أخبار عاجلةالرأي

الكاتب الصحفي السوداني خالد الفكي يكتب : الساحل الأفريقي في مواجهة أمواج الإرهاب

تُعدّ منطقة الساحل الأفريقي اليوم واحدة من أكثر بؤر العالم هشاشةً أمنياً، حيث تتقاطع الجغرافيا القاسية مع الفقر البنيوي، وتتشابك النزاعات المحلية مع تمدد الجماعات الإرهابية والمتطرفة، وقد تحوّل هذا الإقليم، الممتد من غرب أفريقيا إلى وسطها، إلى مسرح مفتوح لأنشطة تنظيمات مسلحة تستثمر في ضعف الدولة، وهشاشة المجتمعات، وانفلات الحدود، ما يفرض تحديات مباشرة على الأمن القومي لدول الساحل، ويُهدد الاستقرار الإقليمي والقاري برمّته.

الإرهاب في الساحل في تقديري لم يعد ظاهرة عابرة أو محصورة في جيوب نائية، بل أصبح منظومة معقّدة تتغذى على النزاعات العرقية، والهشاشة الاقتصادية، وسوء إدارة التنوع، إضافة إلى توظيف الخطاب الديني المتطرف لتبرير العنف والتكفير. وتتمثل أخطر تداعيات هذا الواقع في استهداف المجتمعات المحلية، عبر تجنيد الشباب، وتفكيك النسيج الاجتماعي، وفرض أنماط حكم قسرية تقوّض سلطة الدولة وتزرع الخوف وعدم اليقين.

وتنعكس هذه التهديدات في اعتقادي بصورة مباشرة على الأمن القومي لدول الساحل، من خلال إضعاف مؤسسات الدولة، وتعطيل مسارات التنمية، وفتح المجال أمام التدخلات الخارجية والجريمة المنظمة العابرة للحدود، بما في ذلك تهريب السلاح والبشر والمخدرات. كما أن استمرار هذا الوضع يُنذر بتمدد الجماعات المتطرفة نحو دول الجوار، ما يجعل الخطر جماعياً لا يمكن احتواؤه بالمعالجات القُطرية المحدودة.

ودن شك تبرز ضرورة اعتماد مقاربة استراتيجية واقعية وشاملة لمكافحة الإرهاب، تقوم على التنسيق عالي المستوى بين مختلف الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في دول الساحل، وتبادل المعلومات بشكل فعّال، وإغلاق الثغرات الحدودية التي تستغلها الجماعات المسلحة للتسلل والانتشار، ولا يقل أهمية عن ذلك، العمل المشترك على تفكيك البُنى الفكرية والدينية المتطرفة، عبر برامج وقائية تعزز خطاب الاعتدال، وتحاصر منابع التكفير والهوس الديني.

كما تمثل الجهود الرامية إلى القضاء على التنظيمات الإرهابية في وسط وغرب أفريقيا، وبناء قدرات المؤسسات الوطنية، ركيزة أساسية لتحقيق الاستقرار المستدام. فمكافحة الإرهاب لا تنفصل عن تسوية النزاعات، وبناء السلام، ودعم التنمية الشاملة التي تُعيد الاعتبار للمجتمعات المحلية، وتوفر بدائل اقتصادية حقيقية تُجفف منابع التطرف.

أري أن مدّ جسور التعاون بين دول الساحل الأفريقي، وتوظيف الخبرات المتراكمة فيما بينها، يشكّل مدخلاً عملياً لمواجهة هذا التحدي الوجودي. فالأمن في الساحل مسؤولية مشتركة، وأي إخفاق في احتواء الإرهاب اليوم، سيترتب عليه ثمنٌ أفدح غداً، ليس على دول الساحل وحدها، بل على القارة الأفريقية بأسرها.

 

اقرأ المزيد 

رامي زهدي يكتب : وهم المشروعات القومية في إثيوبيا .. من سد النهضة إلى مطار بيشوفتو الدولي.. أحلام زائفة يدفع ثمنها الشعب الإثيوبي الطامح إلى التنمية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »