الذهب سيد المعادن.. الدكتور إبراهيم هاشم زيدان: تقنين أوضاع «الدهابة» قد يضع مصر بين كبار منتجي الذهب عالميًا
«الدهابة» يمتلكون خبرات ومعدات بمليارات الجنيهات... ودمجهم قانونيًا يحقق مكاسب للجميع

>> الذهب ليس مجرد معدن نفيس.. بل أحد أهم محركات الاقتصاد والقوة الاستراتيجية للدول
>> الدولة وحدها لا تستطيع تحمل مخاطر الاستثمار التعديني.. والقطاع الخاص شريك أساسي للنجاح
>> إنتاج التعدين الأهلي غير المقنن قد يصل إلى نحو 100 طن من الذهب سنويًا أي ما يعادل عدة أضعاف إنتاج بعض المناجم الكبرى
>> مساهمة قطاع التعدين المصري يمكن أن تصل لـ 20% من الناتج القومي مقارنة بنحو 1% فقط حاليًا.
حوار – يوسف العومي
يؤكد الدكتور إبراهيم هاشم زيدان، أستاذ الجيوكيمياء بهيئة المواد النووية واستشاري الجيولوجيا والتعدين، وعلوم الصخور، والتعدين، وقدم العديد من المحاضرات العلمية المتخصصة للمهتمين بعلوم الثروة المعدنية، مثل محاضرات حول “التعدين السطحي والتحت سطحي: المشاكل والحلول” وتطبيقاتها على خامات الفوسفات والمعادن بمصر، أن مصر تمتلك ثروة ذهبية واعدة وخبرات بشرية متراكمة تؤهلها لتحقيق طفرة كبيرة في قطاع التعدين، إذا ما تم تطوير المنظومة التشريعية والاستثمارية بما يتوافق مع المعايير الدولية.
وفي هذا الحوار، يتحدث زيدان عن أهمية الذهب في الاقتصاد العالمي، وتاريخ التعدين في مصر، والتحديات التي تواجه الاستثمار في القطاع، كما يطرح رؤيته لتقنين التعدين الأهلي ودمج «الدهابة» في الاقتصاد الرسمي بما يحقق عوائد للدولة ويوفر فرص عمل لآلاف الشباب.
■ الذهب سيد المعادن وأميرها… لماذا يحظى بهذه المكانة الاستثنائية؟
الذهب ليس مجرد معدن نفيس، بل هو أحد أهم المعادن التي لعبت دورًا محوريًا في تاريخ الحضارات والاقتصادات العالمية. فالتعدين بصورة عامة يمثل قاطرة التنمية في مختلف دول العالم، لأن الثروات التعدينية ترتبط بالقوة الاقتصادية والاستراتيجية للدول، ومن أجلها قامت صراعات وحروب عبر التاريخ.
وعندما نتحدث عن الذهب تحديدًا فإننا نتحدث عن معدن استثنائي يجمع بين القيمة الاقتصادية والمكانة التاريخية والجاذبية الإنسانية، ولذلك يُطلق عليه «سيد المعادن» و«أمير المعادن». فالذهب ظل عبر آلاف السنين مخزنًا للقيمة وأداة للثروة والاستقرار المالي، ولا يزال حتى اليوم أحد أهم الملاذات الآمنة في أوقات الأزمات الاقتصادية.
كما أن التعدين بوجه عام يمثل العمود الفقري لعدد كبير من الصناعات الاستراتيجية، مثل الحديد والألومنيوم والأسمدة والصناعات الكيميائية والأسمنت والسيراميك ومواد البناء ومعادن الطاقة، ولذلك فإن أي دولة تسعى إلى بناء اقتصاد قوي لا يمكن أن تهمل قطاع التعدين.
■ وكيف تنظرون إلى تاريخ مصر في مجال تعدين الذهب؟
مصر تمتلك واحدة من أعرق المدارس التعدينية في العالم، فالقدماء المصريون كانوا من أوائل الشعوب التي اكتشفت الذهب واستخرجته من باطن الأرض، ونجحوا في تطوير تقنيات التعدين والاستخلاص منذ آلاف السنين، وقد ترك لنا أجدادنا أكثر من 120 موقعًا للذهب والفضة في الصحراء الشرقية، كما حفروا العديد من المناجم التي ما زالت معروفة حتى اليوم، ومن بينها منجم السكري الذي يعد أحد أكبر مناجم الذهب في العالم.
ولم تتوقف عبقرية المصريين القدماء عند استخراج الذهب فقط، بل امتدت إلى تشكيله وصناعته في صورة روائع خالدة، أشهرها قناع الملك توت عنخ آمون الذي أصبح رمزًا عالميًا للحضارة المصرية.
كما تركوا للبشرية أقدم خريطة تعدينية معروفة في التاريخ، وهي خريطة منجم الفواخير، التي تمثل دليلًا واضحًا على التقدم العلمي الذي وصلت إليه مصر في مجال التعدين منذ آلاف السنين.
■ أين يقف قطاع التعدين المصري حاليًا؟
رغم الإمكانات الكبيرة التي تمتلكها مصر، فإن مساهمة قطاع التعدين في الناتج القومي لا تزال محدودة مقارنة بما هو مأمول. ونحن نمتلك ثروات معدنية متنوعة وواعدة، لكن الاستفادة منها تحتاج إلى تطوير شامل للمنظومة التعدينية، وإذا نجحنا في تطبيق الإصلاحات المطلوبة، فأعتقد أن مساهمة قطاع التعدين في الاقتصاد المصري يمكن أن ترتفع إلى أكثر من 20% من الناتج القومي، مقارنة بنحو 1% فقط حاليًا.
لدينا مقومات النجاح، لكننا بحاجة إلى تحديث التشريعات، وتسهيل إجراءات الاستثمار، والالتزام بالمعايير الدولية المعتمدة في الدراسات الجيولوجية والتعدينية.
■ ما أبرز التحديات التي تواجه الاستثمار في تعدين الذهب؟
أهم تحدٍ يتمثل في أن التعدين قطاع عالي المخاطر ويحتاج إلى استثمارات ضخمة جدًا، والدولة بمفردها لا تستطيع تحمل أعباء الاستثمار في جميع المشروعات التعدينية.
فالاستثمار في التعدين يبدأ بمرحلة البحث والاستكشاف، وهي المرحلة الأكثر تكلفة ومخاطرة، وقد تستغرق من عامين إلى أربعة أعوام قبل الوصول إلى نتائج مؤكدة. وخلال هذه الفترة يتم إنفاق ملايين الدولارات دون ضمانات كاملة لوجود احتياطيات اقتصادية قابلة للاستغلال.
لذلك فإن نجاح أي مشروع تعدين يرتبط بالاعتماد على الأكواد الدولية المعتمدة في الدراسات الجيولوجية والتعدينية، سواء الكندي أو الأسترالي أو الأمريكي أو الأوروبي أو الجنوب أفريقي.
وقد شاهدنا في الماضي مشروعات تكبدت خسائر كبيرة بسبب عدم الالتزام الكامل بهذه المنهجية العلمية، بينما نجد نماذج ناجحة مثل مشروع الرمال السوداء الذي استند إلى دراسات علمية دقيقة وتحول إلى مشروع قومي مهم.
■ ما المطلوب لتحقيق طفرة حقيقية في قطاع التعدين؟
نحتاج إلى إصلاح شامل لمنظومة التعدين المصرية حتى تصبح أكثر قدرة على جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.
أولًا: إصدار قانون تعدين مستقر يتوافق مع المعايير الدولية ولا يتعرض للتعديل المستمر، لأن الاستقرار التشريعي من أهم عوامل جذب المستثمرين.
ثانيًا: أن تكون شروط المزايدات واضحة وشفافة وخالية من البنود التي قد تثير مخاوف المستثمرين أو تضعهم أمام حالة من عدم اليقين.
ثالثًا: منح المستثمر الوطني الجاد فرصة حقيقية للمنافسة، لأن بعض الشروط الحالية تتطلب خبرات وإمكانات لا تتوافر إلا لدى شركات التعدين العالمية العملاقة، وهو ما يقلص فرص الشركات المصرية.
■ أين تقع مصر على خريطة إنتاج الذهب عالميًا؟
وفقًا للتقارير الدولية، تنتج مصر نحو 16 طنًا من الذهب سنويًا، وهو رقم يضعها في مرتبة متأخرة نسبيًا مقارنة بالدول الكبرى المنتجة للذهب، لكن من وجهة نظري فإن الإنتاج الفعلي في مصر أكبر من ذلك بكثير، لأن هناك إنتاجًا لا يدخل ضمن الإحصاءات الرسمية، بالإضافة إلى نشاط التعدين الأهلي غير المقنن الذي لا يتم تسجيل إنتاجه بصورة رسمية، لذلك فإن الصورة الحقيقية لإنتاج الذهب في مصر قد تختلف عن الأرقام المنشورة دوليًا.
■ دعنا ننتقل إلى ملف «الدهابة». كيف بدأت هذه الظاهرة؟
مصطلح «الدهابة» يُطلق على المواطنين الذين يعملون في البحث عن الذهب واستخلاصه من الصخور الحاملة له خارج الأطر الرسمية، بدأ هذا النشاط بعد أحداث يناير 2011، عندما تراجعت حركة السياحة وارتفعت معدلات البطالة في بعض مناطق جنوب مصر، فخرج عدد محدود من المواطنين إلى الصحراء الشرقية بمساعدة بعض ذوي الخبرة، للبحث عن الذهب في عروق الكوارتز باستخدام وسائل بسيطة وأجهزة كشف محدودة الإمكانات، ومع مرور الوقت وتحقيق بعض النجاحات، انتشر النشاط بصورة واسعة بين أبناء المناطق الصحراوية والحدودية، وبدأ العاملون فيه يطورون أدواتهم وأساليب عملهم.
■ وكيف تطور نشاط «الدهابة» خلال السنوات الأخيرة؟
في البداية كان العمل يتم بصورة يدوية وبإمكانات محدودة، لكن مع مرور الوقت دخلت أجهزة كشف حديثة ومعدات متطورة ولوادر وحفارات وسيارات نقل ثقيل، كما تطورت أساليب استخلاص الذهب بصورة كبيرة، وهذا التطور أدى إلى تراكم خبرات عملية واسعة لدى العاملين في هذا المجال، حتى أصبحوا يمتلكون معرفة ميدانية كبيرة بطبيعة الصخور والجبال ومناطق التمعدن، وأنا أرى أن هذه الخبرات الوطنية تمثل ثروة حقيقية يجب الاستفادة منها بدلًا من إهدارها.
■ تطرحون دائمًا فكرة تقنين التعدين الأهلي.. لماذا؟
لأنني أؤمن بضرورة فرض هيبة الدولة وسيادتها الكاملة على جميع الأنشطة التعدينية، لكنني في الوقت نفسه أرى أن التعدين الأهلي يمكن أن يتحول إلى قوة اقتصادية كبيرة إذا تم تنظيمه وتقنينه وإدارته تحت إشراف الدولة، وهناك تقديرات تشير إلى أن إنتاج التعدين الأهلي غير المقنن قد يصل إلى نحو 100 طن من الذهب سنويًا، أي ما يعادل عدة أضعاف إنتاج بعض المناجم الكبرى.
وبطبيعة الحال فإن هذه الكميات لا تدخل بالكامل في الدورة الاقتصادية الرسمية، ولا تستفيد منها الدولة بالشكل الأمثل، لذلك فإن تقنين النشاط سيحقق مصلحة الجميع؛ الدولة والمواطنين والاقتصاد الوطني.
■ وهل توجد تجارب دولية ناجحة في هذا المجال؟
بالتأكيد. التعدين الأهلي المقنن مطبق في عدد من الدول حول العالم، ومنها جنوب أفريقيا والولايات المتحدة وكندا والسودان وغيرها، وتثبت هذه التجارب أن دمج العاملين في التعدين الأهلي داخل إطار قانوني ورقابي واضح يحقق فوائد اقتصادية كبيرة، وفي الوقت نفسه يضمن الالتزام بالاشتراطات البيئية والأمنية ويحافظ على حقوق الدولة.
■ ما تصوركم لمشروع التعدين الأهلي المقنن؟
أنا طرحت هذه الفكرة منذ عام 2018، وأرى أن يتم إنشاء مشروع قومي للتعدين الأهلي المقنن بطريق إدفو–مرسى علم، على مساحة خمسة آلاف فدان كمرحلة أولى، مع إمكانية التوسع مستقبلًا.
ويضم المشروع مناطق تعدين محددة، ومركزًا علميًا للخدمات الجيولوجية والتعدينية يتولى تقديم الدعم الفني والإشراف على جميع المراحل، بدءًا من الاستكشاف وحتى الاستخلاص والصهر وإعادة تدوير المخلفات، كما يتولى المركز استلام الذهب المنتج وتسليمه إلى البنك المركزي، بما يضمن دخول الإنتاج بالكامل إلى الاقتصاد الرسمي للدولة.
■ وكيف يتم توزيع العوائد داخل هذا المشروع؟
الرؤية المقترحة تقوم على تحقيق التوازن بين حقوق العاملين وحقوق الدولة واستدامة المشروع، ووفقًا للمقترح، يحصل العاملون على النسبة الأكبر من العائد، بينما يخصص جزء للمركز العلمي مقابل الدراسات والإشراف الفني، وجزء آخر لخزانة الدولة، والهدف الأساسي هو بناء نموذج اقتصادي مستدام يحقق العدالة ويشجع المواطنين على العمل داخل إطار قانوني منظم.
■ ما أبرز المكاسب التي يمكن أن تحققها هذه الفكرة؟
الفوائد كثيرة للغاية.
أولًا: الاستفادة من خبرات آلاف المواطنين العاملين في هذا النشاط.
ثانيًا: الاستفادة من المعدات والأجهزة التي يمتلكونها والتي تقدر قيمتها بمليارات الجنيهات.
ثالثًا: زيادة إنتاج الذهب وتعظيم القيمة المضافة من خلال استخلاص المعادن المصاحبة مثل الفضة والنحاس والزنك وبعض العناصر النادرة.
رابعًا: إعادة تدوير المخلفات وتقليل التأثيرات البيئية السلبية.
خامسًا: توفير آلاف فرص العمل لأبناء محافظات أسوان والأقصر وقنا وسوهاج والبحر الأحمر.
سادسًا: تعزيز السيطرة الأمنية داخل مناطق التعدين والقضاء على الممارسات العشوائية.
■ أين تتركز أهم مناطق الذهب في مصر؟
الذهب ينتشر في عدد كبير من البيئات الجيولوجية المصرية، خاصة في الصحراء الشرقية، كما يوجد في أجزاء من الصحراء الغربية وسيناء، ويتواجد داخل الصخور النارية والمتحولة وعروق الكوارتز، كما يوجد أحيانًا في الرواسب المنقولة داخل الوديان نتيجة عوامل التعرية والسيول، ولذلك فإن فهم الطبيعة الجيولوجية للمناطق المختلفة يعد العامل الحاسم في نجاح عمليات البحث والاستكشاف.
■ وما المؤشرات الجيولوجية التي تدل على وجود الذهب؟
هناك مؤشرات عديدة يعتمد عليها الجيولوجيون، من أهمها وجود المناجم الفرعونية القديمة، وعروق الكوارتز، وبعض الصخور الجرانيتية والجابرو، كذلك تعد معادن الكبريتيدات مثل البيريت والكالكوبيريت والجالينا من المؤشرات المهمة، إضافة إلى مناطق التلامس بين أنواع الصخور المختلفة، كما أثبتت بعض الدراسات وجود حبيبات دقيقة من الذهب في بعض الرواسب الرسوبية والفوسفات ورواسب الحديد، لكن استخلاصها يحتاج إلى تقنيات متخصصة ومتقدمة.
■ أخيرًا… ما رسالتكم لصناع القرار؟
رسالتي أن مصر تمتلك كل المقومات اللازمة لتحقيق نهضة تعدينية حقيقية؛ ثروات طبيعية واعدة، وموقعًا جغرافيًا متميزًا، وخبرات بشرية ممتدة عبر آلاف السنين، لكن تحقيق هذه النهضة يتطلب رؤية استراتيجية متكاملة تقوم على تشريعات مستقرة، ودراسات علمية دقيقة، وجذب الاستثمارات، والاستفادة من الخبرات الوطنية، وعلى رأسها خبرات العاملين في التعدين الأهلي ضمن إطار قانوني منظم، إذا نجحنا في ذلك، فأنا على يقين بأن قطاع التعدين سيكون أحد أهم محركات الاقتصاد المصري خلال السنوات المقبلة، وسيسهم بقوة في زيادة الدخل القومي وتعزيز مكانة مصر على خريطة إنتاج الذهب عالميًا.






