أخبار عاجلةالرأي

الباحث السياسي الصومالي عبد الكامل أبشر ورسمي يكتب : الانفصالية المضادة استراتيجية صومالية لمواجهة الكيان الانفصالي- صوماليلاند 

 

أولا  الإطار النظري :

وكالمنظور الرياضي من تحويل السالب إلي الموجب، وبينما الانفصال خسارة محتملة تكون الانفصالية المضادة هندسة سياسية لتحويل الخسارة إلى منع خسارة، وأحيانًا إلى مكسب استراتيجي طويل الأمد.

هنا يُمثّل الانفصال في جوهره خسارة محتملة للدولة المركزية — سواء على مستوى الأرض أو الشرعية أو الموارد أو المكانة الإقليمية — فإن ما يُعرف بـ”الانفصالية المضادة” لا يتحرك بمنطق الاسترجاع الفوري بقدر ما يتحرك بمنطق إدارة الخسارة وتقليص آثارها.

في النزاعات المرتبطة بالحركات الانفصالية، لم تعد المواجهة العسكرية أو الرفض القانوني المباشر كافية لاحتواء الطموحات الانفصالية، خاصة في بيئة دولية باتت في الصراع الدولي ذا الطابع التدخلي ،في هذا السياق، برزت استراتيجية أكثر تعقيدًا وفاعلية تُعرف بـ الانفصال المضاد، وهي مقاربة تقوم على تفكيك المشروع الانفصالي من الداخل بدل مواجهته ككتلة واحدة، بهدف منع تشكّل كيان موحّد قادر على طلب الاعتراف الدولي.

وفي نفس السياق، الانفصال المضاذ :استراتيجية سياسية–إدارية تتبناها المحكومة المركزية الصومالبة لمواجهة الكيان الانفصالي المسمي بصوماليند الذي زعمته الإسرائيل باعترافه في أواخر شهرالكانون الأول/ ديسمبر في العام الماضي 2025، وتقوم هذاه الاستراتيجية على تفكيك البنية الجغرافية والسياسية لذلك الإقليم عبر تقسيمه إلى أقاليم أصغر، بهدف إضعاف قدرته على التماسك والادعاء بتمثيل كيان موحد.

لم تواجه الصومال مشروع «أرض الصومال» عبر الصدام الشامل أو الإلغاء القسري، بل عبر إدارة ذكية للصراع التي تقوم على تفكيك شروط الاعتراف بدل محاربة الفكرة ذاتها. وأن هذه المقاربة، رغم كلفتها السياسية والاجتماعية، نجحت في تحقيق الهدف الاستراتيجي الأهم.

 نبذة مختصرة عن منطقة شمال الصومال

هي المستعمرة البريطانية السابقة/ شمال الصومال التي استقلت في يوم 26 يونيو في عام 1960 وبعد خمسة أيام من استقلالها اتحدت مع جنوب الوطن في أول يوليو الذي استقل عن المستعمر الإيطالي.

يتكون شمال الوطن خمسة أقاليم(شمال غربي، توكطير،أودال، سول،وسناغ) من ثمانية عشرة أقاليم الوطن، وتتوزع هذه الإقاليم إالي تركيبة عشائرية، وذلك كتالي:

وتمثل عشيرة إسحاق غالبية سكانية في إقليمي شمال غربي -إسحاق فرع من قبيلة درالتي تمثل من أكبر القبائل الصومالية التي تسكن شمال وجنوب الوطن

بينما تمثلان عشيرتي الورسنغلي والدولبهنتي غالبية سكانية في إقليمي ، سول،وسناغ وبعض توكطير.

العشيرتي: الورسنغلي والدولبهنتي تتنميان إلي قبيلة دارود وخاصة فرعها هرت

وذلك تمثل عشيرتي غادابورسي وعيس(فرع من قبيلة در السابقة) غالبية سكانية في إقليم أودال.

ثانيا: تهدف هذه الاستراتيجية إلي:  كسر التمثيل الحصري للشمال

بينما يتطلب الاعتراف طرفًا واحدًا يتحدث باسم الإقليم، وتسعى الاستراتيجية إلى نزع احتكار التمثيل عبرإبراز التعدد السياسي والاجتماعي داخل الشمال، والتعامل مع فاعلين محليين خارج إطار هرجيسا، بيحث يكون الهدف إظهار أن “أرض الصومال” ليست صوتًا جامعًا لكل الإقليم الذي تدّعيه.

وماذامت الدولة تحتاج إقليمًا محددًا بوضوح بحيث تقدر تزعم ولائه لها، ولكن عكس ذلك تعمل المقاربة المضادة على إبقاء خرائط الادعاء غير مستقرة سياسيًا وقانونيًا، بحيث لا تُحسم تبعية بعض المناطق بصورة نهائية و يبقى الحديث عن “إقليم متصل ومتفق عليه” غير دقيق بيحث يكون الأثر إضعاف شرط “الإقليم المحدد” في معايير الدولة.

 ثالثا آلية تفكيك الوحدة بدل كسر الإرادة

بعكس القمع المباشر، الذي غالبًا ما يُعيد إنتاج الخطاب الانفصالي ويمنحه شرعية أخلاقية، يعتمد الانفصال المضاد على ضرب وحدة الإقليم الانفصالي عبر تشجيع التمايزات الداخلية، سواء كانت قبلية، جهوية، أو سياسية.

هذا التفكيك لا يستهدف إنهاء النزعة الانفصالية فورًا، بل منعها من التحول إلى بنية سياسية موحّدة. وبما ان أحد أهم شروط الاعتراف الدولي هو أن يتحدث الكيان الانفصالي باسم إقليمه دون منازع تعاملت مقديشو مع هذا الشرط عبر نزع صفة التمثيل الحصري عن قيادة هرجيسا، تعاملت سياسيًا مع نخب محلية خارج سلطة هرجيسا واعترفت إداريًا بواقع تعدد السلطات في الشمال- الشمال-المستعمرة البريطانية- من ولاية واحدة الي ثلاثة ولايات فرعية.

فوفقا لهذه الاستراتيجية يتحول الانفصال من مشروع موجه ضد الدولة الأم إلي ظاهرة داخلية ، بحيث تبدأ الأقاليم أو العشائربالمطالبة بنفس الحق الذي رفع سابقا. بحيث عندما يصبح الانفصال مبدأ سياسيا، فإنه لايبقي حكرا علي مستوي واحد، بل قد يتكرر داخل الكبان ذاته

من الحقايق الميدانية المظلومة إعلاميا هي أن الحغرافية التي استندت إليها ولاية “أرض الصومال” عند انفصالها في التسعينات لم تعد قائمة في ضوء فقدان سيطرتها علي ولاية الشمال الشرقي. وفي وقت يحتفل سكان جزء الشمالي الغربي للستعمرة البريطانية السابقة المعروف بها بصومالند حاليا بالاعتراف الاسرائيلي المزعوم، عكس ذالك سكان ولايتي شمال الشرق وأودال يتظاهرون ضذ الاعتراف الاسرائيلي.

ولذالك يمكن فهم تطبيق الانفصالية المضادة في حالة ولايتي الشمال الشرقي وأودال داخل ما يسمي” أرض الصومال” علي أنه محاولة لتفكيك المشروع الانفصاليمن داخله بدل مواجهته فقط من الخارج. الفكرة الأساسية هي تحويل الإقليم الذي يسعي للانفصال إلي ساحة تعددية سياسية بدل أن يكون كيانا موحدا يطالب بالاستقلال.

فولايتي الشمال الشرقي وأودال اللتان إحدهما انفصلت عن أرض الصومال والأخري في طريقها إلي الانفصال هما منطقتي اللتان تستهدفهما هذه الدراسة.

Screenshot ٢٠٢٦ ٠٣ ١٧ ١٦ ٠٧ ٢٤ ٩٧ c37d74246d9c81aa0bb824b57eaf7062 الباحث السياسي الصومالي عبد الكامل أبشر ورسمي يكتب : الانفصالية المضادة استراتيجية صومالية لمواجهة الكيان الانفصالي- صوماليلاند 
خريطة الصومال من بينها الولايات التي تخصها الدراسة-المنطقة بالون الأصفر هي الكيان الانفصالي-صوماليلاند

ولاية الشمال الشرقي:

شهدت ولاية الشمال الشرقي، ولا سيما مدينة لاسعانود عام 2023، تحولاً سياسياً وأمنياً مفصلياً بعد المواجهات التي انتهت بخروج قوات أرض الصومال من المدينة. هذا التطور لم يكن حدثاً محلياً عابراً، بل شكل لحظة سياسية فارقة أعادت ترتيب التوازنات في شمال الصومال، ووضعت الحكومة الفيدرالية الصومالية أمام مسؤولية جديدة، كيفية التعامل مع واقع نشأ نتيجة حراك شعبي مسلح نجح في فرض معادلة ميدانية مختلفة.

في هذا السياق، يمكن فهم دور الحكومة الفيدرالية تجاه سول وسناج باعتباره استجابة لمطالب شعبية من جهة، ومحاولة لإعادة توظيف التحول الميداني ضمن إطار الدولة الفيدرالية من جهة أخرى. اي انتصار سكان إقليم سولووسيطرتهم على منطقتهم وانشائهم مع إقليم سناغ وبعض اجزاء من إقليم توكطير ولاية فرعية أوجد واقعاً سياسياً لا يمكن تجاهله. فقد برزت إدارة محلية (شمال شرقي) تعلن رفضها للانضواء تحت إدارة أرض الصومال، وتطالب بالاندماج ضمن النظام الفيدرالي الصومالي بعد فترة انتقالية مدتها عامين.

وولاية أودال:

ومن جهة أخري هناك خطط حكومية حول انشاء ولاية اخري التي ستنفصل عن كيان صومالنذا، وهي ولاية اودال غرب الكيان الانفصالي –المنطقة المجاورة لدولة جيبوتي

قد تنظر الحكومة الفيدرالية إلى تشكيل إدارة جديدة في أودل باعتباره وسيلة لتعزيز حضورها السياسي في المناطق الشمالية و إعادة التوازن مع الكيان القائم في الشمال، أي Somaliland.

ويمكن أن يُفهم ذلك أيضًا في سياق استجابة مطالب شعبية وذلك مما يعانون سكان المنظقة من التهميش السياسي. ومن منظور استراتيجي، قد يُعتبر هذا التوجه جزءًا من سياسة “الانفصالية المضادة”، أي تشجيع إدارات بديلة داخل الإقليم المطالب بالانفصال لإضعاف تماسكه السياسي.

في هذه الحالة، قد ترى مقديشو أن تشجيع إدارة في أودال يوفر نموذجًا عمليًا لهذه استراتيجية الانفصال المضاد، دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة مع هرجيسا. فالهدف ليس بالضرورة إسقاط الكيان القائم، بل تقليص نطاقه السياسي وإعادة تعريف حدوده الواقعية.

رابعا:الخلاصة

هذا المقال يقدّم فكرة أن مواجهة مشروع انفصال “صوماليلاند” لا تتم عبر الصدام المباشر أو الرفض القانوني فقط، بل عبر استراتيجية أكثر تعقيدًا تُسمى “الانفصالية المضادة”، تقوم على إدارة الخسارة بدل محاولة استرجاعها فورًا. فبدل اعتبار الانفصال هزيمة نهائية، يتم التعامل معه كظاهرة يمكن احتواؤها وتحويل آثارها، عبر تفكيك المشروع الانفصالي من الداخل ومنع تحوله إلى كيان موحد قادر على الحصول على اعتراف دولي.

جوهر هذه الاستراتيجية هو إضعاف شروط قيام الدولة الانفصالية، خاصة شرط التمثيل الموحد والإقليم المحدد، وذلك من خلال إبراز التعدد السياسي والاجتماعي داخل مناطق الشمال، والتعامل مع قوى محلية خارج سلطة هرجيسا، مما يسحب منها صفة “الممثل الوحيد”. كما يتم إبقاء وضع بعض المناطق غير محسوم سياسيًا وقانونيًا، بحيث لا يمكن الادعاء بوجود إقليم مستقر ومتفق عليه. في الوقت نفسه، يتم تشجيع التمايزات الداخلية القبلية والسياسية، ليس بهدف إنهاء النزعة الانفصالية فورًا، بل لمنعها من التبلور في مشروع سياسي.

والظاهر أن هذا النهج بدأ يتجسد ميدانيًا، خاصة في مناطق مثل سول وسناغ التي خرجت من سيطرة صوماليلاند وشكلت إدارة محلية تميل إلى الاندماج مع الدولة الفيدرالية، وكذلك في أودال التي يُنظر إلى إنشاء إدارة فيها كجزء من إعادة التوازن السياسي داخل الشمال. وبهذا يتحول الانفصال من مشروع موجه ضد الدولة المركزية إلى ظاهرة داخلية تتكرر داخل الكيان نفسه.

 

* عبد الكامل أبشر ورسمي ..مستشار للسياسات والتخطيط لوزارة التخطيط والاستثمار والتنمية الاقتصادية والباحث السياسي.

 

اقرأ المزيد

مصر تنفي تقارير متداولة حول استعدادها منح إثيوبيا نفاذا بحريا إلى البحر الأحمر مقابل مرونه إثيوبية في موقفها بشأن سد النهضة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »