المحلل السياسي التشادي الدكتور محمد شريف جاكو يكتب : العلاقات المصرية التشادية.. جذور تاريخية وآفاق واعدة للتعاون في المستقبل
تتمتع العلاقات المصرية التشادية بجذور تاريخية عميقة، تمتد إلى قرون مضت، وشهدت على مدار العقود الماضية العديد من المحطات المهمة التي أسهمت في تشكيل طبيعة العلاقات بين البلدين والشعبين، سياسيًا وثقافيًا واقتصاديًا، وصولًا إلى آفاق جديدة للتعاون في المستقبل.
وعند الحديث عن العلاقات بين مصر وتشاد تبرز مجموعة من المحطات التاريخية المهمة في صفحة العلاقات التشادية المصرية في الماضية والحاضر والتي تعكس عمق العلاقات بين البلدين، وتوفر في الوقت ذاته أساسًا مهمًا لاستشراف مستقبل هذه العلاقات، ومن أبرزها:
- تعود إحدى أبرز المحطات التاريخية في العلاقات بين البلدين إلى عام 794هـ، الموافق 1391/1392م، عندما بعث سلطان إمبراطورية كانم، الماي عثمان بن إدريس، رسالة شهيرة إلى سلطان مصر المملوكي الظاهر سيف الدين برقوق , واستهل سلطان كانم رسالته بعبارة: «إلى ملك مصر أم الدنيا»، في إشارة إلى المكانة التي كانت تحظى بها مصر في الوعي السياسي والثقافي لشعوب المنطقة منذ ذلك الوقت، وما مثّلته القاهرة من مركز حضاري وسياسي مهم في العالم الإسلامي وأفريقيا.
- العلاقات التشادية المصرية خاصة الثقافية ، بعد قيام الثورة المصرية في عام 1952م. وتطوير جامع الأزهر الشريف، حيث فتحت أبواب معاهد والجامعات الأزهريّة لأبناء المسلمين في العالم وكان منهم أبناء تشاد بل أستطيع أن أقول بأنه كان لأبناء تشاد عناية خاصة ، حيث ذكر الرعيل الأول من الشباب التشادي في خمسينيات القرن الماضي أنهم قد ذهبوا إلى مصر حتى بدون جوازات سفر وتم قبولهم في الدراسة والسكن في مدينة البعوث الإسلامية الأمر الذي جعل صورة مصر والمصريين في أذهان كثير من التشاديين إيجابية أكثر من غيرها من دول كثيرة.
- كان لمصر أيضًا موقف داعم لحركات التحرر الوطني في أفريقيا، ومن بينها الثورة التشادية وجبهة التحرير الوطني التشادية «فرولينا»، وذلك في إطار الموقف المصري المبدئي الداعم لحركات التحرر والاستقلال في القارة الأفريقية.
-
كما شهدت العلاقات بين البلدين محطة أخرى مهمة عندما قطعت الحكومة التشادية، في عهد الرئيس فرانسوا تومبلباي، علاقاتها مع إسرائيل دعمًا لمصر، وقت الاحتلال الإسرائيلي لشبه جزيرة سيناء .
وامتد التقارب بين البلدين إلى الموقف من القضية الفلسطينية، حيث وقفت تشاد إلى جانب قضية الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة.
- ومن المحطات المهمة أيضًا الموقف المصري من الحرب التشادية الليبية، حيث حافظت مصر على موقف اتسم بالحياد تجاه الصراع، في الوقت الذي انحازت فيه غالبية الدول العربية إلى ليبيا.ويعكس هذا الموقف طبيعة السياسة المصرية تجاه القضايا المرتبطة بتشاد، وحرص القاهرة على التعامل مع قضايا المنطقة من منظور يحافظ على مصالح الشعب التشادي وسيادة أراضيه.
أسهمت هذه المحطات وغيرها في تكوين صورة ذهنية إيجابية متبادلة بين الشعبين التشادي والمصري، كما ساعدت في بناء قاعدة يمكن الانطلاق منها لتعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية بين البلدين خلال المرحلة المقبلة.
ويكتسب التعاون الاقتصادي والتنموي أهمية خاصة في ضوء احتياجات تشاد الكبيرة في مجال البنية التحتية، إذ تبلغ مساحة البلاد نحو مليون و284 ألف كيلومتر مربع، بينما لا تزال بحاجة إلى تطوير شبكة الطرق والبنية الأساسية.
وفي هذا السياق، تؤدي شركة المقاولون العرب المصرية دورًا إيجابيًا في تنفيذ عدد من مشروعات البنية التحتية في تشاد، بما في ذلك أعمال البناء والتشييد والطرق والكباري، وهو ما أسهم في تعزيز الحضور المصري في مجال التنمية والبنية الأساسية داخل البلاد.
وتحظى مشروعات الشركة، وفقًا للرؤية المطروحة، بتقدير لدى قطاعات من الشعب التشادي، بما يمكن أن يمثل قاعدة مهمة لتوسيع التعاون المصري التشادي في مجال البنية التحتية خلال السنوات المقبلة.
ومن بين المشروعات التي يمكن أن تمثل نقلة نوعية في العلاقات الاقتصادية بين البلدين، العمل على ربط مصر وتشاد بطريق بري، وهو ما يمكن أن يسهم في تنشيط حركة التجارة البينية وتسهيل انتقال السلع والبضائع، بما يعود بالنفع على الشعبين.
وتزداد أهمية هذا الربط في ضوء كون تشاد دولة حبيسة، الأمر الذي يجعل تطوير ممرات النقل والربط البري مع دول الجوار والموانئ الإقليمية عنصرًا أساسيًا في دعم الاقتصاد التشادي وتعزيز قدرته على الوصول إلى الأسواق الخارجية.
كما يمكن أن يفتح الربط البري آفاقًا جديدة أمام التعاون في مجال الثروة الحيوانية، حيث تمتلك تشاد ثروة حيوانية ضخمة، في الوقت الذي تمثل فيه مصر سوقًا مهمة للماشية واللحوم والجلود وغيرها من المنتجات الحيوانية.
ومن شأن تطوير طرق النقل أن يسهل عمليات التبادل التجاري في هذا المجال، ويقلل من تكاليف النقل، ويدعم حركة التجارة والاستثمار بين البلدين.
وفي قطاع الطيران، يمكن أن تؤدي مصر للطيران دورًا أكثر محورية في تعزيز حركة السفر بين البلدين، خاصة في ظل وجود شكاوى لدى بعض المسافرين التشاديين تتعلق بارتفاع أسعار تذاكر السفر، إلى جانب ملاحظات بشأن مستوى حداثة بعض الطائرات المستخدمة على الخط التشادي، وفقًا لما يراه بعض المسافرين.
ويأتي ذلك في ظل منافسة متزايدة على سوق الطيران التشادي من جانب عدد من شركات الطيران الإقليمية والدولية، من بينها الخطوط الجوية الإثيوبية والجزائرية والمغربية، فضلًا عن الخطوط الجوية الفرنسية.
ومن ثم، فإن تحسين مستوى الخدمات، وزيادة تنافسية الأسعار، وتطوير حركة الطيران بين القاهرة وإنجامينا، يمكن أن يسهم في تعزيز حضور مصر في السوق التشادية، ويدعم حركة السياحة والتجارة والاستثمار والتواصل الشعبي بين البلدين.
في ضوء هذا الإرث التاريخي والثقافي، وما يجمع البلدين من مصالح مشتركة، تبدو العلاقات المصرية التشادية أمام فرص واسعة للتطور خلال المرحلة المقبلة.
فالتعاون في مجالات البنية التحتية والنقل والتجارة والثروة الحيوانية والطيران والتعليم والثقافة، إلى جانب العلاقات السياسية والتنسيق بشأن القضايا الأفريقية والإقليمية، يمكن أن يمثل أساسًا قويًا لبناء شراكة أكثر اتساعًا بين القاهرة وإنجامينا.
وبناءً على هذه المعطيات، يمكن التوقع بأن تشهد العلاقات المصرية التشادية تطورًا كبيرًا خلال المستقبل، بما يعزز المصالح المشتركة ويفتح آفاقًا جديدة للتعاون بين البلدين والشعبين، بإذن الله.
طالع أيضا :




