ورشة بالقاهرة تبحث بناء نموذج وطني للعدالة الانتقالية في السودان بمشاركة قيادات الإدارات الأهلية

نظّمت المجموعة السودانية للدفاع عن الحقوق والحريات، بالتعاون مع هيئة محامي دارفور ومركز عافر للتنمية والحوار، اليوم الإثنين، ورشة عمل متخصصة بعنوان “نحو بناء نموذج سوداني للعدالة الانتقالية – القيادات الأهلية” , وذلك بمشاركة واسعة من عدد من النُظّار والسلاطين وممثلي الإدارات الأهلية من أقاليم مناطق السودان، إلى جانب عدد من الباحثين والخبراء السودانيين المتخصصين في ملف العدالة الانتقالية، في محاولة لصياغة رؤية وطنية متكاملة لمعالجة آثار النزاعات وإعادة بناء النسيج الاجتماعي.
العدالة الانتقالية كمدخل لإعادة الاستقرار
أدارت الجلسة الدكتورة أماني الطويل، رئيس مجلس أمناء مؤسسة عافر، حيث أكدت أن العدالة الانتقالية تمثل قضية محورية لا يمكن تجاوزها في مسار استعادة الاستقرار في السودان، باعتبارها الأداة الأساسية لرتق النسيج الاجتماعي وتحقيق السلم الأهلي.
وأوضحت الطويل أن أي تسوية شاملة يجب أن تقوم على أسس واضحة تشمل الحوار المجتمعي، والمساءلة، وجبر الضرر، باعتبارها عناصر رئيسية لمعالجة جذور النزاعات وليس فقط مظاهرها , مشيره إلى أن التجارب الدولية تقدم نماذج يمكن الاستفادة منها، مثل تجربتي رواندا وجنوب أفريقيا، مع التأكيد على أن التجربة الجنوب أفريقية تبدو الأقرب للتطبيق في السودان، نظراً لتشابه بعض السياقات التاريخية والاجتماعية.
وذكرت الدكتورة أماني الطويل أن هذه الورشة تأتي ضمن سلسلة لقاءات تهدف إلى جمع أصحاب المصلحة الحقيقيين، للخروج بتوصيات عملية تسهم في صياغة نموذج سوداني للعدالة الانتقالية، قادر على التعامل مع تعقيدات الأزمة وتحقيق المصالحات الوطنية.
العامل السياسي وتفكيك البنية المجتمعية
من جانبه، شدد أمير الهبانية بشمال كردفان، التجاني أودون، على أن العامل السياسي كان من أبرز الأسباب التي أدت إلى إضعاف المكونات المجتمعية في السودان، مشيراً إلى أن التداخل بين السياسة والبنى التقليدية ساهم في تفاقم الصراعات وهتك النسيج الاجتماعي.
وأكد ضرورة إجراء تحليل دقيق لمكامن الخلل، وتحديد الأهداف السياسية التي قادت إلى اندلاع النزاعات، مع الإقرار بوجود أطراف مستفيدة وأخرى متضررة من الأزمة , مشيرا إلى أهمية إنجاح الحوار المجتمعي من خلال اختيار قيادات أهلية بعيدة عن التأثيرات السياسية، لضمان الوصول إلى معلومات دقيقة تساعد في تقييم حجم الأضرار، وتحديد ما يمكن تعويضه وما يتعذر جبره.
وأوضح أن المرحلة المقبلة تتطلب وضع آليات واضحة لإثبات الضرر، والعمل على إعادة بناء الثقة المجتمعية بعيداً عن منطق الانتقام، مع ضرورة وجود إطار دستوري وقانوني فعال، وآليات تنفيذ واضحة، رغم التحديات الأمنية والاقتصادية التي قد تعيق هذه العملية.
خطاب الكراهية واتساع فجوة الانقسام
وفي السياق ذاته، حذّر ناظر الجميعاب والخط السافل، محمد سرور محمد رملي، من التصاعد غير المسبوق لخطاب الكراهية في السودان، مؤكداً أن استمراره يمثل تهديداً خطيراً قد يؤدي إلى أوضاع أكثر تعقيداً من الحرب الحالية.
وأشار إلى أن العديد من الاتفاقيات السياسية السابقة فشلت بسبب عدم الالتزام بالحقوق والمواثيق، معتبراً أن نقض العهود كان عاملاً رئيسياً في انفصال جنوب السودان.
وأكد أن أي اتفاق مستقبلي يجب أن ينبع من أصحاب المصلحة الحقيقيين الذين يدركون احتياجات المواطنين، مشيراً إلى أن تعقيد المشهد الحالي يعود إلى تداخل الأبعاد السياسية والعسكرية والدولية.
كما دعا إلى ضرورة وجود قيادة كاريزمية قادرة على إدارة الحوار الوطني، مقترحاً تقسيم السودان إلى مناطق لتنظيم حوارات محلية تراعي خصوصية كل إقليم، خاصة أن بعض النزاعات أقل تعقيداً من غيرها، في حين تجاوزت أخرى الطابع التقليدي المرتبط بالموارد.
تحديات الإدارة الأهلية في ظل الحرب
من جهته، أوضح ناظر الداقو بالخرطوم، عبدالله عيسى عبد الكريم، أن الإدارة الأهلية كانت من أكثر الأطراف تأثراً بالصراع، نتيجة توظيفها سياسياً لخدمة أجندات خاصة، رغم امتلاكها خبرة واسعة في إدارة المجتمعات المحلية.
وأشار إلى أن السودان يضم نحو 500 قبيلة، لكل منها معرفة دقيقة بواقعها الاجتماعي، إلا أن الإدارة الأهلية تمر حالياً بمرحلة حرجة، خاصة بعد فقدان عدد كبير من قياداتها خلال الحرب.
ودعا إلى عقد اجتماع شامل لزعماء القبائل بهدف تشكيل لجنة متخصصة لرتق النسيج الاجتماعي، ومواجهة خطاب الكراهية، إلى جانب إنشاء لجان تمهيدية تدعم هذه الجهود، مؤكداً أن نجاح هذه المبادرات يتطلب إرادة قوية وعزيمة حقيقية.
بين العدالة التقليدية وتعقيدات الواقع
بدوره، أكد وكيل سلطنة دار مساليت، أمير تاج الدين، أهمية تحييد السياسيين عن مسار العدالة، والعمل على تفعيل آليات العدالة التقليدية مثل الجودية والراكوبة، مع تطويرها لتواكب تعقيدات المرحلة الحالية, موضحا أن السودان تجاوز مرحلة الاعتماد الكامل على العدالة التقليدية، في ظل تراكم المظالم وغياب الحد الأدنى من العدالة، ما يستدعي البحث عن نموذج عدالة ممكن يجمع بين الأدوات المحلية والآليات الحديثة.
كما انتقد إشراك أطراف متورطة في النزاع ضمن آليات تحقيق العدالة، معتبراً ذلك خطأً جوهرياً يضعف مصداقية العملية، مشدداً على أهمية كشف الحقيقة، والمصارحة، والاعتراف بالحقوق كمدخل لتحقيق العدالة.
وفي مداخلة مهمة، أكد ممثل دار سويني بشمال دارفور، أحمد إبراهيم الطاهر، أن قضية الحواكير تمثل جوهر الأزمة في السودان، مشيراً إلى توطين مجموعات سكانية في أراضٍ لا تعود لها، وما نتج عن ذلك من تهجير قسري للسكان الأصليين إلى معسكرات النزوح.
وشدد على ضرورة إنصاف الضحايا قبل أي حديث عن العدالة، من خلال إعادة الأراضي إلى أصحابها، ومنع الإفلات من العقاب، والعمل على تجريد المليشيات من السلاح لضمان تحقيق الاستقرار , مؤكدا أن السلام الحقيقي لا يمكن تحقيقه دون إعادة الحقوق إلى أصحابها ومعالجة جذور النزاع بشكل عادل.
الحاجة إلى إرادة سياسية وقيادة فاعلة
من جانبه، أشار الباحث الدكتور محمد عيسى عليوه إلى أن الإدارة الأهلية فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها على أداء دورها، نتيجة تدمير بنيتها خلال الحرب، مؤكداً أن استمرار النزاع يعرقل أي جهود مجتمعية للإصلاح.
وأوضح أن الواقع الحالي يشهد صعود قوى مسلحة على حساب البنى التقليدية، مع وجود متهمين بارتكاب انتهاكات في مواقع السلطة، ما يزيد من تعقيد فرص تحقيق العدالة , مؤكدا أن السودان بحاجة إلى إرادة سياسية حقيقية، ونماذج قيادية إيجابية قادرة على قيادة عملية التغيير.
وفي السياق ذاته، شدد نائب رئيس حزب الأمة، الفريق صديق إسماعيل، على أن الوصول إلى حل سياسي شامل يمثل المدخل الأساسي لمعالجة الأزمة السودانية , موضحا أن القيادات القبلية والإدارة الأهلية لن تتمكن من أداء دورها في ظل حالة الاستقطاب والإكراه الحالية، مؤكداً ضرورة استعادة حقوق المواطنين عبر تحرير الإرادة والوعي المجتمعي على المستوى القاعدي.
كما دعا إلى تسريع جهود الحل السياسي باعتباره الأساس لأي معالجة حقيقية للأزمة.
ورش قادمة لاستكمال النموذج السوداني
جدير بالذكر أن الفترة المقبلة ستشهد تنظيم عدد من الورش , حيث سيتم تنظيم الورشة الرابعة يوم الأربعاء 22 أبريل 2026، تحت عنوان “ورشة القوى السياسية السودانية”، ضمن سلسلة ورش تهدف إلى تطوير نموذج وطني للعدالة الانتقالية.
ومن المقرر، عقب الانتهاء من الورش الخمس الأولى، تجميع المخرجات ودمجها ضمن نموذج مشترك أعدته المجموعة السودانية للدفاع عن الحقوق والحريات ومركز عافر، مع استمرار تنظيم ورش إضافية تستهدف إشراك الحركات المسلحة، والمرأة، ولجان الطوارئ، وأصحاب المبادرات، لضمان شمولية الرؤية الوطنية.
إقرأ المزيد :
الرئيس السيسي يؤكد ضرورة ضمان سيادة ووحدة السودان ورفض التدخلات الخارجية




