ماريغا ماسري يكتب : “كيدال “.. العقدة التي تختصر صراع الساحل

لا تكمن أهمية مدينة ” كيدال ” في موقعها على خريطة دولة مالي فقط , فهي في نظر الحركات الانفصالية، وفي مقدمتها جبهة تحرير أزواد، العاصمة الرمزية للإقليم (كيدال) ومهد ذاكرتهم الجماعية ومنطلق تمرداتهم على الحكومة المركزية في باماكو , لهذا لا تقف السيطرة عليها عند حدود العسكر، بل تتجاوزها إلى معركة على السيادة المعنوية والسياسية: الدولة تعلن بها أنها تبسط سلطتها على كامل ترابها، وفقدانها يهز شرعية السلطة المركزية.
وللجغرافيا دور أيضًا، فالمدينة في عمق الصحراء، عند مفترق طرق يربط مالي بالجزائر والنيجر، وتصلها خطوط إمداد من غاو جنوبًا وتساليت شمالًا، ومن يملكها يقطع الإمداد أو يؤمّنه ويتحكم في طرق القوافل والتهريب , ومطارها العسكري يعطي صاحبه ميزة النقل الجوي في بيئة يصعب السير فيها برًا , أما تضاريسها فجعلتها ملاذًا للجماعات المسلحة عبر التاريخ.
تبدلت السيطرة عليها ثلاث مرات منذ 2023 , استعادها الجيش المالي بدعم حليفه الروسي في نوفمبر 2023، ثم سقطت في أبريل الماضي (2026) بيد مقاتلي الجبهة بعد هجمات منسقة غير مسبوقة استشهد فيها وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا , وانسحب نحو 400 عنصر من الفيلق الأفريقي بموجب اتفاق مع الجبهة , وهذا الأسبوع، في 6 أكتوبر، عادت إلى الجيش , وفي كل مرة يفرّ أغلب السكان نحو الجزائر والنيجر، فالمدينة اليوم شبه خالية.
وهذا التبدل المتكرر في السيطرة يكشف نمطًا واضحًا: كل مرة تنتهي بانتصار يعلنه طرف، ثم لا يدوم , تتغير الراية فوق القلعة، وتبقى الأسباب التي تدفع جزءًا من الشعب إلى حمل السلاح كما هي , ومن هنا أرى أن أي حل عسكري صرف يعيد المدينة إلى نقطة البداية، مهما بدا حاسمًا في لحظته , وقد علّمتنا السنوات الماضية أن المدينة التي تُستعاد بالقوة قد تُفقد بالقوة نفسها، وأن الذاكرة الجماعية لأهل الإقليم لا تُمحى برفع علم جديد، بل بإحساسهم أن الدولة تمثلهم وتحميهم وتسمع صوتهم.
ودخول الجيش المالي (فاما) بدعم من الفيلق الأفريقي لم يكن مفاجئًا لمن تابع العملية من بدايتها , قبل أيام أعلن الجيش ضربات جوية وبرية على تينزاواتين وضواحيها، ووصلت تعزيزات تجاوزت 200 مركبة إلى أنفيس، وقرابة 80 إلى أغيلهوك، آخر معسكرين له في المنطقة، وفيهما جنود ماليون وعناصر من الفيلق الأفريقي ومجموعات طوارقية حليفة، هي حركة إنقاذ أزواد وغاتيا.
وبحسب بيان الفيلق الأفريقي الروسي، جرت العملية الرئيسية بين 1 و7 أكتوبر عبر مسار تجاوز 450 كيلومترًا من غاو، وضربت الطائرات طرق الإمداد والمواقع الخلفية, ثم دخل رتل من أنفيس المدينة ظهر الثلاثاء دون مقاومة. كانت الجبهة قد أعلنت “انسحابًا استراتيجيًا ومنتظمًا” للحفاظ على قدراتها، واتهمت الجيش بقصف جوي غير متناسب على أهداف مدنية.
أهم ما في المشهد عندي أمر آخر: بين حلفاء الجيش جماعتان من الشمال نفسه. أي أن الصراع ليس بين الدولة وأهل الشمال فحسب، بل هناك انقسام داخل الشمال أيضًا , ولافت أن بيان هيئة الأركان (DIRPA) ذكر “الشركاء الروس” صراحة، بعدما كانت البيانات تكتفي بكلمة “الشركاء أو الحلفاء” , ويرى بعض المراقبين في ذلك بعدًا رمزيًا يُبرز الدور الروسي في “الانتصار الأخير”.
لكن ربما يمكن قراءة هذا الذكر الصريح بطريقة أخرى. قد يكون رسالة طمأنة للداخل والخارج بأن الشراكة قائمة وتؤدي دورها، فالتحالفات خيار سيادي تقرره الدولة وفق مصلحتها , وبطبيعة الحال، أرجو أن تتحول المكاسب الميدانية إلى استقرار يلمسه المواطن في يومه: في أمنه، وفي خدماته، وفي تنقله كله.
وجدير بالذكر أن الجبهة بقيت وحدها، بلا إسناد ظاهر من جماعة نصرة الإسلام والمسلمين , لاحظنا أن الطرفين لم ينسقا هذه المرة، وقد يعني ذلك انتهاء تحالف أبريل، وقد يعني تباينًا في الرؤى، فالجماعة تميل إلى الهجمات الخاطفة والجبهة إلى السيطرة على المدن , وهذا يعزز ما كنت أراه: تقاطع فرضته المرحلة، لا شراكة استراتيجية.
يقول البعض إن للجزائر ظلًّا في المشهد الأخير , لا أنفي ذلك، لكنني لا أراه ظلًّا مباشرًا , اتهامات السلطات المالية للجزائر بدعم الجبهة ربما كانت صحيحة في مراحل سابقة، غير أن البلدين أعلنا انفراجًا رسميًا في 10 يوليو بعودة السفيرين وإعادة فتح المجال الجوي، واستقبل الرئيس عبد المجيد تبون رئيس الوزراء المالي في أغسطس الماضي , وأرى أن هذا الانفراج سهّل على الطرفين المضيّ بعيدًا في إعادة السيطرة على الحدود المشتركة , أما أوكرانيا، التي دعمت الجبهة في معارك سابقة، فتبدو منشغلة بشؤونها الداخلية.
وفي كل هذه القراءات يغيب من يدفع الثمن الأكبر: السكان , فقد غادر أغلبهم المدينة أكثر من مرة، وعودتهم الآمنة هي المقياس الحقيقي لنجاح هذه المرحلة , ولذلك نأمل أن تتصدر عودة النازحين وإعادة الخدمات الأساسية أولويات المرحلة المقبلة، وهو ما ينسجم مع المعلن من إيصال المساعدات وإزالة الألغام وتأمين المدينة.
ولسكان كيدال حكاية أخرى , فالمدينة التي تعيش على القوافل والتجارة والرعي لا تحتمل أن تفرغ كل بضعة أشهر، لأن التاجر يخسر سوقه، والراعي يبتعد عن مراعيه، والأسرة تفقد بيتها وتنقطع عن مدرستها ومركزها الصحي. ومثل هذه الحياة لا تعود بقرار عسكري , تعود بالصبر، وبالثقة التي تُبنى يومًا بعد يوم، وبشعور الناس أن الاستقرار باقٍ هذه المرة.
ولا يبقى ما يجري في كيدال داخل حدودها , فالمنطقة كلها تراقب، من دول الجوار إلى القوى الخارجية إلى الجماعات المسلحة نفسها، وما يُحسم هناك أو لا يُحسم يرسم توقعات الجميع عن موازين القوة في الساحل , وكل طرف يقرأ المشهد من زاويته: الدولة ترى فيه استعادة لهيبتها، والجبهة ترى فيه جولة في مسار طويل، والجوار يرى فيه ما قد ينعكس على أمنه وحدوده. ولهذا قلت إنها عقدة تختصر الصراع.
في المحصلة: لا أحب الاستعجال في الحكم على ما يجري , المعلن الآن هو تأمين المدينة وإزالة الألغام وإيصال المساعدات، ولا تقل هذه المرحلة صعوبة عن الدخول نفسه , ومن المتوقع أن تواصل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين هجماتها الخاطفة وضغطها على إمدادات الوقود والغذاء، وقد تنقل المعارك إلى تينزاواتين كما فعلت في يوليو 2024، وهذا يُنذر بموجات نزوح جديدة. الاختبار أمام باماكو ليس دخول كيدال.
الاختبار الحقيقي هو تأمين محيطها وبناء حضور دائم للدولة في الشمال. ونأمل أن تواصل الدولة، إلى جانب جهود الجيش في تأمين المدينة، فتح قنوات الحوار مع وجهاء الشمال وأعيانه، والاستماع إلى مطالب أهله، وتعزيز التنمية والخدمات هناك , وأرى أن الحوار هنا ليس تنازلًا من أحد، بل طريق أقصر وأقل كلفة إلى استقرار تحتاجه كل الأطراف، وفي مقدمتها المواطن العادي الذي يريد أن يعود إلى بيته وسوقه وحقله , فالمصالحة لا تنتقص من هيبة الدولة، بل تكمل ما يحققه الجيش ميدانيًا. والأسابيع المقبلة ستكشف لنا الكثير.
- ماريغا ماسري (Marega Macire) .. باحث وكاتب في الشؤون الأفريقية وقضايا الساحل.. مدير مركز الخالي للتعليم والتدريب.
طالع المزيد :
ماريغا ماسري يكتب : 29 أبريل 2025.. محطة مفصلية في التاريخ السياسي لمالي بين الآمال والمخاوف




