أخبار عاجلةالرأي

المحلل السياسي السوداني الدكتور عبدالناصر سلم حامد يكتب : لهيب الشرق الأوسط… هل تمتد ارتداداته إلى السودان؟

كيف يمكن لصراع في الشرق الأوسط أن يضاعف الضغوط الاقتصادية والإنسانية في واحدة من أكثر دول العالم هشاشة

 

في عالم مترابط اقتصادياً وسياسياً، لم تعد الحروب تبقى داخل حدودها الجغرافية , فالصراعات التي تندلع في مناطق استراتيجية قادرة على إرسال موجات من الارتدادات الاقتصادية والإنسانية إلى مناطق بعيدة عن ساحات القتال.. تصاعد المواجهة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة قد لا يبقى محصورًا داخل حدود الشرق الأوسط, فخبراء الإغاثة يحذرون من أن تداعيات هذا الصراع قد تضيف ضغوطًا جديدة على واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في العالم اليوم: السودان.

نادراً ما تبقى الحروب الكبرى محصورة داخل حدودها الجغرافية المباشرة. ففي عالم شديد الترابط اقتصادياً وسياسياً، يمكن لصراع في منطقة استراتيجية مثل الشرق الأوسط أن يترك آثاره في مناطق بعيدة عن ساحات القتال. وفي هذا السياق حذر مدير الطوارئ في برنامج الأغذية العالمي في السودان، روس سميث، من أن التصعيد بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة قد لا يقتصر تأثيره على المنطقة، بل قد يمتد إلى أزمات إنسانية قائمة بالفعل، من بينها الأزمة السودانية.

ففي اقتصاد عالمي مترابط، يمكن لأي اضطراب في أسواق الطاقة أو حركة التجارة الدولية أن يتحول سريعًا إلى أزمة غذاء في الدول الأكثر هشاشة. وبالنسبة للسودان، الذي يعتمد ملايين من سكانه على المساعدات الغذائية، فإن أي خلل في التمويل الإنساني أو في سلاسل الإمداد قد يؤدي إلى تعميق الأزمة بدلًا من تخفيفها.

ومن زاوية أوسع، يصعب فهم تداعيات التصعيد في الشرق الأوسط بمعزل عن السياق الأوسع للجغرافيا السياسية في النظام الدولي. فالمنطقة تمثل نقطة تقاطع حساسة بين أمن الطاقة العالمي والممرات التجارية الاستراتيجية، وهو ما يجعل أي تصعيد عسكري فيها قادرًا على إحداث ما يسميه بعض الباحثين في العلاقات الدولية بـ “الصدمة الجيوسياسية”. وفي مثل هذه الحالات لا تقتصر آثار الصراع على أطرافه المباشرين، بل تمتد عبر الاقتصاد العالمي لتصل إلى الدول الأكثر هشاشة مثل السودان.

ولا يقتصر التصعيد في الشرق الأوسط على كونه مواجهة عسكرية إقليمية، بل يعكس أيضًا تحولات أوسع في موازين القوى الإقليمية والدولية, وفي مثل هذا السياق لا يتعلق الأمر فقط باتساع نطاق الحرب جغرافيًا، بل بقدرتها على إحداث ارتدادات اقتصادية وإنسانية في مناطق بعيدة عنها.

تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 33.7 مليون شخص في السودان يحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال عام 2026، بينما يواجه أكثر من 21 مليون شخص مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي. كما أدت الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 إلى نزوح أكثر من 11.8 مليون شخص داخل البلاد وخارجها، ما يجعل الأزمة السودانية من أكبر أزمات النزوح والجوع في العالم اليوم.

في ظل هذه الظروف، أصبح الاقتصاد السوداني أقرب إلى ما يمكن وصفه بـ “اقتصاد الحرب”. فقد تراجعت الأنشطة الإنتاجية، وتضررت البنية التحتية، وتعطلت شبكات التجارة الداخلية. كما تراجع الإنتاج الزراعي والصناعي، وهو ما زاد اعتماد البلاد على الواردات والمساعدات الخارجية لتوفير الاحتياجات الأساسية.

ومع ضعف الإنتاج المحلي وتراجع الإيرادات الحكومية، بات ملايين السودانيين يعتمدون على المساعدات الدولية لتأمين الغذاء والاحتياجات الأساسية. وفي هذا السياق حذر روس سميث من أن أي صدمة جديدة في الاقتصاد العالمي قد تعقّد جهود الإغاثة الجارية في البلاد.

أحد أبرز المخاطر التي يشير إليها هذا التحذير يتعلق بالتمويل الإنساني. فعمليات الإغاثة في السودان تعتمد بدرجة كبيرة على مساهمات الدول المانحة. غير أن النظام الإنساني الدولي يواجه اليوم ما يشبه “إجهادًا إنسانيًا عالميًا” نتيجة تعدد الأزمات في مناطق مختلفة من العالم. وفي مثل هذه الظروف تميل الموارد الدولية إلى التوجه نحو الأزمات الأكثر حضورًا في المشهد الدولي.

ويحتاج برنامج الأغذية العالمي إلى نحو 700 مليون دولار لضمان استمرار عملياته الغذائية في السودان حتى بداية عام 2026. ويعكس هذا الرقم حجم الفجوة الكبيرة بين الاحتياجات الإنسانية المتزايدة والموارد المتاحة.

كما يرى بعض الباحثين أن العالم يعيش ما يمكن تسميته بمرحلة “الأزمات المتسلسلة”، حيث تتداخل الصراعات العسكرية مع الأزمات الاقتصادية والإنسانية لتنتج آثارًا متراكمة عبر النظام الدولي.

وفي مثل هذه اللحظات من الاضطراب الدولي، لا تتحرك آثار الحروب عبر الجغرافيا فقط، بل عبر الأسواق.

ومن زاوية أخرى، لا يقتصر تأثير التصعيد في الشرق الأوسط على التمويل الإنساني، بل يمتد إلى ما يعرف بـ سلاسل الإمداد الإنسانية، وهي الشبكة اللوجستية التي تعتمد عليها المنظمات الدولية لنقل الغذاء والدواء إلى المناطق المتضررة.

فالشرق الأوسط يمثل عقدة مهمة في حركة التجارة والطاقة في العالم. ويمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية، كما يشكل ممرًا رئيسيًا للشحن البحري والجوي. ولذلك فإن أي تصعيد عسكري واسع في المنطقة قد يؤدي إلى اضطرابات في حركة التجارة الدولية وارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري.

كما لا يمكن فصل هذه التطورات عن التوترات المتصاعدة في البحر الأحمر، أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية للتجارة والطاقة في العالم. ويرى بعض الباحثين في الجغرافيا السياسية أن هذه الممرات تمثل ما يعرف بـ “نقاط الاختناق الاستراتيجية” في التجارة العالمية.

ويستورد السودان سنويًا ما يقدَّر بنحو 2.5 إلى 3 ملايين طن من القمح لتغطية الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك، وهو ما يجعل البلاد شديدة الحساسية لأي اضطرابات في التجارة العالمية أو ارتفاع تكاليف النقل.

وفي مثل هذه اللحظات من الاضطراب الدولي، تصبح الدول الأكثر هشاشة هي الأكثر عرضة لارتدادات الصراعات العالمية.

وفي النهاية، يوضح تحذير برنامج الأغذية العالمي حقيقة مهمة في عالم اليوم: فالأزمات الإنسانية لم تعد معزولة داخل حدود الدول، بل أصبحت مرتبطة بالتحولات السياسية والاقتصادية العالمية.

وهكذا يصبح السودان مثالًا واضحًا على مفارقة مأساوية في النظام الدولي المعاصر: فالحروب قد تندلع في مكان، لكن ارتداداتها الاقتصادية والإنسانية قد تضرب أماكن أبعد بكثير من ساحات المعارك .

 

  • الدكتور عبدالناصر سلم حامد .. مدير برنامج شرق أفريقيا والسودان – مركز فوكس للدراسات وباحث أول في دراسات الأمن وإدارة الأزمات .

 

إقرأ المزيد :

رامي زهدي يكتب : السودان بين نيران الداخل وضجيج الحروب الكبرى.. هل تضيع أزمته في ظل التصعيد الإيراني الإسرائيلي الأمريكي؟”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »