نهب تراث السودان في زمن الحرب: تقرير يكشف اختفاء أكثر من 60% من مقتنيات المتحف القومي

تشهد السودان واحدة من أخطر الكوارث الثقافية في تاريخها الحديث، إذ يتعرض إرثها الحضاري العريق لعملية نهب وتدمير واسعة النطاق بالتزامن مع الحرب الأهلية الدائرة منذ عام 2023. ووفق تقرير موسع نشرته NBC News، فإن البلاد لا تواجه فقط أزمة إنسانية خانقة، بل تشهد أيضاً ما وصفه خبراء بـ”محو منهجي للهوية الثقافية”، بعد تعرض المتاحف والمواقع الأثرية للنهب والتخريب.
ويؤكد التقرير أن المتحف القومي السوداني، الذي كان يوماً أحد أهم خزائن الحضارة في أفريقيا، أصبح اليوم شبه فارغ بعد اختفاء آلاف القطع الأثرية التي تمتد من عصور ما قبل التاريخ حتى العصر الإسلامي.
المتحف القومي في الخرطوم… قاعات خالية بعد سرقة آلاف القطع الأثرية
تظهر آثار الدمار بوضوح داخل قاعات المتحف القومي في العاصمة الخرطوم، حيث كانت آلاف القطع الأثرية تروي تاريخ حضارات السودان القديمة، بما في ذلك ملوك النوبة المعروفين باسم “الفراعنة السود”.
وبحسب التقرير، لم يتبقَّ في المتحف سوى القطع الضخمة التي يصعب نقلها، مثل تمثال الإله النوبي الأسد أبيدماك، الذي لا يزال قائماً في ساحة المتحف كـ”ناجٍ” من عمليات النهب المنظمة التي استهدفت القطع الصغيرة والثمينة مثل الذهب والمجوهرات والقطع الأثرية خفيفة الوزن.
وأشار التقرير إلى أن وزن التمثال الكبير أنقذه من المصير الذي واجهته آلاف القطع الأخرى التي تم نقلها أثناء سيطرة قوات قوات الدعم السريع على المتحف خلال المعارك.
اختفاء أكثر من 60% من مقتنيات المتحف القومي
كشفت غالية جار النبي، مديرة الهيئة العامة للآثار والمتاحف في السودان، في تصريحات لـNBC News أن أكثر من 60% من مقتنيات المتحف القومي اختفت بالفعل.
وتشمل القطع المسروقة مجوهرات تاريخية نادرة تعود إلى الأسر الملكية في مملكتي نبتة و مروي .
وأكدت أن الخسارة لا تقتصر على القيمة المالية لهذه القطع، بل تمثل ضربة قاسية لذاكرة السودان الوطنية وتراثه الحضاري الممتد لآلاف السنين.
حرب السودان منذ 2023: خسائر بشرية وثقافية هائلة
اندلع الصراع المسلح في السودان في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، ما أدى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
ووفق التقرير، أسفر النزاع عن ، مقتل ما لا يقل عن 40 ألف شخص ، ونزوح نحو 13.6 مليون شخص .
لكن الخسائر لم تكن بشرية فقط، إذ أكد وزير الثقافة والإعلام السوداني أن الأضرار التي لحقت بقطاع الآثار والسياحة تجاوزت 110 ملايين دولار حتى الآن، مشيرا إلى أن هذا الرقم لا يمثل سوى تقدير أولي، في ظل استمرار عمليات النهب والتدمير للمواقع الثقافية.
استهداف أكثر من 20 متحفاً في أنحاء السودان
كشف التقرير أن الحرب أدت إلى استهداف ما لا يقل عن 20 متحفاً في مختلف أنحاء السودان.
ومن بين المواقع التي تعرضت للضرر ، القصر الجمهوري السوداني ، ومتحف السلطان علي دينار ، كما تعرضت عدة متاحف في إقليم دارفور للتدمير الكامل خلال الأشهر الأولى من الحرب.
وأشار تقرير للأمم المتحدة نقلته NBC News إلى أن تدمير هذه المتاحف، التي توثق تاريخ المجتمعات غير العربية في دارفور، يحمل “سمات الإبادة الثقافية”.
بيع آثار السودان المسروقة على الإنترنت
من أكثر التفاصيل إثارة للقلق التي كشفها التقرير ظهور قطع أثرية سودانية مسروقة على منصات التجارة الإلكترونية العالمية مثل eBay.
وأكدت تقارير أن شاحنات محملة بالقطع الأثرية المسروقة شوهدت وهي تغادر المتحف القومي في الأشهر الأولى من الحرب، ما يشير إلى عمليات نهب منظمة.
كما أعلنت اليونسكو أن تهريب الممتلكات الثقافية السودانية بلغ مستويات غير مسبوقة.
وتمكنت لجنة استرداد الآثار حتى الآن من استعادة نحو 570 قطعة أثرية، إلا أن آلاف القطع لا تزال مفقودة.
سرقة 8000 قطعة من المخازن المحصنة
وكشف مسؤول بوزارة الثقافة السودانية، جراهام عبد القادر، أن ما يقرب من 8000 قطعة أثرية سُرقت من المخازن الخرسانية المحصنة داخل المتحف القومي.
وأشار إلى أن طريقة السرقة تدل على أن اللصوص كانوا على دراية دقيقة بمواقع القطع الأكثر قيمة داخل المتحف.
مواقع التراث العالمي في خطر بسبب التعدين العشوائي
لم يقتصر التهديد على المتاحف، بل امتد إلى مواقع التراث العالمي في السودان مثل نقعة ، والمصورات الصفراء
وذكر التقرير أن انهيار سلطة الدولة سمح لعمال التعدين التقليدي عن الذهب باقتحام هذه المواقع الأثرية.
وفي جزيرة جزيرة صاي، أفادت تقارير باستخدام الجرافات لتدمير مقابر أثرية قديمة أثناء البحث عن الذهب.
“ذاكرة السودان الوطنية” في خطر
وقالت غالية جار النبي إن القطع الأثرية المنهوبة ليست مجرد أشياء جامدة، بل تمثل الذاكرة الوطنية للسودان التي تحفظ تاريخ مجتمع متعدد الثقافات والأعراق.
كما حذر وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم من أن استهداف المواقع الأثرية قد يكون جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى طمس هوية البلاد الثقافية.
تحذيرات دولية: تاريخ السودان قد يختفي إلى الأبد
في ختام تقريرها، شددت NBC News على أن المجتمع الدولي يركز حالياً على الأزمة الإنسانية في السودان، لكن هناك كارثة أخرى أقل وضوحاً تتفاقم بصمت، وهي اندثار التاريخ الثقافي للسودان.
وأكد التقرير أن إنقاذ التراث السوداني يتطلب تعاوناً دولياً واسعاً لمراقبة أسواق الفن العالمية ومنع الاتجار غير المشروع بالآثار، إضافة إلى حماية المواقع التاريخية ، وإلا، فإن “نور تاريخ السودان” قد ينطفئ نهائياً، تاركاً الأجيال القادمة بلا رابط مادي مع الحضارات التي ازدهرت يوماً على ضفاف النيل ونافست في عظمتها إمبراطوريات العالم القديم مثل روما.
اقرأ المزيد
بمشاركة وزير الخارجية السوداني.. مصر تقود جلسة مشاورات « السلم والأمن الأفريقي »حول السودان



