أخبار عاجلةالرأي

رامي زهدي يكتب : الهند وإسرائيل .. تقاطع المصالح بين براغماتية القوة وتحولات النظام الدولي 

قراءة استراتيجية في دلالات زيارة رئيس الوزراء الهندي إلى تل أبيب وانعكاساتها على موازين القوى في الشرق الأوسط، وعلى تموضع نيودلهي في معادلة التنافس الدولي وصياغة الشراكات العابرة للأقاليم

ليست زيارة رئيس الوزراء الهندي إلى إسرائيل محطة دبلوماسية عابرة في سجل العلاقات الثنائية، بل هي تعبير مكثف عن لحظة دولية يعاد فيها رسم خرائط الشراكات خارج القوالب التقليدية والنمطية الدولية، فنحن أمام تلاقي قوتين صاعدتين في حسابات الإقليم، إحداهما قوة آسيوية كبرى تبحث عن تثبيت موقعها في معادلة القرن الحادي والعشرين، والأخرى فاعل إقليمي يمتلك تأثيرا أمنيا وتكنولوجيا يتجاوز مساحته الجغرافية بكثير.

الهند، التي يتجاوز عدد سكانها 1.4 مليار نسمة، والتي بات اقتصادها يحتل المرتبة الخامسة عالميا من حيث الناتج المحلي الإجمالي الاسمي، تنتهج منذ سنوات سياسة خارجية أكثر جرأة وانفتاحا، قائمة على تنويع الشراكات وتفكيك الاصطفافات الجامدة،

ولم تعد نيودلهي أسيرة منطق عدم الانحياز التقليدي، بل أعادت تعريفه بصورة براغماتية، تسمح لها بالتحرك بين واشنطن وموسكو وبكين، وبين الخليج وأوروبا، وفق حسابات المصلحة القومية الصرفة.. في هذا السياق، تمثل إسرائيل شريكا تكنولوجيا وأمنيا مهما للهند.

حجم التبادل التجاري بين البلدين تجاوز في السنوات الأخيرة 7 مليارات دولار، مع حضور قوي للتعاون في مجالات الدفاع، أنظمة المراقبة، الطائرات بدون طيار، والأمن السيبراني.. والهند تعد من أكبر مستوردي السلاح في العالم، وإسرائيل من أبرز مورديها، حيث تشير تقديرات إلى أن نسبة معتبرة من صادرات الصناعات الدفاعية الإسرائيلية تتجه إلى السوق الهندية.

غير أن القراءة الاستراتيجية لا تقف عند حدود الأرقام، فالزيارة تعكس تحولا أعمق في تموضع الهند داخل الشرق الأوسط، وهي منطقة تعتمد عليها نيودلهي في تأمين أكثر من 60 بالمئة من احتياجاتها من الطاقة، وتستضيف ملايين العمال الهنود الذين يشكلون رافعة مالية عبر تحويلاتهم.

والهند تدرك أن أمن الممرات البحرية في بحر العرب والبحر الأحمر والخليج مسألة حيوية لاقتصادها، ومن ثم فإن أي شراكة مع إسرائيل يجب أن تُفهم ضمن منظومة أوسع من الحسابات الإقليمية.

في المقابل، تنظر إسرائيل إلى الهند باعتبارها شريكا استراتيجيا يفتح لها أبواب آسيا الواسعة، ويمنحها ثقلا إضافيا في مواجهة الانتقادات الدولية المتكررة، والتقارب مع قوة بحجم الهند، عضو مجموعة العشرين وصاحبة تأثير متنامٍ في المحافل الدولية، يمثل لإسرائيل مكسبا سياسيا ورمزيا، خصوصا في ظل سعيها لكسر أي عزلة محتملة.

غير أن هذه العلاقة لا تتحرك في فراغ أو عشوائيا أو بإندفاع، لأن المنطقة تعيش على وقع توترات مستمرة، والصراع الفلسطيني الإسرائيلي لا يزال مفتوحا، وتوازنات الخليج تمر بمرحلة إعادة تشكل وبالتالي الهند تحاول السير على خيط دقيق، فهي تحتفظ بعلاقات تاريخية مع العالم العربي، وتدعم حل الدولتين رسميا، وفي الوقت ذاته تعمق تعاونها مع إسرائيل دون أن تنخرط في استقطابات حادة.

السؤال الجوهري هنا يتعلق بمدى قدرة نيودلهي على الحفاظ على هذا التوازن الدقيق، فكلما تعمق التعاون الأمني والتكنولوجي مع إسرائيل، ارتفعت حساسية بعض العواصم العربية، خاصة إذا ارتبط التعاون بملفات عسكرية أو استخباراتية، ومع ذلك، يبدو أن الهند تراهن على براغماتية شركائها في الخليج، الذين بدورهم نسجوا علاقات مباشرة مع إسرائيل في السنوات الأخيرة ولاسيما الإمارات، وهو ما يخفف من حدة التناقض الظاهري.

من زاوية أوسع، تعكس الزيارة جزءا من التحولات في النظام الدولي، حيث العالم يتجه نحو تعددية قطبية غير مكتملة، حيث تسعى قوى متوسطة وكبرى إلى بناء شبكات مصالح عابرة للأقاليم، تتجاوز الانقسامات الأيديولوجية القديمة، والهند هنا تمارس دبلوماسية المصالح، لا دبلوماسية الشعارات، وتعيد تعريف دورها كقوة تكنولوجية وصناعية تسعى إلى نقل المعرفة، وتوطين الصناعات الدفاعية، وتقليل الاعتماد على مورد واحد.

لكن يبقى البعد الأخلاقي والسياسي حاضرا في المشهد، فكل شراكة مع طرف منخرط في صراعات مفتوحة تضع الشريك أمام اختبار الموازنة بين المصالح والقيم المعلنة.
الهند، التي تقدم نفسها كأكبر ديمقراطية في العالم، مطالبة بإدارة هذا التوازن بعناية، حتى لا يُنظر إلى انخراطها المتزايد في شراكات أمنية باعتباره تجاهلا لمعاناة شعوب المنطقة أو انحيازا غير متوازن.

الزيارة إذن ليست مجرد لقاء بين حكومتين، بل مؤشر على إعادة صياغة العلاقات الدولية خارج الأطر التقليدية، وهي رسالة بأن آسيا والشرق الأوسط لم يعودا مسرحين منفصلين، بل فضاء متداخلا تتقاطع فيه الطاقة بالتكنولوجيا، والأمن بالاقتصاد، والسياسة بالممرات البحرية.

في النهاية، ستظل قدرة الهند على الحفاظ على علاقات متوازنة مع جميع أطراف الإقليم هي الاختبار الحقيقي لنجاح سياستها الجديدة، والقوة في عالم اليوم لا تقاس فقط بحجم الاقتصاد أو عدد السكان، بل بمدى القدرة على إدارة التناقضات دون الوقوع في فخ الاستقطاب، وبين المصالح والمبادئ، تكتب نيودلهي فصلا جديدا في دبلوماسية القوة الهادئة، حيث تسعى إلى تعظيم المكاسب دون أن تخسر فضاءاتها الحيوية في الشرق الأوسط.

  • رامي زهدي — خبير الشؤون الإفريقية .

إقرأ المزيد :

رامي زهدي يكتب : إسرائيل – إثيوبيا .. تحالف “مشبوه” على حافة الشرعية

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »