” علي الناس أن ينسوا الديمقراطية ” .. إبراهيم تراوري يؤجل الانتخابات إلى أجل غير مسمى في بوركينا فاسو

في تطور خطير يعكس تحولاً جذرياً في مسار الحكم داخل بوركينا فاسو، وجّه القائد العسكري إبراهيم تراوري ضربة قوية لآمال العودة إلى الحكم الديمقراطي ، بعد أن أعلن بشكل صريح رفضه لفكرة الديمقراطية، مؤكداً تمسكه بالسلطة لفترة غير محددة.
وخلال مائدة مستديرة متلفزة، أطلق تراوري تصريحات مثيرة للجدل، قال فيها إن “على الناس أن ينسوا الديمقراطية”، معتبراً أن هذا النظام “لا يناسبنا”، بل ذهب إلى أبعد من ذلك بوصفه بأن “الديمقراطية تقتل”.
هذه التصريحات، التي أبرزتها تقارير وكالة رويترز، تعكس تحولاً رسمياً وواضحاً في موقف السلطة العسكرية، التي كانت قد تعهدت سابقاً بتنظيم انتخابات عامة في عام 2024.
لكن في ظل التحديات الأمنية المتصاعدة، يربط تراوري الآن أي عودة إلى صناديق الاقتراع بتحقيق استقرار أمني شامل، خاصة في مواجهة الجماعات المتطرفة المرتبطة بتنظيمي القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية، وهو ما يفتح الباب أمام تأجيل غير محدد للعملية الديمقراطية.
تفكيك ممنهج للنظام السياسي وتصفية التعددية الحزبية
منذ وصوله إلى السلطة في سبتمبر 2022، بدأ تراوري في تنفيذ خطوات متسارعة لإعادة تشكيل المشهد السياسي في البلاد. وقد تمثلت أبرز هذه الخطوات في حل جميع الأحزاب السياسية، وهو ما أدى إلى تفكيك كامل لنظام تعددي كان يضم أكثر من 100 حزب مسجل.
هذا التحول لم يكن مجرد إجراء إداري، بل يعكس توجهاً واضحاً نحو احتكار السلطة وإقصاء أي شكل من أشكال المعارضة السياسية، ما أدى إلى إنهاء الحياة الحزبية بشكل شبه كامل داخل البلاد.
ويأتي هذا النهج في سياق إقليمي أوسع، حيث تتبنى أنظمة عسكرية في دول مجاورة مثل مالي والنيجر سياسات مشابهة، تقوم على تعزيز السيطرة المركزية للجيش تحت ذريعة مكافحة التمرد والتطرف.
ثمن إنساني باهظ لاستراتيجية “الأمن أولاً”
رغم تبرير السلطات العسكرية لسياساتها بأنها ضرورية لاستعادة الأمن، إلا أن هذه الاستراتيجية تسببت في تداعيات إنسانية خطيرة، أثارت قلقاً وانتقادات واسعة على المستوى الدولي.
فبحسب تقرير حديث صادر عن منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن القوات المسلحة في بوركينا فاسو، إلى جانب الميليشيات المتحالفة معها، متورطة في ارتكاب انتهاكات جسيمة، حيث تجاوز عدد المدنيين الذين قُتلوا على يد هذه القوات أكثر من ضعف عدد الضحايا الذين سقطوا نتيجة هجمات الجماعات المتطرفة منذ عام 2023.
وتشير هذه الأرقام إلى تصاعد خطير في وتيرة العنف المرتبط بمؤسسات الدولة، ما يطرح تساؤلات عميقة حول مدى فعالية النهج الأمني الحالي، وقدرته على تحقيق الاستقرار المنشود.
استدعاء تجربة ليبيا لتبرير رفض الديمقراطية
في محاولة لإضفاء شرعية على مواقفه، استشهد تراوري بتجربة ليبيا، معتبراً أنها تمثل نموذجاً لفشل “الديمقراطية المفروضة” من الخارج، والتي أدت—بحسب رؤيته—إلى انهيار الدولة ودخولها في حالة من الفوضى.
ومن خلال هذا الطرح، يسعى القائد العسكري إلى تقديم نظامه كبديل وطني يحمي السيادة والاستقرار، إلا أن هذا التبرير يتناقض مع واقع داخلي يشهد تعليقاً كاملاً للحياة السياسية، وتزايداً ملحوظاً في العنف، فضلاً عن تراجع مؤشرات الحكم الرشيد.
في ظل هذه التطورات، تبدو فرص العودة إلى الحكم الديمقراطي في بوركينا فاسو أكثر ضبابية من أي وقت مضى. فمع ترسيخ المجلس العسكري لسلطته، يجري استبدال العملية السياسية بنموذج حكم يربط بين المعارضة وعدم الاستقرار، ويعتبر أي اختلاف سياسي تهديداً للأمن القومي.
وبالنسبة للمواطنين، تحولت وعود تحقيق الأمن إلى أداة لتبرير الإقصاء السياسي الكامل، في وقت تتزايد فيه أعداد الضحايا، حتى على يد الجهات التي يفترض أن توفر الحماية.
هذا الواقع يضع البلاد أمام مفترق طرق حاسم، حيث يتراجع الأمل في انتقال ديمقراطي حقيقي، مقابل صعود نموذج حكم عسكري طويل الأمد، قد يعمّق الأزمات السياسية والإنسانية في المستقبل.
إقرأ المزيد :
مصر تؤكد دعمها الكامل لجهود بوركينا فاسو في مكافحة الإرهاب وإرساء الاستقرار والأمن




