أخبار عاجلةالرأي

رامي زهدي يكتب : قراءة في تجربة الاتحاد الإفريقي في إدارة الصراعات خلال الأعوام الأخيرة

لم تكن القارة الإفريقية يوما بعيدة عن دوائر الصراع، لا بوصفها قدرا جغرافيا أو لعنة تاريخية، بل باعتبارها مسرحا مفتوحا لتفاعلات سياسية واقتصادية واجتماعية معقدة، تتداخل فيها آثار الاستعمار القديم مع هشاشة بناء الدولة الوطنية، وضغوط التنمية غير المتوازنة، وصراعات الهوية، وتنافس الموارد، وتدخلات الفاعلين الخارجيين، وفي قلب هذا المشهد المضطرب، يقف الاتحاد الإفريقي كإطار مؤسسي جامع، يحمل او يحاول أن يحمل على عاتقه طموحا سياسيا وأخلاقيا لإدارة الصراعات ومنع تفجرها، مستندا إلى منظومة من الآليات القانونية والأمنية والدبلوماسية، لكنه في الوقت ذاته يصطدم بحدود الواقع، وتناقضات المصالح، وفجوة الإمكانيات.

ومنذ إطلاق بروتوكول مجلس السلم والأمن الإفريقي عام 2002، حاول الاتحاد الإفريقي الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الفعل الاستباقي، عبر أدوات مثل نظام الإنذار المبكر القاري، ومجلس الحكماء، وقوة الاستعداد الإفريقية، وآليات الوساطة والبعثات الميدانية، وشهدت الأعوام الأخيرة اختبارا قاسيا لهذه المنظومة، مع تصاعد وتيرة النزاعات المسلحة، حيث تشير تقديرات مراكز بحثية دولية إلى أن إفريقيا جنوب الصحراء وحدها استحوذت على ما يقرب من 40 في المئة من النزاعات المسلحة النشطة عالميا خلال عامي 2023 و2024، إلى جانب تسجيل أكثر من 35 انقلابا أو محاولة انقلاب في القارة منذ عام 2000، منها عدد لافت خلال السنوات الخمس الأخيرة، وربما تكون اضعاف هذه الاعداد غير معلنة او تم احباطها قبل ان تُعلن، خاصة ان إجراءات الشفافية وتدوال المعلومات ليست دائما تعمل بكفاءة في كل دول القارة.

وفي بعض الملفات، استطاع الاتحاد الإفريقي تسجيل نقاط نجاح لا يمكن إنكارها، فالتعامل مع الأزمة في جامبيا عام 2017، وإن كان خارج الإطار الزمني القريب نسبيا، ظل نموذجا مرجعيا لفاعلية الضغط السياسي والدبلوماسي المدعوم بإجماع إقليمي، وهو ما حاول الاتحاد استنساخه جزئيا في أزمات لاحقة، كما لعب الاتحاد أدوارا معتبرة في دعم مسارات انتقالية معقدة، مثل المرحلة الانتقالية في السودان قبل اندلاع الحرب الأخيرة، حيث قاد وساطات سياسية بالتنسيق مع الإيجاد والشركاء الدوليين، وأسهم في صياغة أطر تفاوضية، وإن تعثرت لاحقا بفعل عوامل داخلية وخارجية متشابكة.

وفي الصومال، لا يمكن إغفال الدور الأمني الذي اضطلع به الاتحاد عبر بعثة أميصوم ثم أتميس، حيث ساهمت القوات الإفريقية، التي تجاوز عديدها في بعض الفترات 18 ألف جندي، في تحجيم قدرات حركة الشباب، وتأمين مؤسسات الدولة الصومالية، رغم الكلفة البشرية والمالية العالية، ورغم استمرار التهديدات تشير تقارير أممية إلى أن العمليات المشتركة أسهمت في تقليص سيطرة الحركة على مساحات حضرية استراتيجية، وهو إنجاز أمني لا يمكن فصله عن الإطار الإفريقي الجماعي.

لكن في المقابل، تكشف التجربة الإفريقية عن إخفاقات بنيوية صارخة، أبرزها العجز عن منع تفجر النزاعات قبل تحولها إلى حروب شاملة، كما حدث في إثيوبيا خلال صراع تيجراي، ثم لاحقا في السودان، حيث فشلت كل آليات الإنذار المبكر والتحرك الوقائي في كبح الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، أودت بحياة عشرات الآلاف، وتسببت في نزوح ولجوء ملايين المدنيين، وألقت بظلال ثقيلة على أمن الإقليم بأسره.
وفي حالة الكونغو الديمقراطية، ورغم تعدد المبادرات الإفريقية، من مسار لواندا إلى نيروبي وصولا الي الاتفاق الأخير في نهاية 2025، لا تزال المواجهات مستمرة، مع وجود أكثر من 120 جماعة مسلحة، وواحدة من أكبر أزمات النزوح الداخلي في العالم، تجاوزت 6 ملايين نازح.

جوهر الإخفاق لا يكمن فقط في ضعف الإرادة السياسية، بل في معضلة التمويل والاستقلالية، فالبيانات الرسمية تشير إلى أن أكثر من 60 في المئة من ميزانية السلم والأمن في الاتحاد الإفريقي لا تزال ممولة من شركاء دوليين، وعلى رأسهم الاتحاد الأوروبي، هذه الحقيقة تطرح تساؤلات جوهرية حول هامش الحركة الاستراتيجية، وقدرة الاتحاد على اتخاذ قرارات حاسمة بمعزل عن حسابات الممولين، أو عن توازنات القوى الدولية المتنافسة على النفوذ في القارة.
كما أن قوة الاستعداد الإفريقية، التي كان يفترض أن تشكل ذراعا تدخلية سريعة، ظلت لسنوات حبيسة التصورات النظرية، ولم تصل بعد إلى الجاهزية العملياتية الكاملة، سواء من حيث القيادة الموحدة أو التمويل المستدام أو قواعد الاشتباك الواضحة.

إلى جانب ذلك، يعاني الاتحاد من إشكالية التداخل بين (مبدأ عدم التدخل ومبدأ عدم اللامبالاة)، وهو التناقض الذي حاولت الوثائق التأسيسية تجاوزه نظريا، لكنه ظل عائقا عمليا، ففي حالات كثيرة، تراجعت الاعتبارات السيادية للدول الأعضاء عن منح الاتحاد تفويضا واضحا، خاصة عندما يتعلق الأمر بصراعات داخلية ذات أبعاد سياسية حساسة، أو بانقلابات عسكرية، حيث بدا التعاطي متفاوتا، أحيانا حازما كما في بعض دول غرب إفريقيا، وأحيانا مترددا أو انتقائيا في أقاليم أخرى.

ولا يمكن إغفال أثر تعقيد الصراعات ذاتها، إذ لم تعد النزاعات الإفريقية محصورة في أطراف داخلية تقليدية، بل باتت شبكات عابرة للحدود، تتقاطع فيها الجماعات المسلحة مع اقتصاديات الحرب، وتهريب الذهب والمعادن النادرة، وتجارة السلاح، وارتباطات مباشرة أو غير مباشرة بفاعلين دوليين.
هذا التحول البنيوي الصعب جعل أدوات الوساطة التقليدية أقل فاعلية، وفرض على الاتحاد تحديا مضاعفا يتمثل في فهم الاقتصاد السياسي للصراع، وليس فقط هندسة تسويات سياسية فوقية.

رغم ذلك كله، لا يمكن التقليل من القيمة الاستراتيجية للاتحاد الإفريقي كمنصة شرعية وحيدة تقريبا لإدارة الأزمات من منظور إفريقي.
فغيابه أو تهميشه كان سيعني فراغا تملؤه قوى خارجية بالكامل، وهو ما يتعارض مع فكرة امتلاك القارة لقرارها الأمني والسياسي.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى مراجعة عميقة للتجربة، لا بهدف جلد الذات، بل لإعادة بناء المقاربة على أسس أكثر واقعية وجرأة عبر مراجعة تبدأ بتعزيز التمويل الذاتي، وعبر تفعيل آليات مثل رسم الاستيراد القاري، وتوسيع مساهمات الدول الأعضاء، وربط السلم والأمن بأجندة التنمية، باعتبار أن الفقر والهشاشة الاقتصادية هما الوقود الحقيقي للصراعات.

كما تتطلب المرحلة المقبلة شراكات أذكى مع التكتلات الإقليمية، مثل الإيكواس والسادك والإيجاد والكوميسا، على أساس توزيع أدوار واضح، وتكامل لا تنافس، إضافة إلى استثمار أكبر في الدبلوماسية الوقائية، وبناء القدرات الوطنية في إدارة النزاعات المحلية قبل تدويلها أو عسكرة حلها. وفي هذا السياق، يصبح دور القوى الإقليمية الكبرى، وفي مقدمتها مصر، محوريا في دعم الاستقرار الإفريقي، عبر نقل الخبرات، ودعم بناء المؤسسات، والمشاركة الفاعلة في عمليات حفظ السلام، وتقديم نماذج عملية للربط بين الأمن والتنمية.

وبالتالي ومما تقدم يتضح أن تجربة الاتحاد الإفريقي في إدارة الصراعات خلال الأعوام الأخيرة هي تجربة مركبة، تحمل في طياتها بذور نجاح حقيقي، لكنها مثقلة بإخفاقات لا يمكن إنكارها، وهي تجربة تعكس صراع القارة مع ذاتها، بين طموح التحرر الكامل من الوصاية الخارجية، وواقع الاعتماد المتبادل، وبين خطاب الوحدة، وممارسة الانقسام، ولذلك يبقى الرهان الحقيقي هو تحويل الاتحاد من منتدى لإدارة الأزمات إلى فاعل استراتيجي قادر على منعها، وهو رهان لن يتحقق إلا بإرادة سياسية إفريقية صلبة، تعي أن كلفة الصراع، بالأرقام والدماء والتنمية الضائعة، باتت أعلى بكثير من كلفة الإصلاح المؤسسي الجاد.

 

  • رامي زهدي .. خبير مصري في شؤون قارة إفريقيا .

 

إقرأ المزيد :

رامي زهدي يكتب : وهم المشروعات القومية في إثيوبيا .. من سد النهضة إلى مطار بيشوفتو الدولي.. أحلام زائفة يدفع ثمنها الشعب الإثيوبي الطامح إلى التنمية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »