الدكتور حمدي عبد الرحمن حسن يكتب : لومومبا في ذاكرة القاهرة .. ناصر ومعركة الكرامة الإفريقية

في لحظة فارقة وسط تزاحم أحداث كأس الأمم الأفريقية بالمغرب، جسد مشجعٌ كونغولي صورة باتريس لومومبا، الزعيم الذي أاغتالته يد الغدر الاستعمارية قبل أكثر من ستة عقود. لم تكن تلك اللحظة مجرد استعراض رياضي؛ بل كانت إعادة إحياء لذاكرة جماعية ظنت أفريقيا أنها نسيتها، أو أن العالم أراد لها النسيان. في هذا المشهد، تجسدت فكرة أن كرة القدم ليست مجرد رياضة, إنها ساحة سياسية حية، أو منصة يرفع عليها المهمشون أصواتهم، ملاذ يستعيد فيه الشعب ذاكرته عن الشهداء والأبطال الذين سقطوا من أجل كرامته.
لم يكن المشجع الكونغولي يجسد صورة تاريخية بقدر ما كان يعلن أنه لم ينسى من علمنا الحرية مهما كانت التضحيات. في أفريقيا، سُميت الشوارع الرئيسية والفرعية والساحات باسمه, وقد كانت مصر من أوائل الدول التي خلدت ذكراه حيث يوجد شارع باتريس لومومبا الشهير في مدينة الإسكندرية ، والمفارقة التاريخية أن هذا الشارع كان يسمى سابقاً “شارع بلجيكا”، وتم تغيير اسمه إلى لومومبا رداً على تورط بلجيكا في اغتياله. وفي وسط مدينة باماكو، عاصمة مالي، يوجد تمثال مهيب للومومبا, وبعد اغتياله في 17 يناير 1961، أطلق العديد من الآباء في أنحاء القارة اسمه على أبنائهم حديثي الولادة , ولعل أبرز من يحمل اسمه اليوم أستاذ القانون الكيني المرموق باتريك لومومبا, كما، كُتبت العديد من الكتب والدراسات تكريمًا لكفاح ونضال لومومبا . . ولا يزال خطاب لومومبا في عيد الاستقلال بمثابة كنز ثمين للمناضلين الأفارقة من أجل الحرية، حتى بين المهمشين والمعدمين في الأرض.
تذكرنا مسيرة باتريس لومومبا النضالية وبذل دمائه الزكية في سبيل الحرية بسيرة أقرانه أمثال توماس سانكارا في بوركينا فاسو وستيف بيكو في جنوب أفريقيا وغيرهم, لقد كان زعيماً راديكالياً في حركة استقلال الكونغو، عارض الاستعمار البلجيكي ومصالح الشركات الأجنبية , أصبح أول رئيس وزراء للكونغو المستقلة حديثاً عام 1960، لكنه اغتيل بعد سبعة أشهر في انقلاب مدعوم من الولايات المتحدة وبلجيكا.
انطلقت مسيرة لومومبا السياسية من تجاربه مع العنصرية البلجيكية، ومن رؤيته لاستغلال ثروات الكونغو المعدنية لصالح شعبها , دافع عن حركة الوحدة الأفريقية، وبرز كشخصية بارزة في مؤتمر عموم شعوب أفريقيا عام 1958 , حيث التقى الرئيس جمال عبدالناصر لأول مرة, إلا أن معارضته لانفصاليي كاتانغا، ودعوته للمساعدة العسكرية السوفيتية، أدت في نهاية المطاف إلى سقوطه.
وقد شكّل اغتيال لومومبا بداية تراجع التطلعات الديمقراطية في الكونغو، ممهداً الطريق لديكتاتورية موبوتو سيسي سيكو، وما تلاها من صراعات أودت بحياة الملايين, ولا يزال إرثه يُلهم الحركات الثورية في أفريقيا وخارجها. كما أن اسمه يظل دوما في المخيال المصري والأفريقي العام مرتبطا بإرث مصر الناصرية وهو ما نؤكد عليه في هذا المقال بحسبان أن مصر كانت ولا تزال رافعة الاستقرار والدعم للتنمية والوحدة الأفريقية.
عندما أنقذ ناصر أطفال لومومبا: قصة الإخاء والتضحية الأفريقية
ولعل حكاية إنقاذ عائلة باتريس لومومبا من براثن الموت، تثبت بما لا يدع مجالا للشك كيف أصبحت القاهرة تحت قيادة جمال عبد الناصر ملاذاً آمناً لأبناء الزعيم الأفريقي الشهيد. لم يكن الإنقاذ مجرد عملية إنسانية عابرة. كانت رسالة سياسية حية من مصر إلى أفريقيا: نحن لن نتخلى عن أطفالكم، حتى وإن قررت القوى الاستعمارية التخلص من قادتكم. في ظل قيادة ناصر برز دور الفريق سعد الدين الشاذلي، قائد الكتيبة العربية بالأمم المتحدة في الكونغو، والذي تحمل مسؤولية الجانب الأمني لعملية الإنقاذ ، ومن جانب آخر دور السفير عبدالعزيز إسحاق ، الذي فتح منزله لاحتضان أطفال الزعيم الراحل, وفوق ذلك كله، كانت العملية رسالة من جمال عبدالناصر نفسه، الذي لم يعتبر حدود مصر الجغرافية حاجزاً بينه بينه وبين مسؤوليته تجاه أفريقيا المقهورة, في البداية تم تهريب أبناء لومومبا إلى مبنى شركة النصر للاستيراد والتصدير في الكونغو حيث تم تسجيل الأطفال على جواز سفر مزور لعبد العزيز إسحاق نفسه، على أنه متزوج من أفريقية، ومن ثم فهؤلاء أبناؤه. أمر الشاذلي بوضع وحدتين من القوات الخاصة المصرية في المطار لتأمين عملية خروجهم بسلام.
في مصر، عاش باتريس الصغير وإخوته حياة عادية قدر الإمكان, كان ناصر يناديه “عتريس”—اسم يحمل عاطفة والد لم يفقد طفله، بل تبنى طفل فقد أباه, كان يسأل عنه وقت الغداء، يطلبه ليجلس بجانبه، يعامله كما يعامل أبناءه, لم يكن هناك فرق بين الأب والابن، بين المصري والأفريقي, كانت هناك عائلة واحدة فقط: عائلة الثورة، عائلة المقاومة، عائلة من اختاروا الحياة الكريمة على الخضوع للاستعمار, ظل أبناء لومومبا في مصر حتى عام 1996، عندما قام لوران ديزيريه كابيلا بخلع موبوتو سيسيكو من السلطة, في تلك اللحظة، استعادت أرض الكونغو نوعاً من الشرعية السياسية، وأمكن لأطفال لومومبا العودة إلى وطنهم و الذاكرة الحية، وإلى الحق التاريخي الذي يستحقونه.
تشومبي في القاهرة
لم يتوقف دعم ناصر لقضية الكونغو عند هذا الحد، بل ظل وفيا لكل المدافعين عن الحرية والتحرر الوطني في كافة بقاع إفريقيا , وهنا يجب أن نتذكر: مويز تشومبي العدو اللدود لباتريس لومومبا، الرجل الذي أعلن انفصال إقليم كاتانغا الغني بالمعادن عن الكونغو، والرجل الذي، بالتحالف مع موبوتو وبدعم من البلجيك والأمريكيين، ساهم في إنهاء حياة لومومبا.
بعد وفاة لومومبا في يناير 1961، أصبح تشومبي رئيسا للوزراء. أراد العالم أن يعترف به كممثل للشرعية في الكونغو , لكن مصر رفضت بقيادة ناصر الاعتراف بحكومة تشومبي, كانت هذه رسالة واضحة: لن نعترف بشرعية من قُتل بسببهم لومومبا. ومن الأحداث غير المسبوقة ما حدث في يوليو 1964، أثناء قمة عدم الانحياز في القاهرة , لم تتم دعوة تشومبي نظرا لوجود إجماع أفريقي بقيادة مصر على استبعاده , لكن تشومبي كان رجلا عنيدا أو ربما كان واثقاً أن معادن بلاده يمكن أن تحل كل المشاكل, استقل طائرته ووصل القاهرة بدون إذن وبدون دعوة, كانت هذه حركة حمقاء , لقد جاء إلى عرين ناصر، معتقداً أنه يحمل ما يكفي من الأموال ليشتري طريقه إلى الاعتراف الإفريقي والدولي.
عندما وصل تشومبي إلى القاهرة، لم يكن بإمكانه الدخول إلى قاعة القمة الرسمية , لكنه وجد نفسه أمام الوزير محمد فايق الذي كان ممسكا بملف الشؤون الأفريقية , رفض ناصر مقابلة تشومبي وأبقاه حبيس قصر العروبة , لكن المفاجأة هي حصار مبنى السفارتين المصرية والجزائرية في الكونغو.
عندما أبلغ فايق تشومبي بما حدث، أدرك الأخير أنه محاصر من كلا الجانبين. فايق قال له بوضوح: ناصر قرر أنك لن تغادر هذا القصر نهائياً إلا إذا خرج جميع موظفي السفارة المصرية وعائلاتهم بسلام نحو برازفيل ، التي كانت تحت سيطرة حلفاء لومومبا الموثوقين .ولما أعاد فايق الضغط أكثر، أضاف بأن السفارة الجزائرية محاصرة أيضاً , كان بن بيللا، الرئيس الجزائري، موجوداً بجانب ناصر، وعليه فقد أدرك تشومبي: أنه محاصر ليس من قبل مصر وحدها، بل من قبل أفريقيا الثورية كاملة. في هذه النقطة، أدرك تشومبي أنه لا يمتلك خيارات. اتصل تليفونياً بمساعديه في ليوبولدفيل. أصدر أوامره الفورية: فك الحصار عن السفارتين المصرية والجزائرية. وبعد التأكد من سلامة السفارتين، خرج تشومبي من قصر العروبة مغادراً القاهرة.
ناصر ومعضلة عدم الانحياز
لقد أجبر الاستقطاب الكارثي الناجم عن الصراع في الكونغو ناصر على الاختيار بين دعم ورثة لومومبا ومعارضة النخبة الفاسدة التي ارتمت تحت النفوذ الغربي, في بداية الصراع، كان ناصر يثق ثقةً مطلقةً بجهود الأمم المتحدة لتحييد الوضع ريثما يتم تشكيل حكومة مركزية , وقد دعم الأمين العام داغ همرشولد، وحث باتريس لومومبا على الثقة به، كما سُجّل له حثه لومومبا على عدم قبول المساعدات السوفيتية, في تلك الفترة، كان أنصار عدم الانحياز لا يزالون يأملون في إبقاء الحرب الباردة بعيدة عن أفريقيا، وكان ناصر، من بينهم، يعوّل على الأمم المتحدة لتحقيق ذلك. لقد أقنعته تجربته الشخصية مع الأمم المتحدة في أعقاب أزمة السويس عام 1956 بأهميتها كمحكمة استئناف وهيئة مصالحة. لكن هذه الثقة الأساسية اهتزت بشدة في الأشهر الأخيرة من أزمة الكونغو. وهنا اختارت القاهرة أن تصبح قبلة الثوار في كل أنحاء أفريقيا. وعليه فإن قصة ناصر ولومومبا تعد مثالا واحدا فقط من نماذج التلاحم المصري الإفريقي بما يؤكد محورية الدور المصري الريادي في إفريقيا منذ الاستقلال وحتى اليوم.

شرق الكونغو : الأزمة تزداد تعقيدا .. و “قلب إفريقيا ” فوق صفيح ساخن

