الدكتور عبد الناصر سلم حامد يكتب: البرهان ومأزق واشنطن
في التوتر بين واشنطن والفريق أول عبد الفتاح البرهان، ربما لا يكون السؤال الأهم مقدار الضغط الأمريكي، بل ما الذي سيغيره هذا الضغط فعلًا. فالحرب السودانية تجاوزت الخلاف على قبول مبادرة أو رفضها ، المسألة الآن تتعلق بشكل الدولة بعد الحرب: كيف تعود القوة المسلحة إلى مؤسسة واحدة، وتخضع لسلطة سياسية مدنية؟
يكشف الخلاف مع البرهان حدود المقاربة الأمريكية أكثر مما يختزل أزمة السودان في شخصه، وقد فرضت واشنطن عقوبات على قائد الجيش في ١٦ يناير ٢٠٢٥، لكن العقوبات وحدها لا تجيب عن سؤال المؤسسة العسكرية التي يحتاجها السودان بعد الحرب، وحتى لو نجحت الضغوط في وقف القتال، سيبقى سؤال السلاح قائمًا. أما الحكومة المدنية، فلن تكون صاحبة سلطة فعلية ما دامت القوة موزعة بين مراكز مستقلة عنها.
لا يمكن تجاهل الدعم السريع في التفاوض لإنهاء الحرب؛ فهو يملك قدرة على القتال وتعطيل الاتفاق، لكن هذه الضرورة لا تحسم موقعه في الدولة المقبلة، والخطر أن يتحول امتلاك السلاح المستقل إلى سبب لضمان مكان دائم في النظام السياسي، لذلك يظل مصير السلاح بعد الاتفاق أهم من ترتيب المقاعد حول طاولة المفاوضات.
وفي هذا السياق تكتسب مسألة تأشيرة البرهان دلالتها، فقد نقلت رويترز في ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٦ عن مصادر سودانية ومصدر مطلع على الاتصالات ربطًا بين تعثر إصدار تأشيرته لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة وقبول مقترح لوقف النار لتسعين يومًا، وامتنعت الخارجية الأمريكية عن التعليق على ملف التأشيرة، لذلك ينبغي التمييز بين ما تنقله المصادر وما تعلنه واشنطن رسميًا. وتكمن أهمية الواقعة في ما تكشفه عن مستوى التوتر مع قيادة الجيش؛ وإذا صح الربط الذي نقلته رويترز، فإنها تشير أيضًا إلى استخدام الضغط الدبلوماسي لدفعها إلى قبول المقترح.
وقف إطلاق النار ضرورة إنسانية عاجلة، ومع ذلك، فإن الوقت الذي توفره الهدنة قد يُستخدم لإعادة الانتشار والتجنيد وإصلاح خطوط الإمداد ، لا يمكن تجاهل هذا الاحتمال عند بحث شروطها.
المعضلة هي وقف الحرب من دون تثبيت البنية التي أنتجتها، فلا ينبغي أن تتحول خطوط السيطرة المؤقتة إلى حدود سياسية دائمة، أو أن تصبح الهدنة فترة استعداد لجولة أخرى. الضمانات هنا جزء من حماية وقف النار، وليست اعتراضًا على ضرورته.
لا ينبغي، إذن، التعامل مع مخاوف قيادة الجيش بشأن استفادة الدعم السريع من الهدنة باعتبارها مجرد رفض يمكن كسره بمزيد من الضغط. فهذه المخاوف تطرح أسئلة عملية عن مصير السلاح وخطوط السيطرة وضمانات التنفيذ، والإجابة عنها جزء من إنجاح الهدنة نفسها، ولا يعني ذلك منح أي طرف مبررًا مفتوحًا لاستمرار الحرب؛ بل تحويل اعتراضاته إلى التزامات قابلة للقياس والتحقق: منع إعادة التسليح والتجنيد والانتشار المخالف للاتفاق، وتحديد جهة الرقابة وإجراءات التعامل مع الخروق. وهذه القيود يجب أن تلزم الطرفين.
هنا يظهر أحد حدود الضغط الأمريكي: تستطيع واشنطن رفع كلفة رفض التسوية، لكن العقوبات وحدها لا تخفض بالضرورة مخاطر قبولها، فإذا رأت قيادة الجيش أن الاتفاق قد يثبت قوة مسلحة موازية من دون ضمانات لتفكيك استقلالها العسكري والمالي، فإن الضغط عليها لا يزيل هذا الخطر. يصبح المطلوب عندئذ تحسين شروط التسوية، لا الاكتفاء برفع كلفة الاعتراض عليها.
ولهذا، فإن رفع كلفة استمرار الحرب يحتاج إلى أن يصاحبه خفض مخاطر قبول التسوية، وبين الاثنين تأتي مسألة الضمانات: من يراقب التنفيذ، وكيف تُضبط إعادة التسليح، وماذا يحدث عند الخرق؟ التعهدات السياسية وحدها لا تكفي. كما أن تسلسل التنفيذ مهم، حتى لا يقدم طرف تنازلًا يصعب التراجع عنه بينما يحتفظ الطرف الآخر بأوراقه. قيمة الضمان، في النهاية، هي أن يجعل الالتزام بالاتفاق أكثر جدوى من خرقه.
أصعب هذه المسائل مستقبل الدعم السريع ، فالدولة الواحدة لا تستقيم مع بقاء قرار استخدام القوة موزعًا بين مراكز مستقلة ، وتبدو كلمة «الدمج» أحيانًا كأنها إجابة جاهزة، بينما تترك الأسئلة الأساسية مفتوحة: من يقود المؤسسة، وما معايير قبول الأفراد ورتبهم، وكم تستغرق العملية؟ ثم كيف تُفكك شبكات التمويل والولاء، بدل إدخالها إلى الجيش باسم جديد؟
لا ينبغي تأجيل الاتفاق على مبادئ هذه العملية إلى ما بعد وقف القتال، وإن كان تنفيذها يحتاج إلى مراحل، ويجب أن تشمل المبادئ معايير مهنية لقبول الأفراد، ومساءلة عن الانتهاكات، وضمانات تمنع انتقال شبكات التمويل والولاءات القديمة إلى المؤسسة الجديدة.
القدرة العسكرية تجعل طرفًا ضروريًا في المفاوضات، لكنها لا تمنحه تلقائيًا شرعية سياسية دائمة، وكذلك فإن الصفة المؤسسية للقوات المسلحة لا تمنح قيادتها حقًا مفتوحًا في الحكم ، هذا التمييز ضروري حتى لا تصبح التسوية توزيعًا للسلطة على أساس القوة التي يملكها كل طرف.
وينطبق ذلك على البرهان نفسه، فشخصه وموقعه القيادي ليسا مرادفين للجيش، والجيش ليس كل الدولة، الدفاع عن ضرورة وجود مؤسسة عسكرية وطنية موحدة لا يقتضي تأييد الحكم العسكري، وفي المقابل، لا يستلزم الحكم المدني إضعاف المؤسسة التي يفترض أن تحمي الدولة.
يحتاج السودان إلى جيش قادر على أداء مهمته، وإلى سلطة مدنية تستطيع ممارسة صلاحياتها. الحفاظ على المؤسسة العسكرية وإصلاحها يخدمان هذه الغاية: جيش موحد يخضع للقانون والرقابة المدنية، ويحمي الدولة من دون أن يحل محل سلطتها السياسية.
ولهذا يبدو السؤال عن موعد عودة المدنيين إلى الحكم ناقصًا ما لم يصاحبه سؤال آخر: إلى أي دولة سيعودون؟ فإذا عادوا إلى دولة موزعة بين مراكز مسلحة مستقلة، فقد يحصلون على الحكومة من دون السيادة، وإذا جرى توحيد السلاح من دون قيود دستورية على من يحتكره، فقد تستعيد الدولة قدرتها بينما تبقى السياسة أسيرة القوة.
لا أرى أن الاختيار بين «الأمن أولًا» و«المدنية أولًا» يحل هذه المشكلة، المطلوب أن يتقدم توحيد القوة والانتقال السياسي معًا، وفق خطوات يمكن التحقق منها، وللقوى المدنية والمجتمعات المتضررة من الحرب دور في صياغة هذه الخطوات، بما يضمن حقوق الضحايا والمساءلة، فالسلطة المدنية تحتاج إلى مؤسسة تحمي قراراتها، والجيش الوطني يحتاج إلى شرعية سياسية تضبط مهمته.
ثم إن أي تسوية داخلية ستظل ناقصة إذا بقيت البيئة الخارجية قادرة على إعادة إنتاج الحرب، فاستمرار القتال يحتاج إلى المال والسلاح والوقود وطرق الإمداد والأسواق والوسطاء، وواشنطن تدرك جانبًا من هذه المشكلة؛ ففي يونيو ٢٠٢٦ فرضت عقوبات على شبكات شراء السلاح والتجنيد المرتبطة بالطرفين، لذلك ينصب السؤال على مدى قدرة هذه الإجراءات على تعطيل الإمداد، وربطها بالتزامات إقليمية وضمانات تنفيذ، لا على غيابها.
وللقوى الإقليمية حساباتها أيضًا، فهي تؤثر في فرص تنفيذ الاتفاق، لكنها ليست مجرد أدوات للوساطة، إدخالها في التسوية من دون التزامات مشتركة قد ينقل تنافسها إلى داخلها، وتبقى مسؤولية السودانيين عن قرار القتال قائمة، إلى جانب مسؤولية من يوفر المال والسلاح والطرق التي تسمح باستمراره.
لهذا يحتاج السودان إلى تسويات مترابطة: تسوية أمنية تنهي تعدد مراكز القوة، وتسوية سياسية تضبط العلاقة بين الجيش والسلطة المدنية، وتوافق سوداني أوسع بشأن قضايا المركز والأقاليم والموارد والتمثيل، وتفاهم إقليمي يجعل إعادة تمويل الحرب وتسليحها أكثر صعوبة، فتوحيد السلاح من دون تسوية سياسية قد يعيد أزمة السلطة، والتسوية السياسية من دون إخضاع القوة للدولة قد تنتج حكومة لا تملك السيادة، وحتى الاتفاق الداخلي الجيد سيظل هشًا إذا بقي الخارج قادرًا على إعادة تشغيل الحرب.
يتغير، على هذا الأساس، مقياس النجاح الأمريكي. عدد العقوبات أو توقيع الاتفاق لا يكفيان للحكم عليه، ما يهم هو أن تتراجع قدرة الأطراف على إعادة الحرب: أن يصعب تمويلها، وأن يفقد السلاح الموازي فائدته كضمانة سياسية، وأن تصبح التسوية أقل خطرًا على من يقبلها.
زيادة الضغط على البرهان لا تغني، إذن، عن الإجابة عن اعتراضاته على شكل التسوية، لدى واشنطن أدوات لرفع كلفة استمرار الحرب، لكن قبول السلام يحتاج إلى قدر من الاطمئنان إلى ما سيأتي بعده، وهذا يتطلب ضمان وحدة الدولة، ومنع تحول الهدنة إلى حماية دائمة لتعدد الجيوش. هنا، في تقديري، يقع مأزق المقاربة الأمريكية.
ويبقى السؤال: كيف تُبنى تسوية لا يحتاج فيها أي طرف إلى الاحتفاظ بحرب محتملة كي يضمن مكانه في المستقبل؟ الإجابة تخص السودانيين قبل واشنطن، لأنها ستحدد ما إذا كان الاتفاق يوقف القتال لفترة، أم يؤسس لدولة يقل اعتماد مصيرها على قرار أي قائد.
مصادر الوقائع
وزارة الخزانة الأمريكية، عقوبات على البرهان ومورد أسلحة، ١٦ يناير ٢٠٢٥
https://home.treasury.gov/news/press-releases/jy2789
رويترز، ربط تأشيرة البرهان بمقترح وقف النار وفق مصادر، ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٦
https://www.reuters.com/world/africa/us-withholding-sudanese-leaders-visa-over-ceasefire-plan-sources-say-2026-09-22/
وزارة الخزانة الأمريكية، عقوبات على شبكات تغذي الحرب السودانية، ٢٦ يونيو ٢٠٢٦
https://home.treasury.gov/news/press-releases/sb0544
طالع أيضاً
عميد دكتور محمد حجاب يكتب: العلمين.. هل تتحول إفريقيا من التعاون السياسي إلى الشراكة الاقتصادية؟




