المحلل السياسي الليبي إدريس احميد يكتب : الأبعاد الاستراتيجية للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران

يشير كثير من المراقبين إلى أن الحرب أو التوتر المحتمل الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضد إيران لا يمكن فهمه في إطار البرنامج النووي أو القدرات الصاروخية فقط، بل هو جزء من صراع أوسع لإعادة رسم موازين القوي الإقليمية والعالمية، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية والسياسية والعسكرية للقوى الكبرى.
1. الصراع على النفوذ والطاقة
على الرغم من الخطاب الرسمي الذي يركز على الملف النووي، يظهر التحليل الاستراتيجي أن الحرب مرتبطة أساسًا بالصراع على النفوذ العالمي، تسعى الولايات المتحدة للحفاظ على مكانتها كقوة مهيمنة، بينما توسع الصين نفوذها السياسي والاقتصادي، مستغلة علاقاتها مع إيران ودول الخليج واتفاقيات استراتيجية طويلة الأمد.
إيران، بمواردها الضخمة وموقعها الجغرافي الاستراتيجي على طرق التجارة العالمية مثل مضيق هرمز، أصبحت حلقة مركزية في شبكة الطاقة العالمية، ما يجعل أي اضطراب هناك يهدد الأسواق العالمية ومصالح واشنطن.
ومن الأبعاد المهمة للحرب أن أحد أهدافها الأمريكية هو التضييق على الصين الحليف لإيران، التي تعتمد على النفط الإيراني لتغذية صناعاتها وأسواقها، لا سيما بعد فقدانها لمصادر نفطية أخرى مثل فنزويلا. الحرب حدّت من وصول الصين إلى هذه المصادر، وهو ما يزيد من احتمالية أن تتخذ بكين موقفًا داعمًا لإيران سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا في المستقبل.
2. دور روسيا كعامل موازن
تلعب روسيا دورًا حاسمًا في الموازنة الاستراتيجية عبر دعمها لإيران سياسيًا وتقنيًا، واستغلال علاقاتها مع بعض دول الخليج لتعزيز موقعها الإقليمي. موسكو لا تسعى لإشعال صراع مباشر، لكنها تضع ضغوطًا على واشنطن لضبط خياراتها، مما يجعل أي حرب شاملة ضد إيران مخاطرة دولية كبيرة قد تؤثر على الاقتصاد والأسواق العالمية.
3. اختلاف أهداف الولايات المتحدة وإسرائيل وصمود إيران
رغم العداء المشترك لإيران، تختلف أهداف الطرفين بشكل واضح:
إسرائيل تسعى إلى إضعاف أو إنهاء النظام الإيراني ونشر الفوضى لضمان تفوقها الإقليمي وتحقيق مخططاتها التوسعية .
الولايات المتحدة تركز على نظام موالٍ لها في إيران، مع تجنب الفوضى التي قد تهدد حلفاءها في الخليج واستقرار أسواق الطاقة.
صمود إيران في مواجهة العقوبات الاقتصادية وقدرتها على الردع العسكري وتحالفاتها الإقليمية يجعل تحقيق أهداف الطرفين أمرًا صعبًا للغاية. هذا الواقع يجبر واشنطن وإسرائيل على إعادة تقييم الاستراتيجية وتحديد التكتيكات بعناية.
4. إمكانية توقف الحرب
التحليل الاستراتيجي يشير إلى أن توقف الحرب قد يكون نتيجة طبيعية للصمود الإيراني وتعقيد الأهداف الأمريكية والإسرائيلية، وليس بالضرورة بسبب نجاح أو فشل أي طرف بشكل كامل:
صمود إيران أعاق قدرة أي طرف على تحقيق أهدافه بالكامل، سواء كان ذلك إنهاء النظام أو فرض تغييرات جذرية في سلوكه.
الولايات المتحدة تواجه قيودًا بسبب المخاطر الإقليمية والدولية، بما في ذلك ردود فعل الصين وروسيا، والتهديدات على الممرات الحيوية وأسواق الطاقة العالمية.
أي استمرار للتصعيد قد يؤدي إلى حرب شاملة بعواقب غير محسوبة، ما يجعل الخيار الأكثر عقلانية هو وقف العمليات العسكرية عند حد محدود أو التحول إلى أدوات ضغط سياسية واقتصادية.
5. الاستنتاجات التحليلية
الحرب أو التصعيد ضد إيران ليست مجرد مواجهة نووية أو عسكرية، بل هي جزء من صراع استراتيجي شامل تتقاطع فيه مصالح القوى الكبرى على:
الطاقة ومصادرها الحيوية
الممرات البحرية والتجارة الدولية
النفوذ الاقتصادي والسياسي والتحالفات الإقليمية
ويُظهر التحليل أن صمود إيران هو أحد الأسباب الرئيسة التي تجعل الحرب محتملة التوقف أو محدودة، وأن المواجهة ليست مجرد نزاع نووي أو عسكري، بل انعكاس لتنافس عالمي طويل الأمد بين الولايات المتحدة، إسرائيل، الصين، وروسيا على النفوذ والمصادر الاستراتيجية، مع احتمالية دعم الصين لإيران نتيجة قيود الحرب على وصولها لمصادر الطاقة الحيوية، ما يزيد من تعقيد الحسابات الدولية ويجعل أي تصعيد شامل أكثر مخاطرة.
* إدريس احميد ..صحفي وباحث في الشأن السياسي المغاربي والدولي من ليبيا .
اقرأ المزيد
