الكاتب والمحلل السياسي الليبي إدريس احميد يكتب : تشاد والاستقرار.. ركيزة الأمن والتنمية في منطقة الساحل والصحراء

لم تعد تشاد مجرد دولة في قلب القارة الأفريقية، بل أصبحت إحدى الركائز الأساسية في معادلة الأمن والاستقرار بمنطقة الساحل والصحراء. فموقعها الجغرافي، وحدودها الممتدة مع ليبيا والنيجر والسودان وأفريقيا الوسطى والكاميرون، جعل منها نقطة التقاء لمجموعة من التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية، بحيث لم يعد استقرارها قضية داخلية تخص التشاديين وحدهم، بل أصبح عاملاً مؤثراً في أمن واستقرار المنطقة بأسرها.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الساحل، يبرز سؤال جوهري: هل تستطيع تشاد الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة بناء دولة مستقرة وقادرة على مواجهة التحديات الداخلية والإقليمية؟
شهدت تشاد خلال العقود الماضية صراعات سياسية وعسكرية متكررة، إلا أنها تمكنت من الحفاظ على مؤسسات الدولة واستمرارها، خاصة خلال فترة الرئيس الراحل إدريس ديبي، الذي واجه تحديات أمنية كبيرة، قبل أن تنتقل السلطة إلى الرئيس محمد إدريس ديبي عقب أحداث عام 2021، ورغم حساسية المرحلة الانتقالية، فإن الدولة حافظت على تماسكها، إلا أن ذلك لا يغني عن الحاجة إلى إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية شاملة تعزز المشاركة الوطنية، وترسخ دولة المؤسسات والقانون.
ولم تكن محاولات التوصل إلى تسوية سياسية غائبة عن المشهد التشادي، فقد شهدت البلاد سلسلة من المبادرات والوساطات، كان أبرزها اتفاقية الدوحة للسلام الموقعة في أغسطس 2022 برعاية دولة قطر، والتي هدفت إلى وقف الأعمال العسكرية وتهيئة الظروف لعقد الحوار الوطني الشامل بين الحكومة وعدد من الحركات المسلحة ، وقد مثلت الاتفاقية فرصة مهمة لفتح صفحة جديدة، أعقبها انعقاد الحوار الوطني الشامل والسيادي الذي ناقش مستقبل المرحلة الانتقالية والإصلاحات الدستورية والسياسية.
غير أن هذه الجهود لم تحقق التوافق الكامل، إذ بقيت بعض الحركات المسلحة خارج مسار الاتفاق والحوار، وهو ما يعكس تعقيد المشهد السياسي والأمني في تشاد، ويؤكد أن نجاح أي اتفاق لا يقاس بتوقيعه، وإنما بمدى تنفيذ بنوده، وبناء الثقة بين الأطراف، ومعالجة الأسباب الحقيقية للصراع، وفي مقدمتها التنمية المتوازنة، وتوسيع المشاركة السياسية، وتعزيز مؤسسات الدولة.
ومن أبرز التحديات التي تواجه تشاد استمرار وجود عدد كبير من الحركات والجبهات المسلحة، وهو ما يعكس تراكمات سنوات طويلة من الصراعات والانقسامات ، ولا شك أن هذا الواقع يفرض على جميع الأطراف إدراك أن مستقبل البلاد لا يمكن أن يبنى بمنطق السلاح، وإنما بالحوار والتوافق الوطني، لأن التنافس على السلطة دون مشروع وطني جامع لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الأزمات.
وفي الجانب الأمني، تواجه تشاد تحديات متزايدة نتيجة تنامي نشاط الجماعات الإرهابية والمتشددة في منطقة الساحل وحوض بحيرة تشاد، إلى جانب صعوبة السيطرة على الحدود البرية الشاسعة، التي تمتد لآلاف الكيلومترات مع ليبيا والنيجر والسودان. وقد تعرضت البلاد خلال السنوات الماضية لعدد من الهجمات الإرهابية، الأمر الذي يؤكد أن الأمن الوطني لم يعد شأناً داخلياً، بل أصبح جزءاً من منظومة الأمن الإقليمي.
كما لا يمكن إغفال تداعيات الحرب في السودان، التي ألقت بظلالها على تشاد من خلال تدفق مئات الآلاف من اللاجئين، وما ترتب على ذلك من ضغوط إنسانية واقتصادية وأمنية، فضلاً عن المخاوف من انتقال السلاح واتساع نشاط الجماعات المسلحة وشبكات التهريب عبر الحدود. واستمرار هذه الحرب يمثل تهديداً لاستقرار السودان وتشاد، كما ينعكس على مجمل الأوضاع الأمنية في منطقة الساحل.
وفي الاتجاه الآخر، ترتبط تشاد بحدود طويلة مع ليبيا والنيجر، وهما دولتان تواجهان تحديات أمنية معقدة. فالحدود الصحراوية المفتوحة أصبحت مجالاً لنشاط شبكات تهريب السلاح والمخدرات والاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية، فضلاً عن تحركات الجماعات المسلحة والتنظيمات الإرهابية. ومن هنا، فإن تعزيز التعاون الأمني بين دول الجوار، وتبادل المعلومات، وتطوير آليات مشتركة لحماية الحدود، لم يعد خياراً سياسياً، بل ضرورة تفرضها طبيعة التهديدات المشتركة.
وتتزامن هذه التحديات مع تصاعد التنافس الدولي على القارة الأفريقية، ولا سيما منطقة الساحل، التي أصبحت محل اهتمام متزايد من القوى الدولية والإقليمية بسبب موقعها الجيوسياسي ومواردها الطبيعية وأهميتها الأمنية ، وهو ما يتطلب من دول المنطقة انتهاج سياسات متوازنة تحافظ على سيادتها الوطنية، وتمنع تحويل أراضيها إلى ساحات للصراعات الدولية أو تصفية الحسابات بين القوى المتنافسة.
لقد أثبتت التجارب أن الأمن لا يتحقق بالحلول العسكرية وحدها، كما أن التنمية لا يمكن أن تزدهر في ظل استمرار الصراعات، ولذلك، فإن مستقبل تشاد يرتبط بقدرتها على استكمال مسار المصالحة الوطنية، وتنفيذ الإصلاحات السياسية، وتعزيز التنمية، وترسيخ سيادة القانون، وبناء مؤسسات قوية تستوعب جميع مكونات المجتمع، وتغلق الطريق أمام العنف والتمرد.
إن استقرار تشاد لم يعد قضية وطنية فحسب، بل أصبح ركيزة أساسية لاستقرار منطقة الساحل والصحراء، فكل تقدم تحرزه في مجال المصالحة الوطنية، وضبط الحدود، ومكافحة الإرهاب، وتعزيز التعاون مع دول الجوار، سينعكس إيجاباً على الأمن الإقليمي، كما أن أي انتكاسة قد تفتح المجال أمام موجة جديدة من عدم الاستقرار تمتد آثارها إلى محيطها الإقليمي.
ومن هنا، فإن مستقبل منطقة الساحل لا يرتبط باستقرار دولة واحدة فقط، وإنما بقدرة دولها على بناء شراكة حقيقية تقوم على احترام السيادة، وتبادل المصالح، والتنسيق الأمني، وتحقيق التنمية المستدامة.
وفي هذا السياق، تبقى تشاد، بما تمثله من ثقل جغرافي وسياسي، إحدى أهم ركائز الأمن والاستقرار في الإقليم، وأحد المفاتيح الرئيسية لبناء مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً لشعوب منطقة الساحل والصحراء.
اقرأ المزيد
السودان يتهم إثيوبيا بدعم هجوم الدعم السريع على الحدود وتصاعد التوترات في النيل الأزرق




