الرأي

الصحفي السوداني خالد الفكي سليمان يكتب : “وادي النيل” … شراكة المصير

في لحظة إقليمية مضطربة، تتجاوز العلاقة بين السودان ومصر حدود الجغرافيا إلى فضاء المصير المشترك، حيث يلتقي الأمن القومي بالعمق الحضاري، وتتشابك مصالح شعبي وادي النيل في مواجهة عواصف التفكيك وحروب الوكالة.

يقيني لقد كشفت حرب المليشيات التي يقودها آل دقلو، وما صاحبها من سعي ممنهج لتفكيك أجهزة الدولة السودانية الرسمية، عن هشاشة التوازنات الإقليمية، وعن خطورة ترك فراغ أمني في قلب وادي النيل ، فاستهداف مؤسسات الدولة، وعلى رأسها القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، لا يهدد السودان وحده، بل يفتح بوابات اختراق واسعة تمتد آثارها إلى مصر، بوصف الخرطوم عمقها الاستراتيجي الأول.

من هذا المنطلق، تبرز الحاجة الملحة إلى تعضيد الاتفاقيات الدفاعية والعسكرية والأمنية الاستخباراتية بين البلدين، وتكثيف تبادل المعلومات والبيانات الحيوية، بما يحمي مصالح الشعبين ويغلق مسارات التهريب والإمداد، وتزداد خطورة المشهد مع تحركات المليشيات في منطقة المثلث الحدودي بين السودان ومصر وليبيا، وما يحمله ذلك من مخاطر فتح طريق إمداد لوجستي من شرق ليبيا إلى دارفور، بما يعيد إنتاج الفوضى المسلحة ويطيل أمد الصراع.

غير أن الأمن وحده لا يكفي، في تقديري، فالمعركة الحقيقية هي معركة الدولة الوطنية في مواجهة مشروع تفكيكها واستنزاف خيراتها عبر المرتزقة وحروب الوكالات ، هنا تبرز أهمية إطلاق شراكة اقتصادية سودانية–مصرية ضخمة، قائمة على حماية الموارد الطبيعية الهائلة لشعبي شمال وجنوب الوادي، وبناء سلاسل إنتاج مشتركة في الزراعة والطاقة والتعدين والبنية التحتية، بما يحصّن الاقتصادين من الإغراءات العابرة للمشروعات الاستثمارية التي قد تُستغل كواجهات للاختراق.

لقد أكدت القاهرة مرارًا أن استقرار وسيادة السودان جزء لا يتجزأ من أمن الدولة المصرية، غير أن الواقعة في رأيي يفرض تسريع الانتقال من التأكيدات السياسية إلى “حزمة خطوط حمراء” واضحة في التعاطي مع الحرب السودانية. فالمشهد لم يعد يحتمل التردد أو الموازنات الإقليمية والدولية؛ إنما يتطلب تنسيقًا مباشرًا ومعلنًا بين رئيسي البلدين ومختلف الأجهزة الرسمية، لردع أي محاولات تستهدف تفكيك دولة وادي النيل الكبرى.

إن ما يجري ليس نزاعًا محليًا معزولًا، بل حلقة في صراع إقليمي ودولي على الموارد والممرات والنفوذ. والرد الأمثل عليه هو شراكة استراتيجية شاملة، أمنًا واقتصادًا واستخباراتًا، تعيد تعريف العلاقة بين الخرطوم والقاهرة بوصفها تحالف مصير، لا مجرد تقارب مصالح، ففي وحدة الرؤية، وصلابة التنسيق، تكمن فرصة إنقاذ الدولة، وحماية الوادي من مؤامرات تأتيه من كل الاتجاهات.

 

اقرأ المزيد 

مصر تجدد دعمها لرؤية ترامب للسلام في السودان.. والقاهرة تحدد «خطوطًا حمراء » لا يمكن السماح بتجاوزها

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »