السفير محمد حجازي مساعد وزير الخارجية الأسبق : ترامب والحرب على إيران أخطر اختبار في تاريخ الناتو.. تحالف يتعرض لإعادة تعريف تحت الضغط

أكد السفير دكتور محمد حجازي مساعد وزير الخارجي الأسبق أن حلف شمال الأطلسي ” الناتو “ يشهد حاليا لحظة مفصلية غير مسبوقة، تتقاطع فيها التحولات الداخلية في الولايات المتحدة مع تصعيد إقليمي خطير يتمثل في الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى , مشيرا إلي أن هذه الحرب لم تعد مجرد أزمة إقليمية، بل تحولت إلى عامل ضاغط أعاد ترتيب أولويات واشنطن الاستراتيجية، وفرض واقعًا جديدًا على التحالف الأطلسي، الذي يواجه اليوم اختبارًا مزدوجًا: تراجع الالتزام الأمريكي، وتصاعد الشكوك المتبادلة بين ضفتي الأطلسي.
وقال السفير محمد حجازي في حوار ” إن خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بات يظهر بشكل أكثر حدة ووضوحًا، حيث لم يكتفِ بالتشكيك في جدوى الحلف، بل وجّه اتهامات صريحة للدول الأوروبية بالتقاعس عن الوفاء بالتزاماتها الدفاعية، معتبرًا أن الناتو “يستفيد من الولايات المتحدة دون مقابل كافٍ”
هذا الخطاب من وجهة نظر مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق يعكس توجهًا أعمق داخل التيار الانعزالي الأمريكي، ويتزامن مع انخراط واشنطن العسكري في مسرح الشرق الأوسط، ما يطرح تساؤلًا جوهريًا حول قدرة الولايات المتحدة على الاستمرار في لعب دور الضامن الأمني لأوروبا في وقت تخوض فيه مواجهة استراتيجية وعسكرية مع إيران وأذرعها بالمنطقة ومن يدعمها سواء بشكل مباشر او غير مباشر كالصين وروسيا .
وقال السفير حجازي ” إن الحرب الجارية أعادت توجيه جزء معتبر من القدرات العسكرية والبحرية الاستراتيجية والاستخباراتية الأمريكية نحو الشرق الأوسط، وهو ما انعكس بشكل مباشر على تقليل مستوى الانخراط داخل الناتو في سياقة الأوروبي ، فبينما كانت أوروبا تعتمد تاريخيًا على المظلة الأمريكية كضامن نهائي للأمن، تجد نفسها اليوم أمام واقع مختلف، تتراجع فيه الأولوية الأوروبية لصالح حسابات أكثر إلحاحًا في نظر واشنطن، هذا التراجع لا يُعلن رسميًا، لكنه يتجلى في توزيع الموارد والقدرات الأمريكية بعيدا عن الناتو ، وفي طبيعة الرسائل السياسية الصادرة عن الإدارة الامريكية والرئيس ترامب خصوصا.
وأضاف ” في المقابل، لم يكن الموقف الأوروبي موحدًا إزاء الحرب، حيث تبنت بعض الدول مواقف حذرة أو متحفظة، ما عزز من انتقادات ترامب للحلف، وعمّق الانقسام داخل الناتو. هذا التباين في التقديرات الاستراتيجية يعكس اختلافًا جوهريًا في أولويات الأمن القومي , فبينما تنظر الولايات المتحدة إلى المواجهة مع إيران ضمن إطار أوسع لإعادة تشكيل توازنات القوة العالمية، وحرمان الصين بالذات وروسيا ، من ثروات إيران وقدراتها ، وترى العديد من الدول الأوروبية أن الانخراط في هذا الصراع قد يفاقم التهديدات بدل احتوائها.
وأوضح السفير محمد حجازي أنه في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، يزداد المشهد تعقيدًا. فالحلف، الذي كان يُفترض أن يركز جهوده على ردع روسيا في الجبهة الشرقية، يجد نفسه أمام تشتت استراتيجي بين مسارين: الأول دعم أوكرانيا، والثاني مواكبة التصعيد في الشرق الأوسط , مشيرا إلي أن هذا التعدد في مسارح العمليات يضغط على الموارد ويختبر قدرة الناتو على الحفاظ على تماسكه ووحدة أولوياته ,خاصة وبحسب السفير حجازي لو فتحت ايران جبهة حصار باب المندب ماسيشكل تهديدا لا يمكن تجاهلة لأوروبا والناتو قد يستدعي تدخلها ف 90% من حركة تجارة أوروبا مع آسيا تمر عبر البحر الأحمر وقناة السويس.
أمام هذا الواقع، يقول السفير دكتور محمد حجازي ” إن الدعوات تتصاعد الآن داخل أوروبا، خاصة في فرنسا وألمانيا، لتسريع بناء “سيادة دفاعية أوروبية” , غير أن هذا التوجه، رغم زخمه السياسي، يصطدم بقيود عملية تتعلق بالقدرات العسكرية، وبالاعتماد المستمر ولفترة طويلة على البنية التحتية المادية والعسكرية والبشرية الأمريكية في مجالات حيوية , مضيفا ” وبالتالي، فإن أوروبا تجد نفسها في مرحلة انتقالية: بين الاعتماد التقليدي على واشنطن، والسعي نحو استقلال نسبي لم يكتمل أدواتة ومواردة بعد.
ويوكّد السفير حجازي أن الأزمة الحالية تكشف أن التحدي الذي يواجه الناتو ليس فقط في سلوك إدارة بعينها، بل في تحول بنيوي في إدراك الولايات المتحدة لدورها العالمي , فالحرب مع إيران، مقرونة بصعود التيار الانعزالي، تعيد صياغة مفهوم “تقاسم الأعباء” من كونه مطلبًا تفاوضيًا إلى كونه شرطًا لاستمرار الالتزام الأمريكي , وفي هذا السياق، يصبح الناتو ليس تحالفًا قائمًا على القيم المشتركة، ولكنة اضحي إطارًا تعاقديًا نفعي ، تحكمه حسابات الكلفة والعائد.
واختتم مساعد وزير الخارجية الأسبق حديثة بالتأكيد علي أن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط لم تكن مجرد متغير خارجي، بل أصبحت عاملًا مسرّعًا لإعادة تعريف العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا , وبين ضغوط الجبهات المتعددة، وتصاعد الشكوك المتبادلة، يقف الناتو أمام لحظة إعادة تشكيل حقيقية: إما أن يتكيف مع التوازنات الجديدة عبر توزيع أكثر عدالة للمسؤوليات، ويقبل أن يستدرج لقرارات استراتيجية لاتخدم مصالحة، وبشكل انفرادي ، أو يواجه خطر التآكل التدريجي والابتعاد عن واشنطن ما سيقود إلي التشكيك في مصداقيته ووظيفته الاستراتيجية، وهذه اللحظة، يشدد السفير حجازي ، هنا لا يُختبر فقط مستقبل الحلف، بل يُعاد رسم مفهوم الأمن الجماعي الغربي ذاته—وهو تحول ستكون له تداعيات مباشرة على استقرار النظام الدولي، وعلى مناطق التماس الاستراتيجي، حيث يتداخل الأمن الأوروبي مع أمن الشرق الأوسط.
إقرأ المزيد :




