توماس سانكارا.. “تشي جيفارا أفريقيا”: سيرة ثائر أعاد تشكيل بوركينا فاسو وقاد مشروعًا للتحرر والاستقلال

يُعد توماس إيزيدور نويل سانكارا ” توماس سانكارا” أحد أبرز القادة الثوريين في التاريخ الأفريقي الحديث، حيث جمع بين كونه ضابطًا عسكريًا وقائدًا ماركسيًا ومنظّرًا للوحدة الأفريقية، فضلًا عن توليه رئاسة بوركينا فاسو خلال الفترة من 1983 إلى 1987. وقد نظر إليه أنصاره باعتباره رمزًا كاريزميًا وأيقونة ثورية، حتى لُقّب بـ“تشي جيفارا أفريقيا”، تشبيهًا له بالثائر العالمي تشي جيفارا.
قاد سانكارا تحولًا جذريًا في بلاده، إذ نجح في نقلها من دولة هامشية في غرب أفريقيا تُعرف باسم “فولتا العليا” خلال الحقبة الاستعمارية الفرنسية، إلى دولة تحمل اسمًا يعكس الهوية والكرامة الوطنية هو “بوركينا فاسو”، أي “أرض الرجال الشرفاء”. وقد مثّل هذا التغيير بداية مشروع إصلاحي شامل استهدف إعادة بناء الدولة على أسس العدالة الاجتماعية والاستقلال الاقتصادي، في محاولة لمعالجة الاختلالات الهيكلية التي خلفها الاستعمار الفرنسي.
النشأة والتكوين المبكر
وُلد سانكارا في مدينة ياكو، ونشأ في كنف أسرة متواضعة، حيث عمل والده مساعدًا في جهاز الدرك. انتقل خلال طفولته إلى مدينة غاوا الواقعة في الجنوب الغربي، وهي منطقة ذات مناخ رطب، ما أتاح له الاحتكاك المبكر بتنوع البيئات الاجتماعية في بلاده.
التحق بالتعليم الابتدائي في مدينة بوبو ديولاسو، حيث أظهر تفوقًا ملحوظًا، خاصة في مادتي الرياضيات واللغة الفرنسية. وكان قراره بالالتحاق بثانوية “أوزين كوليبالي” نقطة تحول مفصلية في مسيرته التعليمية، إذ بدأ خلالها في بلورة وعيه الفكري.
المسار العسكري وبداية الوعي السياسي
في سن السابعة عشرة، التحق سانكارا بالأكاديمية العسكرية في واغادوغو ضمن أول دفعة عام 1966، ليبدأ مسيرته العسكرية مبكرًا. وبعد عامين فقط، أُرسل إلى أنتسيرابي في مدغشقر لتلقي تدريب الضباط، وهناك شهد عن قرب الانتفاضات الشعبية التي اندلعت عامي 1971 و1972 ضد نظام فيليبيرت تسيرانانا.
خلال تلك الفترة، انكبّ على قراءة كتب التاريخ والاستراتيجية العسكرية، ما ساعده على تطوير أدوات تحليلية وفكرية عميقة، استخدمها لاحقًا في إعادة تفسير التاريخ السياسي لبلاده.
من ساحة القتال إلى النقد السياسي
عاد سانكارا إلى بلاده عام 1972، وشارك في الحرب الحدودية بين “فولتا العليا” ومالي عام 1974، حيث اكتسب شهرة واسعة بفضل أدائه البطولي. لكنه عاد لاحقًا لينتقد تلك الحرب، واصفًا إياها بأنها “عديمة الجدوى وغير عادلة”، في انعكاس واضح لتطور وعيه السياسي.
كما أصبح شخصية محبوبة في العاصمة واغادوغو، بفضل تواضعه وقربه من المواطنين.
صعوده في المؤسسة العسكرية والسياسية
في عام 1976، تولى قيادة مركز تدريب الكوماندوز في مدينة “بو”، وخلال نفس العام تعرّف على بليز كومباوري أثناء وجوده في المغرب، وهي العلاقة التي ستلعب دورًا محوريًا في مسيرته لاحقًا.
عقب انقلاب عسكري عام 1980، عيّنه الرئيس سايي زيربو وزيرًا للإعلام، لكنه استقال في 21 أبريل 1982 احتجاجًا على سياسات النظام التي اعتبرها معادية للعمال، قائلًا عبارته الشهيرة: “ويلٌ لمن يُكمم أفواه الشعب”.
تعرض سانكارا للاعتقال عدة مرات بسبب مواقفه السياسية ونزاهته، التي وضعته في صدام مع الأنظمة العسكرية المتعاقبة.
الوصول إلى السلطة وبداية الثورة
في 4 أغسطس 1983، قاد بليز كومباوري انقلابًا أطاح بنظام جان بابتيست ويدراوغو، وأُفرج عن سانكارا ليصبح رئيسًا للمجلس الوطني للثورة.
تولى سانكارا السلطة وهو في سن 33 عامًا، واضعًا هدفًا واضحًا يتمثل في القضاء على الفساد وإنهاء الهيمنة الاستعمارية الفرنسية. ومنذ اللحظة الأولى، أطلق برنامجًا طموحًا للتغيير الاجتماعي والاقتصادي، يُعد من بين الأكثر جرأة في تاريخ القارة.
فكر ثوري وسياسات مناهضة للإمبريالية
استلهم سانكارا أفكاره من تجارب قادة ثوريين مثل فيدل كاسترو وتشي جيفارا، وكذلك من تجربة جيري رولينغز في غانا.
وقد عرّف ثورته بأنها “ثورة ديمقراطية شعبية” ذات طابع مناهض للإمبريالية، وركزت سياساته على محاربة الفساد، ومكافحة التصحر، وتحقيق الأمن الغذائي، وإعطاء الأولوية للتعليم والصحة.
كما عارض بقوة نفوذ مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ورفض الاعتماد على المساعدات الخارجية، مؤكدًا أن “من يطعمك يسيطر عليك”.
إنجازات عملية غير مسبوقة
لم تكن ثورة سانكارا مجرد شعارات، بل تجسدت في إنجازات ملموسة على الأرض:
تطعيم 2.5 مليون طفل ضد أمراض مثل الحمى الصفراء والحصبة والتهاب السحايا خلال أسابيع.
إطلاق حملة وطنية لمحو الأمية رفعت النسبة من 13% عام 1983 إلى 73% عام 1987.
زراعة أكثر من 10 ملايين شجرة لمواجهة التصحر.
بناء طرق وسكك حديدية لربط البلاد دون الاعتماد على مساعدات خارجية.
إعادة توزيع الأراضي من الإقطاعيين إلى الفلاحين، ما أدى إلى زيادة إنتاج القمح من 1700 إلى 3800 كجم للهكتار وتحقيق الاكتفاء الذاتي.
تمكين المرأة وإصلاح البنية الاجتماعية
كان سانكارا من أوائل القادة الأفارقة الذين تبنوا سياسات جذرية لدعم حقوق المرأة، حيث:
عيّن النساء في مناصب حكومية رفيعة وشجع مشاركتهن في العمل والجيش.
منح إجازات الحمل للطالبات.
حظر ختان الإناث والزواج القسري وتعدد الزوجات.
نموذج فريد في النزاهة والتقشف
جسد سانكارا نموذجًا استثنائيًا في النزاهة السياسية:
خفّض راتبه إلى 450 دولارًا شهريًا.
قلّص امتيازات المسؤولين ومنع استخدام السيارات الفارهة والطائرات الخاصة.
استبدل سيارات الحكومة بسيارات “رينو 5” الاقتصادية.
فرض الاعتماد على المنتجات المحلية، بما في ذلك الزي الرسمي المصنوع من القطن المحلي.
كما رفض مظاهر الترف، حتى أنه لم يستخدم التكييف في مكتبه، ورفض تعليق صوره في الأماكن العامة، قائلًا: “هناك سبعة ملايين سانكارا”.
دعا سانكارا إلى تشكيل جبهة أفريقية موحدة لرفض سداد الديون الخارجية، معتبرًا أنها أداة لاستغلال الدول الفقيرة. كما استخدم منصات مثل منظمة الوحدة الأفريقية لانتقاد استمرار النفوذ الاستعماري عبر التجارة والتمويل.
نهاية مأساوية وإرث خالد
رغم شعبيته الواسعة بين الفقراء، أثارت سياساته غضب النخب التقليدية والطبقة الوسطى، إضافة إلى القوى الخارجية، ما أدى إلى اغتياله عام 1987.
وقبل اغتياله بأيام، قال عبارته الخالدة: “يمكن قتل الأفراد، لكن لا يمكن قتل الأفكار”، لتظل رؤيته الثورية مصدر إلهام دائم لحركات التحرر في أفريقيا والعالم.
اقرأ المزيد
مصر تتصدر خريطة القراءة في إفريقيا: تقرير يكشف الدول الأكثر شغفًا بالكتب في القارة خلال 2026




