أخبار عاجلةاخبار افريقياالقرن الأفريقى

هل يقترب القرن الأفريقي من حرب جديدة؟ لماذا يفرّ أبناء تيجراي من شبح صراع وشيك في إثيوبيا

تشهد منطقة القرن الأفريقي مؤشرات متزايدة على احتمال اندلاع جولة جديدة من الصراع في إثيوبيا، مع تصاعد المخاوف داخل إقليم تيجراي من انهيار اتفاق السلام الموقع عام 2022. وفي ظل تحركات عسكرية متبادلة وتدهور اقتصادي حاد، بدأ مئات الشبان والمدنيين في مغادرة مدنهم متجهين نحو العاصمة أديس أبابا بحثاً عن ملاذ آمن، خوفاً من عودة الحرب التي حصدت مئات الآلاف من الأرواح خلال السنوات الماضية.

نزوح ليلي من ميكيلي مع تصاعد المخاوف من الحرب

في ساعات الليل المتأخرة بمدينة ميكيلي، عاصمة إقليم تيجراي شمالي إثيوبيا، لم يعد صوت الأحذية العسكرية الثقيلة هو الصوت السائد كما كان في ذروة الحرب السابقة، بل حلّ محله صوت حقائب السفر التي يجرّها شبان يحاولون مغادرة المدينة على عجل.

وتشير تقارير ميدانية حديثة وشهادات من السكان إلى أن عشرات الشبان، وكثير منهم مقاتلون سابقون، يسعون بشدة للحصول على مقعد في أي حافلة متجهة جنوباً. والوجهة الأكثر طلباً هي العاصمة أديس أبابا، التي أصبحت بالنسبة لهم الملاذ الأخير في بلد تتقلص فيه مساحات الأمان يوماً بعد يوم.

شبح حرب أودت بحياة 600 ألف شخص

تجسد شهادات الفارين حجم القلق المتزايد في الإقليم. ومن بينهم آبل، وهو شاب يبلغ من العمر 23 عاماً وكان مقاتلاً سابقاً في قوات دفاع تيجراي.
فقد نجا آبل من الحرب الأهلية الدامية التي شهدتها إثيوبيا بين عامي 2020 و2022، وهي حرب تشير التقديرات إلى أنها أودت بحياة ما لا يقل عن 600 ألف شخص، لتصبح واحدة من أكثر الصراعات دموية في أفريقيا خلال العقود الأخيرة.

يقول آبل إن قراره بالفرار هذه المرة جاء نتيجة تجربة مريرة عاشها خلال الحرب الماضية , وأضاف:
“لم يعد المكان آمناً هنا”، موضحاً أنه يخشى اندلاع صراع جديد ويرفض أن يجد نفسه مرة أخرى في قلب المعارك.

توتر متصاعد رغم اتفاق السلام لعام 2022

ورغم أن الاهتمام الدولي يتركز حالياً على أزمات الشرق الأوسط، فإن تقارير ميدانية صادرة عن وكالة فرانس برس (AFP) ومراقبين إقليميين تشير إلى أن بوادر صراع جديد تتشكل في القرن الأفريقي.

فقد بدأت القوات الفيدرالية الإثيوبية وقوات إقليم تيغراي حشد قواتها مجدداً على طول خطوط التماس، في مؤشر على تصاعد التوترات بين الجانبين.

ويعود جزء كبير من هذا التوتر إلى أن اتفاق السلام الذي أنهى الحرب الأهلية عام 2022 لم يتم تطبيقه بشكل كامل، ما ترك العديد من القضايا العالقة دون حل، وخلق فراغاً سياسياً وأمنياً ملأته الاستعدادات العسكرية المتزايدة.

أزمة اقتصادية خانقة تزيد التوتر في تيجراي

إلى جانب التحركات العسكرية، تظهر مؤشرات واضحة على تدهور اقتصادي حاد داخل إقليم تيغراي.

فقد بدأت السلع الأساسية تشهد نقصاً متزايداً، بينما ارتفعت أسعار الوقود المهرب في الشوارع والتقاطعات بشكل ملحوظ خلال أيام قليلة فقط.

كما أدت قرارات السلطات الفيدرالية بوقف بعض أشكال الدعم المالي منذ عدة أشهر إلى تفاقم الأزمة، في وقت تعاني فيه البنوك من نقص السيولة النقدية، ما أدى إلى شلل اقتصادي متزايد في الإقليم.

هذه التطورات دفعت بعض المسؤولين المحليين إلى التحذير من أن المنطقة تتعرض لخنق اقتصادي شديد بالتوازي مع الضغوط العسكرية المتصاعدة.

اتهامات بتطويق تيجراي عسكرياً

وفي تقييم حاد للوضع، قال أمانويل أسيفا، أحد كبار المسؤولين في الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي (TPLF)، إن الإقليم يواجه وضعاً بالغ الخطورة.

وأوضح أن القوات الفيدرالية الإثيوبية تتحرك من عدة محاور حول الإقليم، ما يجعل تيغراي في وضع يشبه الحصار العسكري.

وأضاف أن المؤشرات الحالية تدفع للاعتقاد بأن احتمال العودة إلى حرب واسعة النطاق أصبح مرتفعاً للغاية إذا لم يتم احتواء التوترات سريعاً.

خطاب مزدوج لرئيس الوزراء آبي أحمد

في خطوة غير معتادة، ألقى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خطاباً باللغة التيغرينية، وهي اللغة المحلية في إقليم تيغراي، في محاولة لبعث رسائل تهدئة إلى سكان المنطقة.

وقال آبي أحمد إنه لا يرغب في اندلاع حرب جديدة، داعياً إلى الحفاظ على السلام الذي تحقق بعد اتفاق 2022.

لكن الخطاب حمل في الوقت نفسه لهجة انتقادية حادة، حيث اتهم الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي بأنها ترفض تقديم حتى تنازلات بسيطة في المفاوضات، كما اتهمها بتحويل أموال الدولة لدعم قواتها العسكرية.

هذا التناقض بين الدعوة للسلام وتبادل الاتهامات السياسية يعكس حالة التوتر العميقة بين الطرفين.

اشتباكات وضربات بطائرات مسيّرة

ولم يقتصر التصعيد على التصريحات السياسية فقط، بل بدأ يظهر على الأرض أيضاً , ففي أواخر يناير الماضي اندلعت اشتباكات محدودة في بعض المناطق، ترافقت مع هجمات بطائرات مسيّرة، ما أدى إلى تعليق بعض الرحلات الجوية وزيادة موجات النزوح داخل الإقليم.

كما تعقد المشهد الإقليمي مع اتهامات بتدخل إريتري في الصراع. وتشير بعض التقارير إلى أن إريتريا قد تكون دعمت قوات تيغراي هذه المرة، وهو ادعاء نفته أسمرة بشدة، لكنه أضاف بعداً جيوسياسياً جديداً إلى الأزمة في القرن الأفريقي.

المدنيون يدفعون الثمن مجدداً

بالنسبة للمدنيين في مدن مثل تشيرتشر القريبة من حدود إقليمي عفر وأمهرة، تبدو المناورات السياسية والعسكرية بعيدة عن همومهم اليومية , فالأولوية بالنسبة لهم أصبحت النجاة فقط.

وعلى الطرق المؤدية خارج المدن، ما تزال بقايا الحرب السابقة حاضرة بقوة، مثل دبابة مدمرة على جانب الطريق، وهي مشهد يذكر السكان باستمرار بما يمكن أن يحدث إذا اندلعت الحرب مرة أخرى.

مع تصاعد المخاوف، يفر مئات الأشخاص يومياً نحو العاصمة أديس أبابا بحثاً عن الأمان وفرص النجاة من أي مواجهة عسكرية محتملة , ويجمع معظم من بقوا في الإقليم على شعور واحد: الإرهاق الشديد من الحروب المتكررة.

ويرى مراقبون أن السلام الهش الذي تحقق عام 2022 قد يتحول إلى مجرد استراحة قصيرة في سلسلة طويلة من الصراعات، ما لم يتم تحقيق اختراق دبلوماسي سريع يمنع عودة الحرب إلى شمال إثيوبيا ويجنب منطقة القرن الأفريقي أزمة جديدة.

 

إقرأ المزيد :

احتدام الأزمة بين السودان وإثيوبيا.. اتهامات لأديس أبابا بتغذية النزاعات وتوسيع رقعة التوتر الإقليمي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »