سياسات أبي أحمد تحت المجهر: كيف قادت طموحات رئيس الوزراء الإثيوبي إلى تفكيك الداخل وإشعال القرن الأفريقي

عندما تولى رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد السلطة في إثيوبيا ، تم الترويج له كقائد إصلاحي يحمل رؤية (التكامل)، وهي فلسفة تقوم على توحيد مكونات الدولة الإثيوبية المتعددة في إطار من التعاون والتناغم , غير أن هذا الخطاب سرعان ما اصطدم بواقع سياسي مختلف تمامًا، حيث تحولت السياسات الداخلية والإقليمية لحكومة أديس أبابا خلال السنوات الأخيرة من نهج إصلاحي منفتح إلى نموذج مركزي صارم يتسم بالتشدد ويعتمد بشكل متزايد على أدوات القوة , ووفقًا لتقارير صادرة عن منظمات دولية بارزة مثل “هيومن رايتس ووتش“، فإن هذا التحول لم يؤدِ فقط إلى تعميق الانقسامات داخل الدولة الإثيوبية، بل تسبب أيضًا في خلق موجة من التوترات الجيوسياسية التي امتدت آثارها إلى مختلف أنحاء منطقة القرن الأفريقي.
أولًا: الانهيار الداخلي وتفكك بنية الدولة الإثيوبية
1. تفكيك الفيدرالية العرقية وتصاعد الصراع بين الأمهرا والأورومو
اعتمدت إثيوبيا لعقود على نظام الفيدرالية العرقية كآلية لإدارة التنوع الإثني داخل البلاد، وهو نظام يقوم على توزيع السلطة بين الأقاليم المختلفة وفقًا للهويات العرقية. إلا أن محاولة أبي أحمد إعادة تشكيل هذا النظام عبر إنشاء “حزب الازدهار” ككيان سياسي مركزي موحد أثارت معارضة واسعة من قبل النخب الإقليمية التقليدية. ووفقًا لتحليلات “مجموعة الأزمات الدولية”، أدى هذا التحول إلى تهميش قوى سياسية كانت تشكل ركيزة الاستقرار، كما ساهم في تحويل حلفاء الأمس إلى خصوم مباشرين، الأمر الذي انعكس في تصاعد التوترات والتمردات المسلحة في كل من إقليمي الأمهرا والأورومو، مما زاد من حدة الانقسام الداخلي.
2. ترسيخ الحرب الأهلية كأداة لإدارة الخلافات السياسية
شكّلت الحرب في إقليم تيغراي نقطة تحول حاسمة في طبيعة إدارة الدولة الإثيوبية للنزاعات الداخلية. فبدلًا من الاعتماد على الحلول السياسية والتفاوض، أصبح اللجوء إلى القوة العسكرية الشاملة خيارًا رئيسيًا. وتشير تقارير “منظمة العفو الدولية” إلى أن ما يُعرف بـ”عمليات إنفاذ القانون” تحول إلى غطاء لعمليات عسكرية واسعة النطاق، مما أدى إلى ترسيخ ثقافة استخدام القوة كوسيلة أساسية لحسم الخلافات السياسية، وهو ما جعل الصراع الداخلي سمة متكررة في المشهد الإثيوبي بدلًا من كونه استثناءً.
3. انقسام الجيش الوطني الإثيوبي وتآكل دوره كضامن للاستقرار
أدت الحرب في تيغراي، وما تلاها من اشتباكات في إقليم الأمهرا، إلى إضعاف تماسك الجيش الوطني الإثيوبي، حيث ظهرت انقسامات داخل المؤسسة العسكرية على أسس عرقية وولاءات متباينة. ووفقًا لتحليلات صادرة عن “المجلس الأطلسي”، لم يعد الجيش قادرًا على أداء دوره التقليدي كضامن لوحدة الدولة، بل تحول إلى كيان يعاني من تعدد الولاءات، ما يزيد من احتمالات تفكك الدولة في حال استمرار هذه الانقسامات.
4. تدهور اقتصادي حاد ونزيف في الموارد الوطنية
تُعد الحروب والصراعات الداخلية من أكثر العوامل استنزافًا للاقتصاد، وهو ما انعكس بوضوح على الحالة الإثيوبية. فقد أدى توجيه الموارد نحو الإنفاق العسكري، بالتزامن مع فرض عقوبات دولية وتراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة، إلى تدهور العملة المحلية بشكل ملحوظ. ووفقًا لتقارير “البنك الدولي”، يواجه المواطن الإثيوبي ارتفاعًا حادًا في تكاليف المعيشة، بينما يتراجع مستوى الدخل الحقيقي، مما يجعل شعار “الازدهار” بعيدًا عن الواقع الاقتصادي اليومي.
5. تراجع الحريات العامة والإعلامية وتصاعد القمع
في بداية حكمه، اتخذ أبي أحمد خطوات بدت واعدة نحو الانفتاح السياسي، من بينها الإفراج عن عدد من السجناء السياسيين. إلا أن هذا المسار لم يستمر طويلًا، حيث شهدت البلاد تراجعًا ملحوظًا في مستوى الحريات. وتشير تقارير “مراسلون بلا حدود” إلى أن إثيوبيا أصبحت بيئة أكثر خطورة على الصحفيين، في ظل تصاعد الرقابة الرقمية، والاعتقالات التعسفية، والتضييق على وسائل الإعلام، وهو ما أدى إلى تقويض فرص التحول الديمقراطي.
ثانيًا: التداعيات الإقليمية وتصاعد التوتر في القرن الأفريقي
6. تراجع الدور الإقليمي لإثيوبيا وخلق فراغ أمني
لطالما لعبت إثيوبيا دورًا محوريًا في حفظ الاستقرار في منطقة شرق أفريقيا، خاصة من خلال مشاركتها في بعثات حفظ السلام. إلا أن انشغالها بالصراعات الداخلية أدى إلى تراجع هذا الدور، مما خلق فراغًا أمنيًا واضحًا. ووفقًا لتقارير “مجلس الأمن الدولي”، أتاح هذا الفراغ فرصة للجماعات المتطرفة، مثل “حركة الشباب”، لإعادة تنظيم صفوفها وتوسيع نطاق نشاطها، خصوصًا في الصومال.
7. أزمة الوصول إلى البحر وتصاعد الخلاف مع الصومال
أثارت مذكرة التفاهم التي وقعتها إثيوبيا مع “أرض الصومال” جدلًا واسعًا على المستوى الإقليمي، حيث اعتبرتها الحكومة الصومالية انتهاكًا لسيادتها. كما أعرب “الاتحاد الأفريقي” عن قلقه من هذه الخطوة التي قد تؤدي إلى تصعيد التوترات في المنطقة. ويُنظر إلى سعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري أو قاعدة بحرية باعتباره عاملًا إضافيًا في تعقيد العلاقات الدبلوماسية مع دول الجوار.
8. أزمة سد النهضة وتصاعد التوتر مع مصر والسودان
تحولت قضية سد النهضة الإثيوبي الكبير من مشروع تنموي إلى أحد أبرز ملفات النزاع الإقليمي، نتيجة النهج الأحادي في عمليات ملء وتشغيل السد. ووفقًا لتحذيرات “جامعة الدول العربية”، فإن غياب اتفاق قانوني ملزم ينظم عملية تقاسم المياه يزيد من حدة التوتر بين إثيوبيا وكل من مصر والسودان، مما يجعل ملف الأمن المائي في المنطقة عرضة لمزيد من التصعيد.
9. تفاقم الأزمة الإنسانية وتزايد أعداد اللاجئين
أدت الصراعات الداخلية في إثيوبيا إلى واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم. وتشير تقارير “المجلس النرويجي للاجئين” إلى أن أعداد النازحين داخليًا واللاجئين إلى دول الجوار، خاصة السودان، في تزايد مستمر، مما يفرض ضغوطًا كبيرة على الموارد والبنية التحتية في هذه الدول، ويخلق بيئة خصبة لاندلاع نزاعات جديدة.
10. عودة الصراعات بالوكالة وتصاعد التنافس الإقليمي
ساهمت السياسات الإقليمية في إعادة إحياء نمط الحروب بالوكالة في منطقة القرن الأفريقي. فقد أدى انخراط إريتريا في حرب تيغراي، إلى جانب التوترات الحدودية مع السودان في منطقة الفشقة، إلى فتح الباب أمام تدخلات خارجية. ووفقًا لتحليلات مجلة “فورين بوليسي”، فإن المنطقة أصبحت مجددًا ساحة صراع بين قوى إقليمية ودولية تسعى إلى تعزيز نفوذها، خاصة في ظل الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر.
تحول عميق في المسار السياسي لإثيوبيا
ووفقا لكثير من المراقبين تكشف هذه التطورات عن تحول عميق في المسار السياسي لإثيوبيا، حيث انتقلت من نموذج يُنظر إليه كقصة نجاح إصلاحية إلى بؤرة توتر داخلي وإقليمي معقد. ومع استمرار هذه السياسات، تتزايد المخاوف من أن تؤدي التداعيات الحالية إلى إعادة تشكيل موازين القوى في القرن الأفريقي، وربما إدخال المنطقة في مرحلة جديدة من عدم الاستقرار طويل الأمد.
إقرأ المزيد :




