استنفار أمني في جنوب أفريقيا مع تصاعد الاحتجاجات المناهضة للمهاجرين.. انتشار مكثف للشرطة ومخاوف من عودة أعمال العنف

شهدت جنوب أفريقيا انتشارًا أمنيًا مكثفا بشكل غير مسبوق في كبرى المدن والمراكز الحضرية، بعدما وصلت الحركة الاحتجاجية المناهضة للهجرة إلى المهلة التي حددتها بنفسها للمطالبة بخروج جميع الأجانب المقيمين بصورة غير قانونية من البلاد، في تطور يعكس تصاعد حدة التوترات المرتبطة بملف الهجرة.
ودفعت السلطات بأعداد كبيرة من قوات الشرطة إلى مدن رئيسية، من بينها جوهانسبرغ وديربان، ضمن خطة أمنية منسقة على مستوى البلاد، في محاولة لاحتواء الاحتجاجات التي أدت إلى شلل شبه كامل في الحركة الاقتصادية داخل عدد من المراكز التجارية والحضرية.
وتطالب الجماعات المنظمة للاحتجاجات بالمغادرة الفورية والكاملة لجميع المهاجرين غير النظاميين، في وقت تخشى فيه الحكومة من تكرار موجات العنف المرتبطة بكراهية الأجانب التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية، والتي أسفرت عن سقوط قتلى وإصابة آخرين وإلحاق أضرار واسعة بالممتلكات. ولهذا عززت الدولة انتشارها الأمني في محاولة استباقية لمنع اندلاع مواجهات مجتمعية قد تتحول إلى أعمال عنف واسعة النطاق.
رئيس جنوب أفريقيا يدعو إلى ضبط النفس ويقر بضرورة إصلاح ملف الهجرة
وفي ظل تصاعد الأزمة، وجه رئيس جنوب أفريقيا، سيريل رامافوزا، رسالة مباشرة إلى المواطنين عبر نشرته الوطنية، دعا خلالها إلى الالتزام بأقصى درجات ضبط النفس، معترفًا في الوقت نفسه بأن البلاد تواجه ضغوطًا سياسية متزايدة تستدعي المضي نحو إصلاحات عاجلة في سياسات الهجرة.
وأكد رامافوزا أن الحق في الاحتجاج والتظاهر لا يمنح أي طرف الحق في تهديد الآخرين أو ترهيبهم أو ارتكاب أعمال التخريب أو ممارسة العنف، مشددًا على أن ملايين الأجانب المقيمين بصورة قانونية يعيشون داخل جنوب أفريقيا وفقًا للقوانين، ويسهمون بشكل مباشر في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز مختلف القطاعات الإنتاجية.
ورغم هذه الدعوات الرسمية، بدأت مؤشرات التوتر الأمني بالتصاعد، إذ أعلنت الشرطة توقيف عشرة أشخاص في منطقتي سويتو وهامرزدايل، بعد تورطهم في عمليات اقتحام استهدفت متاجر يملكها أجانب، إضافة إلى تنفيذ عمليات نهب منظمة طالت عدداً من المحال التجارية.
إجلاء وترحيل آلاف الأجانب مع تزايد المخاوف من تدهور الوضع الأمني
وتكشف العمليات اللوجستية التي تشهدها البلاد عن حجم الأزمة المتفاقمة، حيث سارعت حكومات عدد من الدول إلى إجلاء رعاياها من مراكز الإيواء المؤقتة، في ظل مخاوف متزايدة من احتمال انهيار الوضع الأمني.
وبحسب بيانات رسمية صادرة عن الشرطة الجنوب أفريقية، فقد تمت إعادة أو ترحيل نحو 25 ألف أجنبي خلال هذه المرحلة، بينما ينتمي معظم المرحلين إلى دول أفريقية مجاورة.
وفي مدينة ديربان، بدأت السلطات المحلية تفكيك الخيام البيضاء التي كانت تؤوي آلاف الأسر النازحة، بالتزامن مع تجهيز قوافل من الحافلات لنقل المرحلين عبر الحدود إلى كل من مالاوي وموزمبيق وزيمبابوي وغانا.
ويمثل هذا الرحيل القسري بالنسبة لكثير من المهاجرين نهاية مؤلمة لسنوات من العمل والاستقرار، بعدما اضطر العديد منهم إلى التخلي عن وظائفهم ومصادر دخلهم، وفي بعض الحالات ترك أطفالهم خلفهم، الأمر الذي ضاعف من حجم المعاناة الإنسانية التي يعيشونها.
كما تحدث عدد من العائدين عن تعرضهم لتهديدات مباشرة من مجموعات محلية، مؤكدين أنهم تعرضوا للإساءة باستخدام لفظ “ماكويريكويري”، وهو وصف يحمل دلالات مهينة ويستخدم في جنوب أفريقيا للإشارة إلى الأجانب والمهاجرين بصورة عنصرية.
“عملية دودولا” تتصدر المشهد وتلوح بتجاوز أجهزة إنفاذ القانون
وتقود هذه التحركات الاحتجاجية جماعة “عملية دودولا”، التي تعد من أبرز الحركات القومية المناهضة للهجرة في جنوب أفريقيا، حيث أعلنت قياداتها بشكل صريح أنها قد تتحرك بصورة مباشرة إذا لم تنفذ الحكومة عمليات ترحيل واسعة للمهاجرين غير النظاميين.
ويؤكد منظمو الاحتجاجات أن مطالبهم تستند إلى ضرورة تطبيق القوانين الوطنية، مشيرين إلى أن جميع الأجانب مطالبون بالالتزام بالتشريعات المحلية، بينما يتهمون المهاجرين غير النظاميين بالتسبب في زيادة الضغط على البنية التحتية والخدمات العامة، فضلاً عن تقليص فرص العمل المتاحة للمواطنين الجنوب أفريقيين والتأثير على الخدمات الصحية الأساسية.
الشرطة تواجه تحديًا مع مشاركة محتجين من الزولو يحملون رموزًا ثقافية تقليدية
وفي الوقت نفسه، تواجه قوات الأمن تحديًا ميدانيًا بالغ التعقيد أثناء تأمين المسيرات المصرح بها، بعدما فرضت السلطات حظرًا شاملاً على حمل الأسلحة التقليدية خلال الاحتجاجات.
إلا أن نسبة كبيرة من المشاركين تنتمي إلى قومية الزولو، التي تعتبر الدروع التقليدية والسياط والعصي جزءًا لا يتجزأ من هويتها الثقافية وتراثها خلال التجمعات العامة.
ويثير تنفيذ قرار الحظر مخاوف من اندلاع مواجهات مباشرة بين قوات الشرطة والمتظاهرين، في ظل تمسك أبناء الزولو بهذه الرموز باعتبارها موروثًا ثقافيًا لا يمكن التخلي عنه.
جنوب أفريقيا أمام معادلة صعبة بين حماية الحقوق الدستورية ومنع الانزلاق إلى الفوضى
وتزداد تعقيدات المشهد مع تحذيرات منظمات رقابية مستقلة، من بينها منظمة “زينوواتش” المعنية بمتابعة جرائم كراهية الأجانب، والتي أكدت أن أعمال العنف المرتبطة بالتحريض ضد المهاجرين أودت بالفعل بحياة عدد من الأشخاص خلال العام الجاري.
وفي ظل استمرار الاحتجاجات وتصاعد التوتر، تجد جنوب أفريقيا نفسها أمام تحدٍ بالغ الحساسية، يتمثل في تحقيق التوازن بين حماية الحق الدستوري في التظاهر السلمي، ومنع انزلاق البلاد إلى موجة جديدة من أعمال العنف وكراهية الأجانب، بما قد يهدد الاستقرار الأمني ويؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية.
اقرأ المزيد




