أزمة الحكم في إثيوبيا وتآكل الثقة في سياسات حكومة آبي أحمد

مع دخول عام 2026، لم تعد إثيوبيا التي صعد فيها آبي أحمد إلى السلطة محاطة بزخم التفاؤل ذاته الذي رافق بداياته, فبدلًا من وعود الإصلاح والوحدة، تواجه البلاد اليوم واقعًا معقدًا من الانقسام الداخلي، والتدهور الاقتصادي، وتآكل العقد الاجتماعي بين الدولة ومكوناتها. وبينما ترفع الحكومة الإثيوبية الفيدرالية شعار “مدمر” (التآزر)، يرى منتقدون أن الممارسة الفعلية للسلطة تميل نحو مركزية متزايدة أضعفت الثقة، خاصة في إقليمي الأمهرة وأوروميا.
وهم الوحدة وتكلفة المركزية
تواجه الحكومة الإثيوبية أزمة شرعية عميقة، ترتبط بشعور قطاعات واسعة—خصوصًا من نخب الأمهرة—بأنها تخلّت عن التفاهمات التي دعمت انتقالها السياسي. فبعد انتهاء حرب تيغراي، اتجهت السلطة نحو تعزيز قبضتها عبر حزب الازدهار، وهو ما فُسِّر لدى كثيرين كمحاولة لتهميش ركائز الفيدرالية الإثنية بدلًا من إصلاحها.
كما أن الجدل حول إرث منليك الثاني يعكس صراعًا أعمق حول الهوية الوطنية, فبين خطاب رسمي يدعو للوحدة، وواقع يعجز عن استيعاب التعددية، برزت حالة من الاحتقان لدى جماعات إثنية ترى أن الدولة تعيد إنتاج أنماط الهيمنة التاريخية بدل تجاوزها.
فانو الأمهرة: من الحليف إلى الخصم
أحد أبرز مظاهر هذا التصدع يتمثل في العلاقة مع ميليشيات “فانو” في إقليم الأمهرة. هذه القوى، التي قاتلت إلى جانب الجيش الفيدرالي خلال حرب تيغراي، أصبحت اليوم في مواجهة مباشرة مع الحكومة بعد محاولات تفكيك القوات الإقليمية.
هذا التحول يعكس خللًا استراتيجيًا عميقًا؛ إذ لم تعد الحكومة تُنظر إليها كوسيط محايد، بل كطرف في الاستقطاب الإثني. صعود “فانو” كفاعل مستقل عسكريًا وسياسيًا يشير إلى انفصال فعلي عن سلطة المركز، ويُفسَّر على نطاق واسع كنتيجة لسياسة “اللعب المزدوج”—الاستفادة من دعم الأمهرة ضد جبهة تحرير تيغراي، ثم تقويض نفوذهم لاحقًا.
أوروميا: حدود شعار “مدمر”
في إقليم أوروميا، لا يبدو الوضع أقل تعقيدًا. فالصراع المستمر مع جيش تحرير أورومو يعكس فشلًا في تحقيق تسوية سياسية مستدامة. وتُتهم الحكومة باستخدام أساليب أمنية قاسية—تشمل الاعتقالات الواسعة والإجراءات خارج إطار القانون—في محاولة لفرض الاستقرار.
لكن هذه السياسات، بدل أن تعزز الوحدة، ساهمت في تصاعد العنف بين المجتمعات، وتقليص مساحة الحوار السياسي. ويشير مراقبون إلى أن سعي الحكومة للهيمنة على “الرواية الوطنية” أضعف فرص الاعتراف بالمظالم التاريخية، ما زاد من عمق الانقسام.
اقتصاد مأزوم ومؤسسات متآكلة
تتفاقم الأزمة السياسية مع وضع اقتصادي هش، حيث أدت الصراعات المستمرة إلى استنزاف الموارد وارتفاع معدلات التضخم، إلى جانب أزمة حادة في النقد الأجنبي. وبينما تستثمر الحكومة في مشاريع عمرانية كبرى في أديس أبابا، تعاني المناطق الريفية من نقص حاد في الخدمات الأساسية.
في الوقت نفسه، تراجعت كفاءة مؤسسات الدولة التي كانت تستند سابقًا إلى هيكل منظم نسبيًا تحت مظلة الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية الإثيوبية. أما اليوم، فيُنظر إلى حزب الازدهار باعتباره كيانًا قائمًا على الشخصنة أكثر من كونه مؤسسة سياسية ذات برامج واضحة، ما أدى إلى تآكل آليات صنع القرار وتوزيع الموارد.
طريق محفوف بالمخاطر
تشير المؤشرات الحالية إلى اعتماد متزايد على الحلول العسكرية لمعالجة الأزمات السياسية، وهو مسار يحمل مخاطر كبيرة على استقرار الدولة. فالتصدعات الإثنية والتاريخية لم تعد مجرد رواسب من الماضي، بل تحولت إلى أدوات صراع في الحاضر.
إن تحقيق مصالحة حقيقية في إثيوبيا يتطلب تحولًا جذريًا من منطق الهيمنة إلى منطق الاعتراف المتبادل، مع معالجة صادقة لمظالم جميع المكونات، بما في ذلك التيغراي والأورومو والأمهرة.
في المحصلة، تبدو الأزمة الإثيوبية اليوم انعكاسًا لفشل في إدراك حقيقة أساسية: السلطة التي تُفرض بالقوة وحدها تفقد مشروعيتها الأخلاقية. وفي ظل هذا الواقع، فإن أي حديث عن توازن إقليمي جديد في القرن الأفريقي سيظل ناقصًا ما لم تتمكن إثيوبيا من ترميم بيتها الداخلي، قبل أن تتسع شقوقه إلى حد الانهيار الكامل.
إقرأ المزيد:
قصر إثيوبيا بـ10 مليارات دولار: جدل واسع حول أولويات حكومة أبي أحمد الاقتصادية في ظل الفقر والجوع




