أخبار عاجلةالرأي

عالم الآثار المصري الشهير الدكتور حسين عبد البصير يكتب : شمّ النسيم.. عيد مصري عابر للعصور

يُعَدّ عيد شمّ النسيم واحدًا من أقدم الأعياد الشعبية المستمرة في تاريخ الإنسانية؛ إذ تمتد جذوره إلى أعماق الحضارة المصرية القديمة، حين كان يُعرف باسم “شِمو ” ، أي فصل الحصاد، وهو أحد الفصول الثلاثة الكبرى في التقويم الزراعي المصري القديم , وقد احتفل به المصري القديم بوصفه عيدًا للخلق والتجدّد، حيث يرتبط ببداية الحياة وانبعاثها في الطبيعة.
يرتبط هذا العيد في أصوله بعقيدة الخلق لدى المصري القديم، حيث كان يُعتقد أن العالم قد خُلق في مثل هذا اليوم، وأن قوى الطبيعة تتجدّد فيه. وقد ارتبط العيد بمعبودات الخلق والخصوبة، مثل آتوم ورع، حيث كانت الشمس تمثل رمز الخلق الأول والنور والحياة. ومن هنا، لم يكن الاحتفال مجرد طقس اجتماعي، بل كان تعبيرًا عن رؤية فلسفية عميقة للكون، تتداخل فيها الطبيعة مع العقيدة، والزمن مع الأبدية.
وكان المصريون القدماء يخرجون إلى الحدائق وضفاف النيل للاحتفال بهذا اليوم، في مشهد يجمع بين البهجة والروحانية. كانوا يزيّنون البيوت بالزهور، ويقدّمون القرابين، ويجتمعون في فضاءات مفتوحة تعكس ارتباطهم العميق بالطبيعة. كما ارتبط هذا اليوم بظاهرة الاعتدال الربيعي، التي تعكس توازنًا كونيًا دقيقًا بين الليل والنهار، وهو ما أضفى على العيد بُعدًا فلكيًا يعزّز رمزيته.
وتُعَدّ الأطعمة المرتبطة بشم النسيم امتدادًا حيًا لرموز مصرية قديمة؛ إذ لم تكن مجرد غذاء، بل لغة رمزية تحمل دلالات عميقة. فالبيض كان رمزًا للخلق وبداية الحياة، حيث تصوّر المصري القديم نشأة الكون من بيضة كونية. أما الفسيخ، وهو السمك المملح، فقد ارتبط بالنيل رمز الحياة والخصوبة، بينما عُدّ البصل وسيلة لطرد الأرواح الشريرة والوقاية من الأمراض، نظرًا لرائحته القوية. وكان الخس بدوره رمزًا للنماء والتجدد، ومرتبطًا بالمعبودات الزراعية التي تمثل الخصوبة والاستمرارية.
ومع دخول المسيحية إلى مصر، لم يختفِ هذا العيد، بل استمر في إطار جديد، حيث ارتبط بالتقويم القبطي وأصبح يأتي في اليوم التالي لعيد عيد القيامة. ويعكس هذا التحول قدرة الثقافة المصرية على التكيّف والاستمرارية، إذ احتفظ العيد بجوهره الشعبي، بينما اكتسب أبعادًا دينية جديدة، دون أن يفقد هويته الأصلية.
وفي مصر الحديثة، لا يزال شم النسيم يحتفظ بمكانته كعيد وطني جامع، يشارك فيه المصريون على اختلاف انتماءاتهم , يخرج الناس إلى الحدائق والمتنزهات، مثل حديقة الأزهر، وإلى ضفاف النيل، حاملين معهم تقاليد ضاربة في عمق التاريخ، في مشهد يعكس استمرارية نادرة لحضارة عريقة.
إن شم النسيم ليس مجرد مناسبة موسمية، بل هو تعبير حي عن ذاكرة مصر الثقافية، وعن قدرة هذا الشعب على الحفاظ على تراثه عبر آلاف السنين. إنه عيد يجمع بين الماضي والحاضر، بين الأسطورة والواقع، ويؤكد أن مصر، رغم كل التحولات، لا تزال قادرة على أن تجدّد نفسها مع كل ربيع، محتفظة بجذورها العميقة في تربة التاريخ.

 

إقرأ المزيد :

شم النسيم : عيد الحياة الذي يجمع بين جذور مصر الفرعونية وامتدادها الإفريقي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »