أخبار عاجلةالرأي

السياسي النيجري عمر مختار الأنصاري يكتب: العلاقات الجزائرية-النيجرية.. من نسيج المقاومة التاريخية إلى شراكة الطاقة الاستراتيجية

تتشابك خيوط التاريخ بين جمهورية النيجر والجزائر الشقيقة في نسيج واحد متين، يمتد عبر أعماق الصحراء الكبرى، حيث يلتقي الدين الواحد بالثقافة المشتركة، ويتوحد تاريخ المقاومة الباسلة ضد الاستعمار الفرنسي الغاشم، فخلال عقود الاحتلال، كانت الحدود الصحراوية الطويلة – التي تفوق 950 كيلومتراً – شاهداً حياً على التضامن الأصيل بين المقاومين الجزائريين والنيجريين؛ تبادلت القبائل الدعم والمأوى، وتقاسمت الجهاد والتضحية في وجه محاولات التقسيم والنهب التي سعى إليها المستعمر.

وبعد فجر الاستقلال – النيجر عام 1960، والجزائر عام 1962 – تحولت تلك الروابط العميقة إلى أسس رسمية راسخة، مبنية على مبادئ حسن الجوار، والأخوة الصادقة، والمصير المشترك، وعبر العقود المتلاحقة، تطورت هذه العلاقات بثبات: من مرحلة التضامن السياسي الثوري في السبعينيات والثمانينيات، حيث كانت الجزائر سنداً لكل حركات التحرر الإفريقية، مروراً بتعزيز أواصر التعاون الاقتصادي والأمني في التسعينيات والألفية الجديدة، وصولاً إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة اليوم، التي تشمل الأمن والطاقة والهجرة والتنمية الحدودية.

وليست هذه العلاقات يوماً ظرفية أو عابرة، بل هي امتداد طبيعي للجوار الجغرافي والديموغرافيا المتداخلة؛ فمئات الآلاف من المواطنين يعيشون على جانبي الحدود، يتشاركون اللغات والعادات والمصالح اليومية، ويتنقلون في إطار الروابط العائلية والتجارية التي لا تعرف الحواجز.

وبعد فترة توتر إقليمي أدت إلى سحب السفراء في ربيع 2025، شهدت الأشهر الأخيرة تحولاً إيجابياً سريعاً نحو التطبيع الكامل؛ فعاد السفير النيجري إلى الجزائر العاصمة في 12 فبراير 2026، تلاه قرار الرئيس عبد المجيد تبون بإعادة السفير الجزائري إلى نيامي فوراً؛ وتوّج هذا المسار مباشرة بزيارة تاريخية للفريق أول عبد الرحمن تياني، رئيس جمهورية النيجر، إلى الجزائر في 15-16 فبراير 2026، أثمرت بياناً مشتركاً يعكس إرادة صلبة في تعزيز “الروابط الأخوية والتعاون وحسن الجوار”، وإعادة تنشيط اللجنة العليا المشتركة، وتنظيم مشاورات سياسية وقطاعية منتظمة.

إن هذه العودة ليست مجرد إصلاح دبلوماسي، بل فرصة تاريخية لإعادة ترتيب الأولويات في منطقة الساحل الصحراوي، حيث تربط البلدين حدود طويلة وتحديات أمنية واقتصادية مترابطة. 

فالجزائر، بتراكم خبرتها الواسعة في الطاقة، والنيجر بثرواتها الهيدروكربونية الواعدة، مدعوّتان اليوم لبناء شراكة استراتيجية مستدامة، تخدم الشعبين وتعزز استقرار المنطقة برمتها.

آفاق التعاون التنموي: الطاقة محور الشراكة الرئيسي

تمتلك الجزائر رصيداً هائلاً في الاستكشاف والإنتاج والنقل والتكرير والتصدير، بينما تواجه النيجر تحديات تقنية ومالية ولوجستية رغم احتياطياتها النفطية والغازية الكبيرة. 

ومن أبرز المشاريع التي شهدت تقدماً ملموساً مؤخراً:

– استئناف وتوسيع التعاون في حقل كفرا النفطي شمال النيجر، الذي يُقدر احتياطيه بمئات الملايين من البراميل؛ إذ وقّعت سوناطراك و”سونيديب” النيجرية اتفاقيات تطوير، وأكدت زيارة وزير الطاقة الجزائري محمد عرقاب إلى نيامي في يناير 2026 استئناف النشاط، مع توقعات بأن يشكّل النفط نصف العائدات الضريبية النيجرية بحلول نهاية 2026، 

– إضافة إلى إنشاء مصفاة ومجمع بتروكيميائي في دوسو.

– إحياء مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء (TSGP)، الذي يمتد أكثر من 4000 كم، يربط نيجيريا بالنيجر ثم الجزائر، لنقل 20-30 مليار متر مكعب سنوياً نحو أوروبا؛ وقد أكدت الدول الثلاث أهميته الاستراتيجية، مع مناقشات مكثفة في يناير 2026 لتسريع التنفيذ وتحديث دراسات الجدوى.

– برامج تكوين ونقل الخبرة، تشمل تدريب آلاف الشباب النيجري في مهن البترول والغاز والصيانة والإدارة التقنية.

– توسيع الربط الكهربائي، ببناء محطات جديدة وتعزيز الشبكات لدعم التنمية وكسر العزلة في المناطق الريفية.

– مشاريع تنموية مشتركة في المناطق الحدودية، تشمل التكوين المهني، والزراعة الصحراوية المستدامة، وإدارة الموارد المائية، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتسهيل التبادل التجاري.

إن هذه المشاريع ليست مجرد اتفاقيات ورقية، بل استثمارات حقيقية في الاستقرار والسلام؛ فالتنمية الاقتصادية الملموسة من فرص العمل، وتحسين المعيشة، وخفض البطالة بين الشباب؛ تبقى أقوى سدّ منيع ضد التطرف والإرهاب والتهريب، مقارنة بالنهج الأمني العسكري المجرد.

التحديات الأمنية والحاجة إلى مقاربة متوازنة

تواجه منطقة الساحل تهديدات مستمرة: تصاعد هجمات الجماعات الإرهابية، انتشار الجماعات المسلحة، ضعف حضور الدولة في المناطق النائية، تداعيات النزاعات الإقليمية، وتأثير تغير المناخ على المياه والمراعي. ولا يكفي النهج العسكري وحده لاجتثاث الجذور؛ بل ينبغي الاعتماد على توازن يجمع بين الأمن والتنمية بثلاثة أركان أساسية:

– تعزيز التنسيق الأمني الثنائي: دوريات مشتركة، مراكز قيادة مشتركة، تبادل استخبارات فعال، وتفعيل اللجان الأمنية.

– استثمار كبير في التنمية: كعامل وقائي يستهدف الشباب والمناطق الهشة، لخلق بدائل اقتصادية حقيقية.

– حوار سياسي مستمر وصريح: ينسّق المواقف تجاه التهديدات المشتركة، بعيداً عن الاستقطاب الإقليمي أو التحالفات الظرفية.

إن عودة العلاقات الكاملة ستعجّل المفاوضات الطاقوية، وتيسّر التنقل والتجارة عبر الحدود، وتفتح قنوات حوار دائمة لمعالجة الخلافات قبل تفاقمها، مع إمكانية توسيع التعاون إلى شركاء إقليميين آخرين في إطار متعدد الأطراف.

خاتمة: نموذج إفريقي للتعاون الجاد

تمتلك النيجر والجزائر اليوم فرصة تاريخية ليصبحا نموذجاً يُحتذى به للتعاون الإفريقي في الساحل: تعاون يقوم على المصالح المشتركة، والاحترام المتبادل، والإرادة السياسية الصادقة.

هذه الحركية ليست عودة إلى الماضي، بل انطلاقة نحو مرحلة أكثر نضجاً، تركز على نتائج ملموسة يلمسها المواطن في حياته اليومية: متمثلة في فرص عمل، وكهرباء، ومياه نظيفة، وأمن غذائي، واستقرار دائم.

الفرصة سانحة، والمسؤولية مشتركة.

الجزائر والنيجر: أخوة في الدين والتاريخ، جيران في الجغرافيا، شركاء في المصير والمستقبل.

 

اقرأ المزيد 

 

بمشاركة وزير الخارجية السوداني.. مصر تقود جلسة مشاورات «  السلم والأمن الأفريقي »حول السودان

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »