخال القارة في دوامة لا تنتهي.
من هنا، فإن أي خطوة قد تفسر باعتبارها اعترافا ضمنيا أو صريحا بكيانات انفصالية خارج إطار الدولة الوطنية تمثل خروجا عن روح هذا التوافق التاريخي الذي توارثته دول القارة من الآباء المؤسسين.

إثيوبيا، في سعيها المعلن للحصول على منفذ بحري دائم، وقعت تفاهمات مع إقليم أرض الصومال، وهو إقليم يتمتع بقدر من الاستقرار النسبي لكنه غير معترف به دوليا كدولة مستقلة، وهذه الخطوة وضعت أديس ابابا في مواجهة مباشرة مع الحكومة الفيدرالية في مقديشو، وأثارت قلقا إقليميا واسعا، وحين تتزامن هذه التحركات مع زيارة رفيعة المستوى من دولة مثل إسرائيل، التي تمتلك تاريخا طويلا من التداخلات الأمنية في مناطق النزاع وخروج دائم عن الشرعية الدولية، فإن هذه الزيارة تعزز المخاوف من تشكل محور مصالح يتقدم فيه منطق القوة على منطق التوافق الإقليمي.

الحضور الإسرائيلي في القرن الإفريقي وشرق القارة ليس طارئا، فمنذ ستينيات القرن الماضي، تبنت تل أبيب ما عرف بسياسة الأطراف، ساعية إلى بناء علاقات مع دول غير عربية في محيط الشرق الأوسط والقرن الأفريقي لكسر الطوق الجغرافي والسياسي، ومع مرور الوقت، تطور هذا الحضور ليشمل مجالات الزراعة الحديثة، إدارة المياه، التكنولوجيا، ثم توسع ليطال قطاعات الأمن والدفاع.

وهناك تقديرات اقتصادية تشير إلى أن حجم التبادل التجاري بين إسرائيل وإفريقيا جنوب الصحراء يتجاوز ملياري دولار سنويا، مع نمو في صادرات التكنولوجيا المتقدمة وأنظمة المراقبة، كما تشير تقارير بحثية إلى وجود تعاون في مجالات الطائرات المسيرة والأنظمة السيبرانية في عدد من دول شرق أفريقيا.

غير أن المسألة لا تتعلق بالأرقام فقط، بل بطبيعة التموضع، فالقرن الأفريقي يمثل عقدة جيوسياسية شديدة الحساسية، فهو يطل على البحر الأحمر وباب المندب، حيث يمر ما يقارب 10 الى 12 بالمئة من التجارة العالمية، ونسبة معتبره من امدادات الطاقة المتجهة إلى أوروبا، وبالتالي أي وجود أمني أو تكنولوجي متقدم في هذه المنطقة يكتسب بعدا يتجاوز الإطار المحلي، ليصبح جزءا من لعبة توازنات دولية معقدة، تتداخل فيها مصالح قوى إقليمية ودولية متعددة.

في المقابل، تمر إثيوبيا بمرحلة اعادة تعريف لدورها الإقليمي، حيث عدد سكانها الذي يتجاوز 120 مليون نسمة، ما يجعلها ثاني أكبر دولة افريقية من حيث عدد السكان، بينما يسجل اقتصادها معدلات نمو مرتفعة خلال العقد الماضي، قاربت في بعض السنوات 8 الى 10 بالمئة، لكنها واجهت منذ عام 2020 تحديات عميقة بسبب الحرب في إقليم تيجراي، والتوترات في أوروميا وأمهره ، والضغوط المالية، حتي أن الدين الخارجي تجاوز 28 مليار دولار في ظل شكوك حول القدرة علي السداد، ومعدلات التضخم تخطت 30 بالمئة في بعض الفترات، فيما تعرضت العملة المحلية لضغوط متزايدة، وفي هذا السياق، تبحث أديس أبابا عن داعمين تقنيين وأمنيين، وعن شركاء قادرين على توفير استثمارات وتكنولوجيا متقدمة.

المشترك بين المشروعين الإسرائيلي والإثيوبي يكمن في نزعة واضحة لإعادة تشكيل المجال الحيوي، فإسرائيل، في محيطها الشرق أوسطي، متهمة بالسعي إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، وبأن سياساتها أسهمت في دورات متكررة ومستمرة من عدم الاستقرار، وإثيوبيا، عبر سعيها الحثيث للوصول إلى البحر، وادارتها لملف سد النهضة بصورة أحادية في مراحل متعددة ممتدة أيضا، ترسل اشارات بأنها ترى نفسها قوة مركزية لها حق إعادة صياغة التوازنات الإقليمية، وإن كان الطموح في ذاته مشروع، لكن الاشكالية تكمن في مدى احترام مصالح الجوار ومخاوفه الوجودية والقانون والشرعية الدولية.

انعكاسات هذا التقارب على الصومال تبدو مباشرة، فالصومال الذي لا يزال يعيد بناء دولته بعد عقود من الانهيار، يخوض معركة معقدة ضد حركة الشباب، ويعتمد على دعم اقليمي ودولي لتثبيت مؤسساته، وأي مساس بسيادته أو التعامل مع أقاليمه بمعزل عن الحكومة المركزية يقوض جهود اعادة بناء الدولة، ويبعث برسائل سلبية إلى بقية الأقاليم الهشة في القارة.
السودان بدوره، غارق في حرب مدمرة منذ عام 2023، وبات أكثر هشاشة أمام أي إعادة توزيع للقوة في محيطه، خاصة في ظل تداخل ملفات الحدود والمياه والأمن.

يثار أيضا تساؤل حول ما إذا كانت إثيوبيا تسعى من خلال توسيع تعاونها مع إسرائيل إلى تعزيز موقعها التفاوضي في ملف سد النهضة، أو إلى إرسال رسائل غير مباشرة إلى القاهرة، ومن منظور مصري، يعتمد أكثر من 95 بالمئة من احتياجات المياه على نهر النيل، ما يجعل أي إختلال في تدفقاته مسألة وجودية، ومصر شاركت في مسارات تفاوضية متعددة، ودعت إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم ملء وتشغيل السد بما يراعي مصالح الدول الثلاث، غير أن غياب الاتفاق حتى الآن، واستمرار السياسات الأحادية في معظم المراحل، عمق فجوة الثقة.

القاهرة تنظر إلى استقرار القرن الأفريقي باعتباره جزءا لا يتجزأ من أمنها القومي، البحر الأحمر، قناة السويس، وحركة التجارة والطاقة كلها ترتبط مباشرة باستقرار الضفة المقابلة، ومن ثم، فإن أي تحالفات قد تفسر باعتبارها تشجيعا لنزعات تفتيتية أو اعادة هندسة خرائط بالقوة، ستقابل بقراءة مصرية دقيقة، مع تفعيل أدوات الدبلوماسية والسياسة والاقتصاد لتعزيز الحضور المصري في القارة، وتوسيع شبكات المصالح المشتركة بما يقلص فرص الاستقطاب.

الاشكالية الأكبر تكمن في الرسالة الرمزية التي قد تصدر عن هذا التقارب، فحين تتلاقى دولتان تتعرضان لانتقادات دولية بشأن احترام قواعد الشرعية الدولية، فإن الصورة الذهنية التي تتشكل هي أن الخارجين عن الاجماع يستقوي بعضهم ببعض، ربما لا يكون هذا التوصيف دقيقا بالكامل، لكنه يكتسب زخما في بيئة إقليمية مشحونة، المصالح قد تتقاطع، لكن حين يكون التقاطع على حساب مبادئ مستقرة مثل وحدة الدول واحترام السيادة، فإن الكلفة السياسية بعيدة المدى قد تتجاوز المكاسب التكتيكية.

القرن الإفريقي اليوم في حاجة إلى صناعة حالات صلبة لاستقرار شامل، يقوم على التكامل الاقتصادي، وتعزيز التجارة البينية التي لا تزال في حدود 15 الى 18 بالمئة من اجمالي تجارة القارة، مقارنة بأكثر من 60 بالمئة داخل الاتحاد الأوروبي.
الإقليم يحتاج إلى مشروعات ربط لوجستي وموانئ وسكك حديد، وإلى استثمارات في الطاقة المتجددة والزراعة والصناعات التحويلية، أما تحويله إلى ساحة رسائل متبادلة ومحاور متنافسة، فسيعيد انتاج أنماط الصراع التي دفعت شعوب المنطقة ثمنها لعقود.

ليست المشكلة في أن تنوع اثيوبيا شراكاتها، ولا في أن تسعى إسرائيل إلى توسيع حضورها الأفريقي هي في النهاية دولة وإن كانت مفروضة بالقوة علي الإقليم وربما العالم، لكن المشكلة في أن يتم ذلك دون حساسية كافية تجاه توازنات إقليمية دقيقة، ودون ادراك أن الاستقرار قيمة عليا في أقاليم هشة.

أفريقيا التي تطمح إلى تنفيذ أجندة 2063، وبناء سوق قارية موحدة، لا تحتمل مغامرات غير محسوبة تعيدها إلى منطق الاستقطاب،وما بين المصالح والمبادئ، يبقى الاختبار الحقيقي لقدرة القيادات على تغليب منطق الدولة الوطنية المسؤولة، التي تدرك أن القوة ليست فقط في امتلاك التكنولوجيا أو التحالفات، بل في احترام الجوار وصون الإجماع القاري.

والتاريخ يعلمنا أن التحالفات التي تتشكل خارج سياق الشرعية قد تمنح دعما آنيا، لكنها تزرع بذور توترات ممتدة، والاستقرار في النهاية ليس شعارا، بل شرطا لازدهار الشعوب وبقاء الدول.

 

إقرأ المزيد :

مصر تؤكد دعمها الكامل للجهود الرامية للقضاء على التنظيمات الإرهابية في وسط وغرب أفريقيا ومنطقة الساحل الإفريقي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »