أزمة طاقة خانقة في جنوب أفريقيا: حرب الشرق الأوسط تعطل إمدادات الوقود وترفع أسعار النفط

تواجه جنوب أفريقيا سباقاً مع الزمن لتأمين مصادر جديدة للطاقة في ظل تصاعد الصراع العسكري في الشرق الأوسط، حيث يهدد التصعيد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى بإحداث اضطراب كبير في أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، وهو ما قد يؤدي إلى شلل اقتصادي داخل أكبر اقتصاد صناعي في القارة الأفريقية.
ووفقاً لتقارير نشرتها وكالة Bloomberg، فإن تعطل شحنات الوقود المكرر التي تمر عبر مضيق هرمز أصبح يمثل حالياً أكبر خطر استراتيجي يهدد أمن الطاقة في جنوب أفريقيا. ويأتي ذلك في وقت تجاوزت فيه أسعار النفط العالمية حاجز 105 دولارات للبرميل، وهو مستوى يفرض ضغوطاً اقتصادية هائلة على الحكومات المستوردة للطاقة.
وتجد إدارة الرئيس سيريل رامافوزا نفسها أمام معادلة معقدة تجمع بين تأمين إمدادات الوقود الحيوية للاقتصاد من جهة، ومواجهة موجة تضخم متسارعة من جهة أخرى، في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة العالمية واضطراب طرق الإمداد.
مضيق هرمز: نقطة الاختناق الأخطر لإمدادات الوقود
أكد وزير الموارد المعدنية والبترولية في جنوب أفريقيا جويدي مانتاشي خلال مؤتمر رفيع المستوى عقد في مدينة كيب تاون أن الحكومة دخلت بالفعل في مفاوضات عاجلة مع عدد من الشركاء الدوليين بهدف تحديد موردين جدد يمكنهم تعويض النقص المحتمل في الإمدادات.
وأوضحت تقارير إعلامية دولية، من بينها صحيفة The Washington Post، أن إغلاق أو تعطيل الملاحة عبر مضيق هرمز أدى إلى انخفاض حركة التجارة عبر هذا الممر الحيوي إلى مستويات محدودة للغاية، وهو ما أدى فعلياً إلى قطع الإمدادات الأساسية من الديزل التي تعتمد عليها جنوب أفريقيا.
وتعتمد جنوب أفريقيا بدرجة كبيرة على واردات الوقود المكرر القادمة من سلطنة عمان والبحرين والإمارات العربية المتحدة، وهي دول تقع ضمن نطاق التأثير المباشر لأي تصعيد عسكري في الخليج.
وأشار مانتاشي إلى أن اعتماد جنوب أفريقيا شبه الكامل على الشرق الأوسط لتأمين المنتجات البترولية المكررة يجعل أي اضطراب طويل الأمد في حركة الشحن تهديداً وجودياً حقيقياً لاستقرار الاقتصاد الوطني.
تراجع قدرة التكرير يكشف هشاشة قطاع الطاقة
سلطت الأزمة الحالية الضوء على الضعف الهيكلي العميق في البنية التحتية للطاقة في جنوب أفريقيا، خاصة في قطاع تكرير النفط.
فخلال السنوات القليلة الماضية فقدت البلاد ما يقرب من نصف طاقتها التكريرية نتيجة مجموعة من العوامل، أبرزها حوادث تشغيلية داخل المصافي، إضافة إلى نقص الاستثمارات الرأسمالية في تحديث البنية الصناعية للطاقة.
ويؤكد المحلل في مؤسسة Zero Carbon Analytics، نيك هيدلي، أن هذا التراجع في قدرات التكرير المحلية جعل جنوب أفريقيا تعتمد بشكل شبه كامل على استيراد الوقود المكرر من الخارج، الأمر الذي يترك الأسواق المحلية مكشوفة بشكل مباشر أمام أي اضطرابات جيوسياسية عالمية.
وفي ظل غياب قدرة تكرير محلية كافية يمكن أن تعمل كصمام أمان، أصبح الاقتصاد الجنوب أفريقي مرتبطاً مباشرة بتقلبات أسعار خام برنت العالمية، التي شهدت ارتفاعاً حاداً بسبب التوترات المرتبطة بالأزمة الإيرانية.
أزمة الطاقة تمتد إلى القارة الأفريقية
تعكس الأزمة التي تواجهها جنوب أفريقيا واقعاً أوسع يشمل العديد من دول القارة الأفريقية، حيث باتت تداعيات اضطراب أسواق الطاقة العالمية تؤثر بشكل مباشر على الاقتصادات الأفريقية.
فحتى الدول المنتجة للنفط لم تتمكن من تجنب آثار هذه الاضطرابات. وتشير The Washington Post إلى أن نيجيريا، رغم امتلاكها أكبر مصفاة نفط أحادية الخط في العالم، شهدت ارتفاعاً كبيراً في أسعار الوقود داخل السوق المحلية نتيجة التوترات العالمية في أسواق الطاقة.
وفي شرق أفريقيا، تتعامل الحكومات مع الوضع بحذر شديد. فقد أفادت تقارير بأن السلطات في كينيا تتابع عن كثب حركة ناقلات الوقود التي تعبر البحر الأحمر، وسط مخاوف من أن يؤدي تصاعد الصراع في الشرق الأوسط إلى تعطيل الإمدادات.
وتعتمد كينيا في جزء كبير من وارداتها النفطية على اتفاقيات توريد حكومية مع كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وهو ما يجعل تلك الإمدادات عرضة للمخاطر في حال استمرار التصعيد العسكري في المنطقة.
حكومة رامافوزا تشكل “غرفة حرب اقتصادية”
في مواجهة الضغوط الاقتصادية المتزايدة، أعلن الرئيس الجنوب أفريقي سيريل رامافوزا عن تشكيل ما وصفه بـ “غرفة حرب اقتصادية”، إلى جانب إطلاق خطة شاملة من عشر نقاط تهدف إلى حماية الاستقرار المالي والاقتصادي للبلاد.
وتأتي هذه الخطوة في توقيت حساس سياسياً واقتصادياً، حيث تواجه الحكومة ضغوطاً داخلية متصاعدة، تشمل توترات عمالية متزايدة وتحديات مالية داخل حزب المؤتمر الوطني الأفريقي الحاكم.
وتهدف الاستراتيجية الحكومية الجديدة إلى تسريع عملية تنويع موردي الطاقة وتقليل الاعتماد على منطقة واحدة كمصدر رئيسي للوقود، وذلك لتجنب توقف القطاعات الصناعية الحيوية التي تعتمد بشكل كبير على الديزل والمنتجات البترولية.
توقعات اقتصادية قاتمة مع استمرار ارتفاع أسعار النفط
يحذر خبراء الاقتصاد من أن استمرار أسعار النفط العالمية عند مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل قد يؤدي إلى تداعيات اقتصادية واسعة النطاق في القارة الأفريقية.
ومن المتوقع أن يؤدي هذا الوضع إلى تراجع قيمة العملات الأفريقية الهشة، إضافة إلى تسارع معدلات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة في العديد من الدول.
ومع استمرار الحرب في الشرق الأوسط دون مؤشرات واضحة على التهدئة، بدأت الحكومات الأفريقية، وعلى رأسها جنوب أفريقيا، في إعادة النظر في استراتيجياتها المتعلقة بالطاقة.
فالتحول نحو الطاقة المتجددة والاقتصاد الأخضر، والذي كان يُنظر إليه سابقاً كهدف استراتيجي بعيد المدى، بدأ يُطرح الآن داخل دوائر صنع القرار في جنوب أفريقيا باعتباره ضرورة أمن قومي عاجلة تهدف إلى تقليل اعتماد الاقتصاد على ممرات الطاقة الحساسة جيوسياسياً في الشرق الأوسط، وضمان قدر أكبر من الاستقلال في مجال الطاقة مستقبلاً.
إقرأ المزيد :
FlySafair أكبر شركة طيران بجنوب إفريقيا تعلن فرض رسوم مؤقتة بسبب ارتفاع أسعار الوقود




