حوار وطني زائف وانقسامات داخلية: قراءة في تداعيات سياسات أبي أحمد في إثيوبيا

تواجه إثيوبيا كدولة أزمة وجودية غير مسبوقة تهدد كل مكونات الدولة الوطنية. تحت قيادة رئيس الوزراء أبي أحمد، حيث تحوّل مشروعه السياسي الذي حمل عنوان “مديمير” (التكامل والتعاون الوطني) من وعد بتحقيق الوحدة الوطنية والتنمية الشاملة إلى برنامج يفاقم الانقسامات الداخلية ويقوّض الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي للبلاد, فما بدأ كمرحلة انتقالية واعدة نحو الانفتاح الليبرالي والتحول الديمقراطي، أصبح اليوم سلسلة من النزاعات الداخلية الكارثية، والشلل الاقتصادي، والسياسة الخارجية المتهورة التي أضعفت مكانة إثيوبيا على الصعيد الإقليمي والدولي، وأبعدت الحلفاء التقليديين عنها.
إن الفشل الحالي لحكومة رئيس الوزراء الإثيوبي وحزبة الإزدهار ليس مجرد قصور في الإدارة أو التنفيذ، بل هو فشل هيكلي مرتبط بتناقض صارخ بين خطاب الوحدة الوطنية وواقع السياسات الإقصائية والممارسات السلطوية، مما جعل الدولة تتجه نحو الانهيار التدريجي.
الحوار الوطني: وعود زائفة واستبعاد ممنهج
أحد أبرز مظاهر الفشل الإداري يتمثل في لجنة الحوار الوطني الإثيوبية، التي فشلت بشكل ممنهج في تحقيق أي تقدم ملموس. إذ تشير التجارب الدولية إلى أن الحوار الوطني الناجح يتطلب ثلاثة عناصر رئيسية: الشمول، والحياد، والتوقيت المناسب. ولكن هذه العناصر غائبة تمامًا في التجربة الإثيوبية.
على عكس التجربة الكينية في 2008، التي نجحت بدمج جميع المنافسين السياسيين الرئيسيين وبدعم وساطة محايدة، اتسم الحوار في إثيوبيا بتدخل الحكومة واستبعاد متعمد للفاعلين الرئيسيين، خصوصًا من مناطق الأمهرا وأوروميا. هذا الاستبعاد جعل الحوار يبدو كأداة استعراضية لتثبيت سلطات النظام بدل أن يكون منصة حقيقية للمصالحة.
من خلال اختيار المشاركين بعناية والحفاظ على بيئة معادية للأصوات المعارضة، ضمنت الحكومة أن الحوار يفتقر للشرعية السياسية، وبالتالي لم يتمكن من وقف التصاعد المستمر للعنف. ويشبه هذا النهج ما حدث في السودان وجنوب السودان، حيث أدى نقص الانفتاح في الحوار إلى تعزيز الوضع القائم بدلاً من معالجة الأسباب الجذرية للنزاعات الفيدرالية. ولغاية الآن، لم تحقق اللجنة أي نجاح في وقف النزاعات المسلحة، لتتحول إلى مجرد “ثقب أسود” في الميزانية بدل أن تكون أداة إصلاحية فعالة.
الانقسامات الداخلية والتداعيات البشرية المدمرة
تشير الأوضاع الأمنية الداخلية في إثيوبيا إلى الفشل الكامل لسياسات أبيي أحمد المحلية. فالهدنة التي أعقبت حرب تيغراي لم تكن أكثر من اتفاق هش ومؤقت، وليس حلًا مستدامًا. وقد شهدت منطقة الأمهرا تدهورًا أمنيًا حادًا، حيث تحولت ميليشيات فانو، التي كانت حليفة للحكومة الفيدرالية، إلى قوات متمردة تقاتل القوات الدفاعية الوطنية الإثيوبية (ENDF).
التداعيات الإنسانية لهذا الفشل كارثية. وفق تقارير الوكالات الدولية، أصبحت إثيوبيا موطناً لأحد أكبر أعداد النازحين داخلياً في العالم، حيث تجاوز عددهم 4.5 مليون شخص نتيجة العنف العرقي والنزاعات الإقليمية في تيغراي، الأمهرا، وأوروميا.
كما تهدد المجاعة مناطق واسعة في شمال البلاد، إذ يحتاج ما يقرب من 20 مليون شخص إلى مساعدات غذائية عاجلة، في ظل تعطّل دورات الزراعة بسبب ما وصفته الحكومة بـ”الحرب المستمرة”، مما يزيد من حدة الأزمة الإنسانية ويجعلها تهدد استقرار الدولة على المدى الطويل.
الشلل الاقتصادي: الأرقام تكشف كارثة
الأثر الاقتصادي لهذا الفشل مريع. فقد ظل معدل التضخم العام مرتفعًا بشكل مستمر، وغالبًا ما تجاوز 30%، بينما سجل التضخم الغذائي مستويات أعلى بشكل ملحوظ في المناطق المتأثرة بالنزاعات. وقد أدت فشل البنك الوطني الإثيوبي في استقرار قيمة العملة الوطنية “البير” إلى انتشار السوق السوداء، حيث يُتداول البير بما يقارب ضعف السعر الرسمي.
في أواخر عام 2023، أصبحت إثيوبيا ثالث دولة إفريقية في السنوات الأخيرة تفشل في الوفاء بالتزاماتها الدولية، بعد أن عجزت عن دفع 33 مليون دولار كقيمة كوبون لسندات اليوروبوند الخاصة بها. ويعزى هذا العجز مباشرة إلى تحويل الاحتياطيات الأجنبية لدعم الحملات العسكرية. وتشير التقديرات إلى أن النفقات العسكرية قد تضاعفت ثلاث مرات منذ عام 2020، في حين أن تكلفة حرب تيغراي وحدها قدرت بأكثر من 20 مليار دولار، وهو ما يعادل عدة سنوات من ميزانية البنية التحتية الوطنية، ما يعكس حجم الخسائر الاقتصادية الهائلة.
التوترات الإقليمية ومحاولات الوصول إلى البحر
على الصعيد الإقليمي، تحوّلت سياسات حكومة أبيي من التكامل إلى الاستفزاز، لا سيما بعد توقيع مذكرة تفاهم مع أرض الصومال حول الوصول إلى البحر الأحمر، الأمر الذي أثار توترات دبلوماسية كبيرة وهدد سيادة الصومال، وأضعف علاقات إثيوبيا مع الاتحاد الإفريقي والدول العربية.
وسعي الحكومة للوصول إلى البحر عبر كيانات غير معترف بها أدى إلى توترات مع مقديشو، مصر، وإريتريا، كما أضعف موقف إثيوبيا في النزاع حول سد النهضة الإثيوبي الكبير (GERD)، إذ أدت السياسات الأحادية وغير المتوقعة إلى تآكل الثقة الدولية في إثيوبيا كشريك إقليمي موثوق.
مخاطر الانهيار الكامل
الدرس الأساسي من التجارب الدولية هو أن الوسيط لا يمكن أن يكون طرفاً في النزاع. في إثيوبيا، تعمل الحكومة كمهندس النزاع، واللاعب الرئيس، والحكم في الوقت نفسه، وهو ما يجعل أي محاولة للحوار أو المصالحة محكومًا بالفشل.
عدم وجود وساطة مستقلة ومدعومة دوليًا، ورفض الحكومة الانخراط مع الجماعات المسلحة والمعارضة السياسية الشرعية في فضاء حيادي، أغلق كل الأبواب أمام حل سلمي للأزمة. ومع استمرار تدهور المؤسسات الحكومية وضعف الدولة، يزداد احتمال حدوث انقسام شبيه بما حدث في السودان، ليصبح تهديدًا حقيقيًا للهوية الوطنية ووحدة الدولة الإثيوبية.
إقرأ المزيد :
رامي زهدي يكتب : إسرائيل – إثيوبيا .. تحالف “مشبوه ” على حافة الشرعية




