أخبار عاجلةالرأي

سفير دكتور محمد حجازي يكتب: إيران والولايات المتحدة.. بين التصعيد المنضبط والمواجهة الشاملة

تشهد منطقة الشرق الأوسط لحظة فارقة يتداخل فيها التصعيد العسكري مع الدبلوماسية الوقائية، وتتقاطع فيها حسابات القوى الكبرى مع أدوار إقليمية فاعلة تسعى إلى منع الانزلاق نحو مواجهة شاملة لا يملك أي طرف ترف تحمل كلفتها، وفي قلب هذا المشهد المعقد تقف العلاقة المتوترة بين الولايات المتحدة وإيران، باعتبارها المحدد الأبرز لاتجاهات الاستقرار أو الفوضى في الإقليم، في وقت تتعدد فيه ساحات الاشتباك وتتراجع فيه هوامش الخطأ، ويصبح سوء التقدير أخطر من الفعل ذاته.

منذ اندلاع الحرب في غزة، دخل التوتر الإيراني–الأمريكي مرحلة جديدة، اتسمت بارتفاع منسوب الاحتكاك غير المباشر عبر ساحات متعددة، من العراق واليمن ولبنان وسوريا إلى البحر الأحمر، دون أن يتحول ذلك إلى مواجهة مباشرة بين الطرفين، هذا النمط من السلوك لا يمكن اعتباره مصادفة، بل يعكس إدراكًا متبادلًا لدى واشنطن وطهران بأن الصدام الشامل يحمل كلفة استراتيجية واقتصادية وأمنية تفوق بكثير أي مكاسب محتملة، وأن إدارة الصراع، مهما بلغت حدته، تظل أقل خطورة من انفجاره، ومحاولة تحصيل مكاسب نتيجة الضغط والترقب .

في هذا السياق، يبرز سيناريو التصعيد المنضبط بوصفه المسار الأكثر ترجيحًا في المدى القريب، حيث يعتمد الطرفان على منطق الردع المتبادل دون كسر الخطوط الحمراء. الولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري، تدرك أن حربًا مفتوحة مع إيران ستؤدي إلى اضطراب واسع في أسواق الطاقة والملاحة الدولية، وتفتح جبهات إقليمية متعددة، في وقت تنشغل فيه بإعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية في مواجهة الصين وروسيا، وعلاقتها المتوترة مع أوربا وارتدادات موقفها داخل الناتو ذاتة، كما أن الرأي العام الأمريكي لم يعد متقبلًا لمغامرات عسكرية طويلة الأمد في الشرق الأوسط، خاصة تلك التي تفتقر إلى أهداف واضحة وقابلة للتحقق، كما لايزال الملف الفنزويلي مفتوحا وكذا ملف جرينلاند بكل تعقيداتة.

في المقابل، لا تسعى إيران، وفق كل المؤشرات السياسية ، إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، لكنها في الوقت ذاته ترفض الظهور بمظهر الطرف المتراجع أو الخاضع للضغوط، ومن هنا جاء اعتمادها على أدوات النفوذ الإقليمي والضغط غير المباشر، مع الحرص على ضبط إيقاع التصعيد بحيث يظل دون العتبة التي تستدعي ردًا أمريكيًا كاسحًا لاسيما وقد سحبت ورقة الضغط عليها استخداما للاوضاع الداخلية والتظاهرات بعد احتوائها الي حد بعيد، وأري أن هذا التوازن الدقيق بين رفع الكلفة السياسية والأمنية، وتجنب الصدام العسكري الوجودي، يشكل جوهر السلوك الإيراني في المرحلة الراهنة.

غير أن هذا التصعيد المنضبط يظل بطبيعته هشًا، وقابلًا للانزلاق خاصة في نمط سلوك الادارة في عهد الرئيس ترامب وجموحة الصعب القياس، خاصة في حال وقوع حدث صادم يكسر قواعد الاشتباك، سواء عبر استهداف مباشر واسع النطاق، أو سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، أو تصعيد نوعي في الملف النووي، أو توسع إحدى الساحات الإقليمية بما يتجاوز القدرة على الاحتواء، دون إغفال “للتحريض” الإسرائيلي المستمر ، هنا يبرز السيناريو الثاني، الأقل ترجيحًا لكنه الأكثر خطورة، والمتمثل في المواجهة العسكرية الواسعة، التي لن تقتصر آثارها على إيران والولايات المتحدة، بل ستمتد إلى الإقليم بأكمله.

في مواجهة هذا الاحتمال، تتزايد أهمية الأدوار الإقليمية القادرة على ممارسة دبلوماسية وقائية فعالة، وهنا يبرز الدور المصري بوصفه عنصر توازن أساسي في معادلة معقدة، فمصر، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها السياسي وخبرتها التاريخية، لا تنظر إلى التصعيد الإيراني–الأمريكي بوصفه أزمة بعيدة، بل كتهديد مباشر للأمن الإقليمي، وأمن الملاحة الدولية، وقناة السويس، والاستقرار الاقتصادي العالمي، وتهديد أمن الخليج والكلف الاقتصادية وأمن الطاقة وأعباء لايمكن تحملها في وقت مضطرب.

وانطلاقًا من هذا الإدراك، كان لمصر تحرك نشط على مستوى الاتصالات السياسية والدبلوماسية، شمل قنوات مباشرة وغير مباشرة مع الجانب الإيراني، في إطار نقل رسائل واضحة تتعلق بخطورة توسيع رقعة الاشتباك، خاصة في الساحات المرتبطة بالبحر الأحمر، والخليج، ولبنان وفلسطين،  هذه الاتصالات لم تكن تفاوضًا بالمعنى التقليدي، ولم تستهدف عقد صفقات أو تقديم تنازلات متبادلة، بل ركزت على إدارة المخاطر، وضبط السلوك، وتفادي الخطوات التي قد تؤدي إلى كسر الخطوط الحمراء والدفع نحو مواجهة لا يمكن احتواؤها.

في الوقت ذاته، أجرت القاهرة اتصالات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، انطلاقًا من إدراكها لحساسية البعد النووي في معادلة التوتر. فغياب القنوات الفنية، أو انهيار إطار التعاون مع الوكالة، يمثل أحد أخطر السيناريوهات، لأنه يفتح الباب أمام تقديرات خاطئة، ويمنح مبررات جاهزة لتصعيد عسكري واسع. ومن هنا جاء التأكيد المصري على أهمية الحفاظ على الدور المهني المستقل للوكالة، وتعزيز الشفافية الفنية بوصفها أداة لخفض التوتر، لا وسيلة للضغط السياسي.

هذه التحركات المصرية أسهمت، إلى جانب جهود إقليمية ودولية أخرى، في تثبيت سيناريو التصعيد المنضبط، ومنع الانتقال إلى مواجهة مفتوحة. فغياب الضربات النوعية داخل العمق الإيراني، واستمرار الخطاب الأمريكي عند حدود الردع دون توسيع نطاق العمليات، وتجنب إيران لأي خطوات نووية استفزازية كبرى، كلها مؤشرات على وجود تفاهم غير مكتوب على إدارة التوتر، حتى وإن استمر الخطاب السياسي التصعيدي من الجانبين، ولا يمكن كذلك فهم هذا الدور المصري بمعزل عن الرؤية الأوسع التي تنطلق منها القاهرة، والتي تقوم على الربط بين ساحات الصراع المختلفة. فمصر ترى أن الحرب في غزة تمثل العقدة المركزية الاهم في مشهد التصعيد الإقليمي، وأن غياب أفق سياسي عادل ومستدام للقضية الفلسطينية يوفر البيئة المثالية لتوسع الأزمات، وتعدد ساحات الاشتباك، وتنامي أدوار الفاعلين من غير الدول،  ومن ثم، فإن أي تهدئة حقيقية بين إيران والولايات المتحدة تظل ناقصة، ما لم تقترن بوقف مستدام لإطلاق النار في غزة، ومسار سياسي جاد يعالج جذور الصراع.

وأري في هذا الإطار، أنه لا يمكن الحديث عن تنازلات أو تسويات بالمعنى التقليدي لما جرى خلف الكواليس، حيث لم تقدم إيران تنازلًا استراتيجيًا يمس برنامجها النووي أو نفوذها الإقليمي المتجذر في العراق والحوثي و حزب الله ،  ولم تقدم الولايات المتحدة تنازلات تتعلق بالعقوبات أو العودة إلى اتفاق نووي جديد، إذا ، ما حدث هو أقرب إلى تفاهم ضمني على إدارة التوتر، يقوم على تعديل السلوك دون تغيير المواقف، وعلى ضبط الأدوات دون التخلي عن الأهداف المعلنة، هذا النمط من إدارة الأزمات يعكس طبيعة المرحلة الراهنة في النظام الدولي، حيث تتراجع فرص التسويات الكبرى، ويحل محلها منطق إدارة المخاطر ومنع الانفجار، وفي هذا السياق، تكتسب الدبلوماسية الوقائية أهمية متزايدة، ليس بوصفها بديلًا عن الحلول السياسية، بل كآلية مؤقتة للحفاظ على الاستقرار إلى أن تنضج ظروف التسوية.

ختامًا، يمكن القول إن الصدام الإيراني–الأمريكي يتحرك حاليًا داخل إطار تصعيد منضبط، تدعمه حسابات الردع المتبادل، وتسهم في تثبيته أدوار إقليمية فاعلة، وفي مقدمتها دور مصري يتحرك بين الأطراف الاقليمية لتعزيز الضغط الاقليمي لاحتواء الموقف ودور آخر تلعبة بصدقية مع الجانب الإيراني من ناحية والوكالة الدولية للطاقة الذرية وسكرتيرها العام ثم باتصالات جادة مع واشنطن والاوربيين لاحتواء المشهد وإبعادة عن مخاطر جسيمة للمواجهة، وفي اطار ماذكرناه عن الدبلوماسية الوقائية الفاعلة المسؤولة وصاحبة المصداقية لدي كافة الأطراف، وهو كما ذكرنا المتاح في زمن ادارة المخاطر وعدم وجود تسويات كبري.

غير أن هشاشة هذا التوازن، وتعدد الساحات، واستمرار الأزمات دون حلول جذرية، تجعل من خطر الانزلاق قائمًا في أي لحظة، ومن هنا، فإن الدور المصري لا يقتصر على احتواء أزمة بعينها، بل يمتد إلى الدفاع عن فكرة الاستقرار الإقليمي ذاتها، في لحظة تاريخية لا تحتمل مغامرات كبرى، ولا تسمح بانهيار ما تبقى من منظومة الأمن في الشرق الأوسط.

 

* سفير دكتور محمد حجازي: مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق .

اقرأ المزيد

الرئيس السيسي يثمّن رسالة ترامب وجهوده في دعم السلام والاستقرار

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »