جمال نكروما.. رحيل ابن الزعيم الأفريقي الذي احتضنته مصر وصنع اسمه في «الأهرام
من نجل أول رئيس لغانا إلى صحفي ومحلل سياسي في القاهرة.. حكاية رجل جمعته بمصر جذور الأم ومحطات الحياة، وحمل في سيرته إرث الزعيم كوامي نكروما وتاريخًا ممتدًا بين أفريقيا والعالم.

لم تكن حياة جمال نكروما مجرد سيرة ابن لزعيم أفريقي شهير، بل حكاية إنسان تشابكت أقداره مع تحولات سياسية كبرى، وانتقل بين بلدان وثقافات متعددة، قبل أن يستقر في القاهرة ويصنع لنفسه مسيرة صحفية امتدت سنوات طويلة في مؤسسة الأهرام. فهو الابن الأكبر للزعيم الغاني كوامي نكروما من زوجته المصرية فتحية حليم رزق، المرأة التي غادرت القاهرة لتصبح سيدة غانا الأولى، ثم عادت بأطفالها إلى مصر بعدما أطاح انقلاب عسكري حكم زوجها عام 1966. وبين غانا التي وُلد فيها، ومصر التي احتضنت طفولته، وبريطانيا وزيمبابوي اللتين شهدتا مراحل من تعليمه وعمله الأكاديمي، تشكّلت شخصية جمال نكروما، الذي اختار الصحافة والتحليل السياسي طريقًا للتعبير عن اهتمامه بقضايا أفريقيا والعالم. وبرحيله في القاهرة يوم 14 أكتوبر 2026، تُطوى صفحة صحفي ارتبط اسمه بالأهرام ويكلي، وتعود إلى الواجهة حكاية أسرة جمعت بين تاريخ التحرر الأفريقي والجذور المصرية.
رحيل صحفي حمل اسمًا من ذاكرة أفريقيا
توفي جمال جوركيه نكروما، الصحفي والمحرر السابق بصحيفة «الأهرام ويكلي» الصادرة باللغة الإنجليزية عن مؤسسة الأهرام، بعد مسيرة مهنية ارتبطت بتغطية الشؤون الأفريقية والدولية. وقد نعت مؤسسة الأهرام الراحل، مستذكرة إسهاماته الصحفية والفكرية واهتمامه بقضايا القارة الأفريقية.
ولم يكن اسم جمال منفصلًا عن التاريخ السياسي لغانا؛ فوالده كوامي نكروما أحد أبرز قادة حركات التحرر الأفريقية في القرن العشرين، والرجل الذي قاد بلاده إلى الاستقلال عن بريطانيا في 6 مارس 1957، قبل أن يصبح أول رئيس للجمهورية عام 1960. لكن جمال اختار مسارًا مختلفًا عن العمل السياسي المباشر، فجمع بين الدراسة الأكاديمية والبحث والتحليل والكتابة الصحفية.
كوامي نكروما وفتحية رزق.. زواج جمع غانا بمصر
تبدأ الحكاية من القاهرة، حيث وُلدت فتحية حليم رزق في أسرة مصرية قبطية، وعملت في التدريس والقطاع المصرفي قبل زواجها من كوامي نكروما في أواخر ديسمبر 1957.
كان نكروما آنذاك أحد أبرز قادة أفريقيا الساعين إلى التحرر من الاستعمار وبناء دول مستقلة، وقد جمعته بالرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر علاقات سياسية وثيقة، في إطار مساعيهما لدعم حركات التحرر وتعزيز التعاون بين الدول الأفريقية والعربية.
أصبحت فتحية سيدة غانا الأولى، وأنجبت ثلاثة أبناء هم جمال وسامية وسيكو. ولم يقتصر زواجها على ارتباط شخصي بين رجل أفريقي وامرأة مصرية، بل تحول إلى إحدى الحكايات الإنسانية التي جسدت تقاطع التاريخ المصري مع مسيرة الاستقلال في أفريقيا.
انقلاب 1966.. المحطة التي غيّرت حياة الأسرة
في 24 فبراير 1966، أطاح انقلاب عسكري حكم كوامي نكروما أثناء وجوده خارج غانا. وكان لهذا الحدث أثر عميق في مصير زوجته وأطفاله، الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع سياسي جديد، بينما أصبح والدهم يعيش في المنفى.
وبمساعدة الرئيس جمال عبد الناصر، انتقلت فتحية بأطفالها إلى مصر، لتبدأ الأسرة مرحلة جديدة في القاهرة. وكان جمال في سنوات طفولته الأولى، ولم يكن يدرك آنذاك أن التحولات السياسية التي عصفت ببلده ستحدد جانبًا مهمًا من مسار حياته.
استقرت الأسرة في مصر، والتحق جمال وشقيقاه بكلية النصر في المعادي، قبل أن يعودوا لاحقًا إلى غانا خلال مرحلة دراستهم. وهكذا ارتبطت مصر في ذاكرته المبكرة بالأمان العائلي، وبجذور والدته، وبالبلد الذي احتضن الأسرة بعد انهيار حكم والده.
من القاهرة إلى بريطانيا وزيمبابوي.. رحلة العلم والعمل
لم تتوقف رحلة جمال عند القاهرة؛ فقد اتجه إلى بريطانيا لاستكمال تعليمه الجامعي، ودرس السياسة والاقتصاد في جامعة ساسكس، ثم واصل دراساته العليا في لندن، وفقًا لما ذكره في حوار صحفي مع صحيفة «البيان» الإماراتية عام 2002.
وبعد حصوله على مؤهلاته الأكاديمية، انتقل إلى زيمبابوي، حيث عمل محاضرًا جامعيًا لنحو أربع سنوات، واهتم بقضايا الاقتصاد والتنمية. وقد أسهمت هذه التجربة في توسيع معرفته بالتحديات التي تواجه المجتمعات الأفريقية، بعيدًا عن الصورة السياسية المرتبطة باسم والده.
عاد جمال بعد ذلك إلى لندن لفترة، ثم استقر في القاهرة مع زوجته المصرية، لتبدأ مرحلة جديدة من حياته المهنية، هذه المرة من خلال الصحافة.
«الأهرام ويكلي».. منبره لقراءة أفريقيا والعالم
في القاهرة، التحق جمال نكروما بصحيفة «الأهرام ويكلي»، ليصبح أحد الصحفيين المهتمين بالشؤون الأفريقية والدولية. وقد أتاحت له الصحيفة، التي تخاطب جمهورًا ناطقًا بالإنجليزية، الجمع بين خلفيته الأكاديمية وخبرته في عدد من البلدان، وتقديم قراءات سياسية وفكرية للقضايا التي تشغل القارة.
ركز في كتاباته على آثار الاستعمار، وتحديات التنمية، والعلاقات الدولية، وموقع أفريقيا في النظام العالمي، كما اهتم بالعلاقات بين العرب والأفارقة، وبضرورة تعزيز التبادل الثقافي والمعرفي بين الجانبين.
ولم تكن خبرته الأفريقية نابعة من الدراسة وحدها؛ فقد عاش جانبًا من تاريخ غانا الحديث، وعرف عن قرب أثر التحولات السياسية في مصير أسرته، ثم درس وعمل في بريطانيا وزيمبابوي قبل أن يعود إلى مصر. ومنحت هذه التجارب كتاباته منظورًا يتجاوز حدود بلد واحد، ويجمع بين المعرفة الأكاديمية والخبرة الشخصية.
سامية نكروما.. شقيقته التي حملت إرث والدها إلى السياسة
إذا اختار جمال الصحافة والتحليل السياسي، فإن شقيقته سامية نكروما اتجهت إلى العمل السياسي في غانا، حيث أصبحت عضوًا في البرلمان عن دائرة جومورو بين عامي 2009 و2013، ثم تولت رئاسة حزب المؤتمر الشعبي، الذي أسسه والدها، بين عامي 2011 و2015.
ارتبطت سامية بإرث والدها السياسي، وبالدعوة إلى الوحدة الأفريقية، كما احتفظت بصلاتها العائلية بمصر، بلد والدتها. أما شقيقهما الأصغر سيكو، فقد ارتبط اسمه بالكتابة والنشاط السياسي.
وتكشف مسارات الأبناء الثلاثة عن صور مختلفة للتعامل مع الإرث العائلي؛ فجمال اتجه إلى الصحافة، وسامية إلى السياسة، بينما ارتبط سيكو بالنشاط العام. وعلى اختلاف طرقهم، ظلت سيرة كوامي نكروما حاضرة في خلفية حياتهم.
رحيل يفتح صفحات من التاريخ المصري الأفريقي
برحيل جمال نكروما، لا تستعيد الأهرام ذكرى صحفي عمل في صفحاتها سنوات طويلة فحسب، بل تعود إلى الذاكرة قصة أسرة ارتبط مصيرها بتاريخ التحرر الأفريقي والعلاقات المصرية الغانية.
فقد عاش جمال طفولته في ظل انقلاب غيّر مصير والده، واحتضنته مصر مع أسرته، ثم حملته رحلة التعليم والعمل إلى بريطانيا وزيمبابوي قبل أن يعود إلى القاهرة، حيث صنع مسيرته المهنية في الصحافة.
وهكذا بقيت حياته جسرًا بين غانا ومصر، وبين التاريخ السياسي والعمل الصحفي، وبين إرث عائلي ثقيل ومسار مهني اختاره بنفسه. ومع رحيله، تبقى حكايته جزءًا من ذاكرة العلاقات بين الشعوب، ودليلًا على أن الروابط التي تجمع البلدان لا تصنعها السياسة وحدها، بل تصنعها أيضًا الأسر والحياة والثقافة والعمل المشترك.




