رامي زهدي يكتب : وهم المشروعات القومية في إثيوبيا .. من سد النهضة إلى مطار بيشوفتو الدولي.. أحلام زائفة يدفع ثمنها الشعب الإثيوبي الطامح إلى التنمية

منذ أكثر من عقد، وتحديدا مع تصاعد طموح الدولة الإثيوبية للعب دور إقليمي قيادي في منطقة القرن الإفريقي، وربما السعي لزعامة القارة الإفريقية رغم فقر القدرات والإمكانات وغياب المنهج لتحقيق ذلك، برز نموذج خاص لما يمكن تسميته بـاقتصاد المشروعات العملاقة الدعائية أكثر منها الحقيقية، بوصفه الإطار الحاكم للسياسات العامة في إثيوبيا.
غير أن هذا الطموح اصطدم بواقع شديد التعقيد، في ظل افتقاد الدولة الإثيوبية لمعظم مقومات هذه الزعامة، ولعل أبسطها امتلاك إدارة رشيدة ومتوازنة لعلاقاتها مع دول الجوار، وهو ما فشلت فيه إثيوبيا تاريخيا، فجوار إثيوبيا لم يعرف يوما الاستقرار معها؛ بين حروب مباشرة أو غير مباشرة مع الصومال، وإريتريا، وكينيا، ومناوشات ممتدة مع السودان، فضلا عن صراعات داخلية قبلية وإثنية مستدامة بين القوميات المختلفة والدولة المركزية،
وفي هذا السياق المضطرب، لم ينطلق نموذج “اقتصاد المشروعات العملاقة” “الوهمي” من احتياجات المجتمع الإثيوبي، ولا من تشخيص علمي للاختلالات البنيوية والإحتياجات، بل من منطق سياسي يقوم على الاستعراض الرمزي للقدرة والسيادة، واستخدام هذه الرمزية كأداة للسيطرة السلبية على المجتمع، والإبقاء على الحكم، أو الانفراد به، عبر الإقصاء والتهميش والعزل السياسي والمجتمعي والإقتصادي.
ومن أدوات للتنمية إلى آليات لإعادة إنتاج السلطة، هكذا تحولت المشروعات القومية في إثيوبيا من أدوات محتملة للتنمية إلى بدائل رمزية عن الدولة الاجتماعية، ومن وسائل لإعادة توزيع الثروة إلى آليات لإعادة إنتاج السلطة،وباتت التنمية، في الخطاب الرسمي، مجرد مشروعات مرئية وضخمة وقابلة للتسويق السياسي، بينما جرى إهمال ما هو اجتماعي، توزيعي حقيقي، تراكمي متنامي، طويل الأمد مستدام، وبنائي للإنسان.
وهنا تتجلى المفارقة المركزية في التجربة الإثيوبية حيث لم تعد التنمية عملية مركبة متعددة الأبعاد، بل خطابا أحادي البعد، تقاس “نجاحاته” بعدد الميجاوات المنتجة، أو طول المدرجات، أو حجم الخرسانة المسلحة، وافتتاحات تسويقية وهمية، بدلا من قياس الأثر الحقيقي على حياة المواطن الذي يعاني من صعوبة توفير مبادئ ومقومات الحياة الأساسية الكريمة.
النموذج الأبرز الدال علي ماسبق هو سد النهضة الذي تحول إلي نموذج للفشل المركب،حيث يمثل سد النهضة نموذجا صارخا للتفتيت الطاقة وضياع الوقت والجهد، فحين تقرأ الأرقام والحقائق بعيدا عن الخطاب التعبوي سوف نجد أن التكلفة الرسمية المعلنة 4.8 مليار دولار، بينما التكلفة التقديرية الفعلية 7–8 مليارات دولار، ونسبة السكان دون كهرباء منتظمة أكثر من 60%، ونسبة الفاقد في شبكة الكهرباء تقترب من 25–30%، لكن الإشكال البنيوي هنا لا يكمن في فكرة إنتاج الطاقة، بل في إنتاج طاقة دون بنية توزيع وطنية قادرة على استيعابها، ومحاولة تصدير الكهرباء في ظل غياب سوق إقليمي مستقر، مع الاعتماد على تمويل داخلي قسري عبر سندات حكومية شبه إجبارية، أثقلت كاهل الطبقة المتوسطة دون عوائد موثقة أو مؤكدة، لا على المواطن ولا على مالكي هذه السندات، وحتي الآن لم يثبت تشغيل حقيقي انتاجي للمشروع او اكتمال اعمال،
والأخطر من ذلك، تحول السد إلى أداة تعبئة قومية دائمة، يُجرم من خلالها أي نقاش اقتصادي عقلاني او معارضة داخلية منطقية او علمية، ما أفرغ المشروع من طبيعته التنموية، وأدخله دائرة المشروعات الضبابية المثيرة للتوتر مع دول الجوار.
ثم الحديث الدعائي عن مطارات عملاقة بينما الاقتصاد الإثيوبي عاجز عن الطيران، ففي السياق نفسه، أعلنت الحكومة الإثيوبية، بقيادة رئيس الوزراء آبي أحمد، رسميا عن مشروع مطار “بيشوفتو الدولي”، بتكلفة تقديرية تصل إلى 10 مليارات دولار، وبطاقة استيعابية تبلغ 110 ملايين مسافر سنويا، ليكون نظريا من أكبر مطارات العالم ، لكن السؤال البنيوي يظل قائما وهو كيف لدولة لا يتجاوز متوسط دخل الفرد فيها 1000 دولار سنويا، وتعاني عجزا مزمنا في الميزان التجاري وتعثر في سداد القروض وفوائدها وأعباء خدمة الديون، إضافة الي نزاعات داخلية مسلحة، أن تُنشئ مطارا بطاقة تفوق مطارات دول صناعية كبري مستقرة؟
والإشكاليات الأساسية في ذلك تشمل غياب اقتصاد سياحي واسع،ضعف القدرة الشرائية الداخلية،واعتماد شبه كامل على الترانزيت، إضافة إلي تضخم تكاليف التشغيل والصيانة،وبذلك يتحول المطار من رافعة تنمية محتملة إلى مشروع استعراضي عالي التكلفة، يخدم صورة الدولة أكثر مما يخدم المجتمع.
ولنتحدث عن مشروعات السكك الحديدية والطرق الكبري حيث بنية تحتية زائفة بلا محتوى اقتصادي واضح، مثال ذلك سكة حديد أديس أبابا – جيبوتي، بتكلفة تجاوزت 4 مليارات دولار، ممولة بقروض صينية، إلى جانب شبكات طرق سريعة داخلية بمليارات الدولارات، غير أن المفارقة أن هذه البنية لم تخلق حولها مناطق إنتاج، ولم تُربط بسياسات ومشروعات زراعية أو صناعية، فتحولت إلى عبء صيانة وتمويل في ظل ضعف الإيرادات، فالطريق في غياب اقتصاد محيط، لا يُنتج تنمية، بل يُسرع انتقال الأزمات.
كذلك المناطق الصناعية حيث عمليات التصدير بلا عدالة اجتماعية او اقتصادية،فقد أنشأت إثيوبيا أكثر من 12 منطقة صناعية، باستثمارات تجاوزت 5 مليارات دولار، لكن النتائج كشفت عن اختلالات عميقة في أجور العمال والتي هي من الأدنى عالميا، كذلك محدودية العمالة المحلية المستقرة، وشبه انعدام لنقل التكنولوجيا، والنتيجة اقتصاد تصديري هش، لا يُنتج طبقة وسطى، ولا يخلق استقرارا اجتماعيا، بل يعتمد على رخص العمل لا على القيمة المضافة.
أما عن مشروعات الزراعة والمياه حيث وفرة الموارد وفقر النتائج، فرغم امتلاك إثيوبيا أكثر من 12 حوضا مائيا ومساحات زراعية شاسعة، فإنها تُعد من أكبر متلقي المساعدات الغذائية عالميا، وتعاني من سوء تغذية مزمن، ونزوح داخلي واسع، نتيجة تهميش صغار المزارعين، وتسييس إدارة الموارد المائية، وتغليب المشروعات الرمزية على الأمن الغذائي
وبالتالي نحن أمام مشروعات بلا شعب، حيث النهضة كسردية سياسية وهمية زائفة منذ مطلع الألفية، وبوتيرة متسارعة بعد 2015، تبنت الدولة الإثيوبية نموذجا تنمويا قائما على المشروعات العملاقة بوصفها “قاطرة الخروج من الفقر”، بينما كشفت المؤشرات الواقعية عن تآكل مستمر في مستوى معيشة المواطن، وتحولت هذه المشروعات إلى أدوات لتكريس شرعية السلطة، لا لإعادة توزيع الثروة، في ظل تضليل تنموي ممنهج، يعتمد على تضخيم الأرقام، وتغييب البيانات الدقيقة،وشيطنة أي نقد بوصفه تهديدا للأمن القومي ما أسس لما يمكن وصفه بـ «الدولة المُقنعة إعلاميا والعاجزة اجتماعيا والمرفوضة شعبياً».
لكن؛ لماذا فشلت المشروعات رغم ضخامتها؟ ربمايمكن تلخيص أسباب الفشل في نقاط رئيسية ، أبرزها غياب الحوكمة والشفافية وتسييس القرار الاقتصادي، تجاهل البعد الاجتماعي، والاعتماد على التمويل دون إنتاج داخلي، وكذلك تحويل التنمية إلى خطاب تعبوي لا عقد اجتماعي، فالخلل ليس في السد، ولا في المطار، ولا في الطريق، بل في نموذج دولة ترى في المشروع بديلًا عن الإنسان.
وحين تُبنى المطارات قبل بناء الإنسان، وتُقدس السدود قبل بناء الثقة، تتحول “النهضة” إلى سردية سياسية ضخمة وهمية وواهمة، زائفة بلا مضمون اجتماعي أو مردود إقتصادي حقيقي.
اقرأ المزيد




