أخبار عاجلةاخبار افريقياالقرن الافريقى

آبي أحمد من جائزة نوبل للسلام إلى إشعال بؤر الصراع.. تحولات سياسية رئيس الوزراء الإثيوبي وانعكاساتها على القرن الإفريقي

آبي أحمد وصعوده إلى السلطة.. بداية مشهد سياسي جديد في إثيوبيا

 

عقب تولي رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد السلطة في إثيوبيا عام 2018، برئاسته للجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية الإثيوبية، الائتلاف الحاكم آنذاك، خلفًا لرئيس الوزراء السابق هايلي ماريام ديسالين، دخلت البلاد مرحلة سياسية جديدة، خاصة مع كونه أول رئيس وزراء ينتمي إلى قومية الأورومو، إحدى أكبر القوميات في البلاد.

ومنذ لحظة توليه الحكم في أديس أبابا، حرص آبي أحمد على الظهور بصورة السياسي الشاب الإصلاحي، الساعي إلى إحداث قطيعة مع إرث الصراعات الداخلية والتوترات الإقليمية، وهو ما أكسبه شعبية واسعة داخل الأوساط الشبابية الإثيوبية، التي رأت فيه رمزًا للتغيير والانفتاح وبداية عهد جديد من السلام والاستقرار.

السلام مع إريتريا.. خطوة تاريخية فتحت أبواب الشهرة الدولية

لم تقتصر شعبية آبي أحمد على الداخل الإثيوبي فقط، بل تجاوزت الحدود، خاصة بعد إعلانه الاستعداد لإنهاء الصراع المزمن بين إثيوبيا وإريتريا. فقد أعلنت الحكومة الإثيوبية موافقتها على تسليم منطقة “بادمي” الحدودية المتنازع عليها إلى إريتريا، امتثالًا لاتفاق الجزائر الموقع عام 2000، وهو ما أنهى عمليًا حالة «لا حرب ولا سلام» التي سادت بين البلدين لسنوات طويلة رغم توقف العمليات العسكرية.

وفي 8 يوليو 2018، سجل آبي أحمد سابقة تاريخية كأول رئيس وزراء إثيوبي يلتقي نظيره الإريتري أسياس أفورقي منذ أكثر من عقدين، حيث وقع الجانبان «إعلان السلام والصداقة»، في خطوة وُصفت حينها بأنها أعادت رسم خريطة العلاقات في منطقة القرن الإفريقي.

تُوّج هذا التحول بحصول آبي أحمد على جائزة نوبل للسلام عام 2019، تقديرًا لجهوده في إنهاء الحرب الإثيوبية الإريترية وفتح صفحة جديدة من التعاون الإقليمي، ما عزز صورته عالميًا كقائد شاب يحمل مشروع سلام طموح في منطقة تعج بالصراعات.

 

انقلاب المسار.. الحرب الأهلية في تيجراي

غير أن هذا المسار السلمي لرئيس الوزراء الإثيوبي لم يستمر طويلًا. فبعد أقل من عام على حصوله على جائزة نوبل، دخلت إثيوبيا في واحدة من أعنف الحروب الأهلية في تاريخها الحديث.

اندلع الصراع في إقليم تيجراي عام 2020 نتيجة تصاعد الخلافات بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير تيجراي، التي رفضت سياسات آبي أحمد الهادفة إلى تركيز السلطة في يد الحكومة المركزية، كما عارضت قرار تأجيل الانتخابات العامة بذريعة جائحة كورونا، وهو القرار الذي شمل جميع الاستحقاقات الانتخابية في البلاد.

وتحوّل الخلاف السياسي بين حزب الإزدهار وجبهة تحرير تيجراي إلى حرب مفتوحة بين قوات الجيش الإثيوبي الفيدرالية وقوات الجبهة ، استمرت لأكثر من عامين، وأسفرت عن مقتل وإصابة عشرات الآلاف من الأشخاص، فضلًا عن نزوح نحو 1.7 مليون مواطن، وسط دمار واسع للبنية التحتية وانتهاكات إنسانية جسيمة.

تداعيات الحرب.. أزمة إنسانية لم تنتهِ

ورغم الإعلان الرسمي عن انتهاء القتال بتوقيع اتفاق بريتوريا، لا يزال إقليم تيجراي يعاني من آثار الحرب، حيث يواجه السكان مجاعة حادة، وانهيارًا شبه كامل في الخدمات الصحية، وغيابًا للمؤسسات التعليمية، ما يعكس استمرار الأزمة الإنسانية وعدم تحقيق سلام مستدام على الأرض.

مذكرة “أرض الصومال”.. صدام إقليمي جديد

في يناير 2024، انتقلت سياسة آبي أحمد من الصراعات الداخلية إلى التوترات الإقليمية، عقب توقيع إثيوبيا مذكرة تفاهم مثيرة للجدل مع “أرض الصومال” (صوماليلاند)، تنص على استئجار شريط ساحلي بطول 20 كيلومترًا على خليج عدن، بغرض إنشاء قاعدة بحرية إثيوبية، مقابل اعتراف محتمل باستقلال الإقليم.

وأثارت هذه الخطوة غضب الحكومة الصومالية في مقديشو، التي اعتبرتها انتهاكًا صريحًا لسيادتها ووحدة أراضيها، ما أدى إلى تصاعد التوتر في منطقة القرن الإفريقي، خاصة في ظل سعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري بعد فقدانها لموانئ إريتريا، مقابل سعي هرجيسا إلى نيل اعتراف دولي.

ميناء عصب الإريتري.. عودة لغة التهديد

ومع تصاعد الغضب الصومالي والإقليمي الرافض لمذكرة التفاهم، أعاد آبي أحمد توجيه أنظاره نحو ميناء عصب الإريتري، مطلقًا تصريحات مثيرة للجدل حول أحقية إثيوبيا في الميناء الواقع جنوب إريتريا وعلى مسافة نحو 60 كيلومترًا من الحدود، ملمحًا إلى إمكانية الحصول عليه بالقوة.

وقال آبي أحمد إن “الخطأ” الذي ارتكبته إثيوبيا بالتخلي عن منفذها إلى البحر الأحمر عقب انفصال إريتريا “سيتم تصحيحه”، ما أعاد إلى الواجهة احتمالات صدام عسكري جديد بين البلدين.

الموقف الإريتري.. تحذيرات من أطماع توسعية

 

في المقابل، اقتصرت ردود الفعل الإريترية على بيانات مقتضبة نشرها وزير الإعلام يمان جبريمسكال عبر منصة “إكس”، رفض فيها إصرار إثيوبيا على الوصول إلى البحر الأحمر، واصفًا ذلك بأنه مسعى “خطير” تحركه أطماع توسعية.

وحذر الوزير الإريتري من أن أي محاولة لإضفاء الشرعية على ما وصفه بـ”العدوان السافر” ستكون لها تبعات خطيرة على إثيوبيا وجيرانها، مؤكدًا أن هذا الملف يمثل “خطًا أحمر لا ينبغي تجاوزه”.

الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي.. دعوات لخفض التصعيد

أمام التلويح بإشعال منطقة القرن الإفريقي، تدخلت الأمم المتحدة، حيث جدد الأمين العام دعم المنظمة لاتفاق الجزائر، مشيرًا إلى أن قادة البلدين جددوا قبل سبع سنوات التزامهم بالسلام من خلال الإعلان المشترك، معتبرًا ذلك دليلًا على قوة الحوار والتعاون.

ودعا الأمين العام إثيوبيا وإريتريا إلى احترام السيادة والسلامة الإقليمية، وتعزيز علاقات حسن الجوار، والعمل مع الشركاء الإقليميين والدوليين لتحقيق التنمية والاستقرار.

كما دعا الاتحاد الإفريقي، بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لاتفاقية الجزائر، الطرفين إلى تجديد التزامهما بروح الاتفاق، وتبني الحوار كخيار استراتيجي لتحقيق سلام دائم في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر.

انتقادات دولية ومطالبات بسحب جائزة نوبل

التحولات الجذرية في سياسات آبي أحمد، من رجل سلام إلى طرف في صراعات داخلية وإقليمية، فتحت بابًا واسعًا للانتقادات الدولية، وظهرت أصوات تطالب بسحب جائزة نوبل للسلام منه.

وفي هذا السياق، وصفت مجلة فورين بوليسي الأمريكية آبي أحمد بأنه شخصية متناقضة، تجمع بين “إمبراطور طموح يتوق إلى الماضي المجيد” و”مُحدِث يتطلع إلى المستقبل”، معتبرة أنه يوظف تقنيات القرن الحادي والعشرين للدعاية والتضليل، بالتوازي مع إحياء تقاليد الحكم الإمبراطوري.

قراءة تحليلية: دوافع التحول في سياسات آبي أحمد

يرى الدكتور محمد تورشين، الخبير في الشؤون الإفريقية، في تصريح لـ«أفرو نيوز 24»، أن آبي أحمد جاء إلى السلطة محمّلًا برسائل سلام، وسعى في البداية إلى احتواء الصراعات الداخلية وتحسين العلاقات مع إريتريا، إضافة إلى محاولة التوصل لتفاهمات مع بعض الفصائل المتمردة والقوى السياسية المعارضة.

وأوضح تورشين أن آبي أحمد أدرك لاحقًا أن هذه التحولات لن تمنح إثيوبيا نفوذًا إقليميًا حقيقيًا دون امتلاك منفذ بحري، خاصة وأنها دولة حبيسة ذات كثافة سكانية عالية، وتعتمد بشكل كبير على الاستيراد والتصدير، وتمتلك في المقابل موارد خامًا تسعى لتسويقها خارجيًا.

تحديات داخلية وخارجية تهدد استقرار إثيوبيا

وأشار الخبير الإفريقي إلى أن حرب تيجراي شكلت نقطة تحول خطيرة في توجهات حكومة آبي أحمد، كما أن التوتر مع الصومال وإريتريا، والغموض الذي يكتنف العلاقة مع السودان، يعكس حالة اضطراب في السياسة الخارجية الإثيوبية.

وأكد تورشين أن فشل مساعي السلام الداخلي، سواء مع جبهة تحرير تيجراي أو ميليشيا فانو الأمهرية، إضافة إلى المعارضة الواسعة من جبهة تحرير أورومو، يجعل إثيوبيا في وضع هش وقابل للانفجار، خاصة إذا ما استُغلت هذه الأزمات من أطراف خارجية مناوئة للنظام في أديس أبابا.

ختاما : تجسد التحولات في سياسات رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد انتقالًا حادًا من خطاب السلام إلى منطق الصراع، سواء داخل إثيوبيا أو في محيطها الإقليمي، ما يضع البلاد ومنطقة القرن الإفريقي أمام مرحلة شديدة الحساسية، تهدد الأمن والاستقرار الإقليميين، وتفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيدًا في المستقبل القريب.

اقرأ المزيد 

السفير عبد المحمود عبد الحليم يكتب : أشجان كابول… وسجادة كرزاى

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »