السفير دكتور محمد حجازي يكتب : سام نجوما.. الأب المؤسس لناميبيا وحارس شعلة التحرير

في سجل النضال الإفريقي ضد الاستعمار والتمييز العنصري، يبرز اسم سام نجوما باعتباره أحد أكثر القادة إصرارًا وثباتًا في مواجهة الاحتلال، وأحد الرموز التي جسدت قدرة الشعوب الإفريقية على انتزاع حريتها رغم طول سنوات الكفاح وقسوة التحديات, فقد ارتبط اسمه ارتباطًا وثيقًا بميلاد دولة ناميبيا المستقلة، حتى أصبح يُعرف بحق بـ”الأب المؤسس للأمة الناميبية”.
ولد سام شافيشونا نجوما عام 1929 في شمال ناميبيا، التي كانت تعرف آنذاك بجنوب غرب إفريقيا، وكانت خاضعة للإدارة الجنوب إفريقية بعد الحرب العالمية الأولى, نشأ في بيئة بسيطة وعرف منذ شبابه معنى التمييز العنصري والحرمان السياسي الذي فرضته سلطات الاحتلال على الأغلبية الإفريقية، وهو ما شكل وعيه الوطني مبكرًا ودفعه إلى الانخراط في العمل السياسي.
وخلال خمسينيات القرن العشرين، بدأ نجوما نشاطه في الدفاع عن حقوق شعبه، وسرعان ما أصبح من أبرز الأصوات المطالبة بإنهاء السيطرة الجنوب إفريقية على ناميبيا, وفي عام 1960 شارك في تأسيس منظمة شعب جنوب غرب إفريقيا (SWAPO)، التي تحولت إلى الحركة الرئيسية التي قادت نضال الشعب الناميبي من أجل الاستقلال.
ومع تعنت سلطات الفصل العنصري ورفضها الاستجابة للمطالب الوطنية، انتقل النضال من الساحة السياسية إلى الكفاح المسلح, وقاد نجوما الحركة الوطنية من المنفى لسنوات طويلة، متنقلًا بين العواصم الإفريقية والدولية لحشد الدعم لقضية بلاده. وخلال تلك السنوات أصبح اسم ناميبيا حاضرًا على أجندة الأمم المتحدة وحركة عدم الانحياز ومنظمة الوحدة الإفريقية.
وقد حظيت القضية الناميبية بدعم واسع من الدول الإفريقية المستقلة، وفي مقدمتها مصر، وتنزانيا، وزامبيا، والجزائر، وأنغولا، وغيرها من الدول التي اعتبرت أن تحرير ناميبيا جزء لا يتجزأ من معركة إفريقيا ضد الاستعمار والعنصرية.
وعلى مدى ما يقرب من ثلاثة عقود، ظل نجوما رمزًا للصمود الوطني , فبينما كانت المنطقة تشهد صراعات إقليمية وحروبًا بالوكالة في ظل الحرب الباردة، تمسك بهدفه الأساسي: استقلال ناميبيا وإقامة دولة تقوم على المساواة بين جميع مواطنيها.
وأخيرًا، تحقق الحلم الذي ناضلت من أجله أجيال كاملة عندما نالت ناميبيا استقلالها في 21 مارس 1990. وفي ذلك اليوم التاريخي أدى سام نجوما اليمين الدستورية كأول رئيس للجمهورية المستقلة، بحضور عدد كبير من قادة إفريقيا والعالم الذين شهدوا ولادة آخر دولة إفريقية تنال استقلالها في القرن العشرين.
لكن التحدي الحقيقي بدأ بعد الاستقلال. فقد ورثت الدولة الجديدة مجتمعًا منقسمًا بفعل عقود طويلة من التمييز العنصري وعدم المساواة, وأدرك نجوما أن نجاح التحرير السياسي يتطلب مصالحة وطنية وبناء مؤسسات قوية قادرة على توحيد المجتمع, لذلك انتهج سياسة تقوم على التعايش الوطني وتجنب الانتقام، واضعًا مصلحة الدولة فوق جراح الماضي.
كما عمل على تطوير التعليم والخدمات العامة والبنية التحتية، وسعى إلى تعزيز حضور ناميبيا على الساحة الإفريقية والدولية, وخلال سنوات حكمه، أصبحت بلاده نموذجًا للاستقرار السياسي النسبي في منطقة شهدت لعقود طويلة نزاعات وحروبًا.
وكان نجوما مؤمنًا بعمق بفكرة الوحدة الإفريقية, فقد رأى أن استقلال ناميبيا لم يكن انتصارًا وطنيًا فحسب، بل ثمرة لتضامن القارة بأسرها, ولذلك ظل حريصًا على دعم مؤسسات العمل الإفريقي المشترك وتعزيز التعاون بين الدول الإفريقية.
وعندما غادر السلطة عام 2005 بعد خمسة عشر عامًا في الحكم، ترك وراءه دولة مستقرة ومؤسسات راسخة نسبيًا، في مشهد نادر بين قادة حركات التحرر الذين انتقلوا من قيادة الثورة إلى قيادة الدولة.
لقد مثل سام نجوما جسرًا بين مرحلتين: مرحلة الكفاح من أجل الحرية، ومرحلة بناء الدولة الوطنية, وهو ما جعل مكانته تتجاوز حدود ناميبيا ليصبح أحد الرموز الكبرى في تاريخ التحرر الإفريقي.
وعندما رحل، لم تودع ناميبيا رئيسها الأول فحسب، بل ودعت أحد آخر عمالقة جيل التحرير الإفريقي الذين حملوا شعلة النضال لعقود طويلة حتى تحققت الحرية, وبقي اسمه مرتبطًا بقصة شعب آمن بحقه في الاستقلال، وقائد لم يتخل عن حلمه رغم سنوات المنفى والصراع.
إن قصة سام نجوما تذكرنا بأن الحرية ليست هبة تُمنح، بل حق يُنتزع بالصبر والإرادة والتضحيات, كما تؤكد أن الشعوب التي تتمسك بأحلامها قادرة في النهاية على صناعة مستقبلها مهما بدت الطريق طويلة وشاقة.
ولهذا سيظل سام نجوما حاضرًا في الذاكرة الإفريقية بوصفه أحد الآباء المؤسسين للاستقلال في القارة، وأحد الرجال الذين حولوا الحلم الوطني إلى دولة ذات سيادة، وجعلوا من النضال مدرسة للأمل وبناء المستقبل .
إقرأ المزيد :
السفير دكتور محمد حجازي يكتب : جومو كينياتا… الأب المؤسس لكينيا الحديثة ” 13 “




