بقيمة 5 مليارات دولار .. واردات نيجيريا من النفط الخام تكشف اختلالات هيكلية عميقة في قطاع الطاقة

في تحول لافت وغير مسبوق يعكس انقلاباً في أنماط تجارة الطاقة خلال ما يقرب من عقد كامل، استوردت نيجيريا نحو 61.7 مليون برميل من النفط الخام من الولايات المتحدة الأمريكية خلال الفترة بين يناير 2024 وبداية عام 2026. وتُقدَّر قيمة هذه الشحنات بنحو 4.9 مليارات دولار أمريكي، ما يكشف عن اعتماد متزايد وسريع على الخام المستورد، في تناقض واضح مع مكانة نيجيريا باعتبارها واحدة من أكبر مصدري النفط في القارة الإفريقية.
وبحسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA)، فإن هذا الاتجاه التصاعدي في الواردات بدأ يتسارع بشكل ملحوظ مع بدء التشغيل الفعلي لمصفاة دانغوتي العملاقة، وهو ما مثّل نقطة تحول حاسمة في البنية الهيكلية لتجارة الطاقة داخل نيجيريا وعلى مستوى الإقليم، وأعاد رسم ملامح منظومة الإمداد النفطي.
اختلال هيكلي وظهور فجوة الاستيراد في قطاع النفط
يُظهر الواقع الحالي ما يمكن وصفه بـ اختلال هيكلي عميق في سلسلة القيمة النفطية داخل نيجيريا. فعلى الرغم من استمرار البلاد في تصدير كميات كبيرة من النفط الخام، بإجمالي إيرادات تجاوز 24.5 مليار دولار خلال عام 2025، فإنها في المقابل باتت تعتمد بشكل متزايد على استيراد النفط الخام لتغذية قدراتها التكريرية المحلية.
وقد بلغت هذه الفجوة في الاستيراد ذروتها في يونيو 2025، عندما تجاوزت التدفقات اليومية من النفط الخام الأمريكي إلى نيجيريا 300 ألف برميل يومياً، وهو مستوى غير مسبوق يعكس تحولاً جذرياً مقارنة بالأنماط التاريخية التي كانت شبه خالية من هذا النوع من التبادل التجاري.
ويرى محللون في قطاع الطاقة أن هذا الوضع يعكس انفصالاً متزايداً بين حلقات سلسلة القيمة النفطية، حيث تستحوذ عقود التصدير الدولية طويلة الأجل على جزء كبير من الإنتاج المحلي، ما يؤدي إلى نقص في الإمدادات الموجهة للمصافي المحلية، ويضعها في حالة من الاعتماد على الاستيراد وضعف الاستدامة التشغيلية.
مصفاة دانجوتي والتحول في نموذج الاعتماد النفطي
تلعب مصفاة دانجوتي دوراً محورياً في إعادة تشكيل خريطة الطاقة داخل نيجيريا. فعلى الرغم من أنها تمثل خطوة استراتيجية لتقليل الاعتماد على استيراد المنتجات النفطية المكررة، إلا أنها في الوقت ذاته أسست لنوع جديد من الاعتماد يتمثل في استيراد النفط الخام نفسه لتشغيل عمليات التكرير.
وتسعى نيجيريا إلى سد الفجوة في الإمدادات من خلال تنويع مصادر الاستيراد، بما في ذلك الولايات المتحدة وغانا، إلا أن الطلب التشغيلي للمصفاة يظل مرتفعاً للغاية، حيث يُقدّر بأكثر من 19 مليون برميل شهرياً، وهو ما يشكل تحدياً كبيراً أمام استقرار الإمدادات واستدامة التشغيل.
مفارقة اقتصادية: تصدير الخام واستيراد مدخلات الإنتاج
يعكس هذا التحول نموذجاً اقتصادياً معقداً ومفارقة واضحة في قطاع الطاقة النيجيري. فالدولة، رغم كونها من كبار مصدري النفط الخام عالمياً، تجد نفسها في وضع تقوم فيه بتصدير مواردها الأولية بقيمة مليارات الدولارات، ثم تعود لاستيراد نفس المورد الخام لاستخدامه في عمليات التكرير المحلية.
وبذلك تنتقل نيجيريا من مرحلة استيراد المنتجات النفطية المكررة إلى مرحلة جديدة تقوم على استيراد النفط الخام كمادة أولية للتصنيع المحلي، وهو ما يثير تساؤلات جوهرية حول كفاءة إدارة الموارد وسلاسل القيمة المضافة في قطاع الطاقة.
تحذيرات من تحديات طويلة الأجل على الاستدامة الصناعية
يحذر خبراء الاقتصاد والطاقة من أن استمرار هذا الخلل الهيكلي قد ينعكس سلباً على الاستدامة الصناعية والسيادة الاقتصادية لنيجيريا. إذ تشير التحليلات إلى أن الاعتماد المتزايد على الاستيراد، رغم ضخامة الإنتاج المحلي، يعكس وجود فجوات في سياسات توزيع الخام، وضعف في التكامل بين قطاعي الإنتاج والتكرير، بالإضافة إلى قيود لوجستية وبنيوية.
ويرى هؤلاء أن غياب إصلاح شامل لآليات تخصيص النفط الخام محلياً، إلى جانب تطوير استراتيجية متكاملة تربط بين الإنتاج والتكرير، قد يؤدي إلى استمرار ما يُعرف بـ حلقة الاعتماد المزدوج، حيث يتم تصدير الخام ثم إعادة استيراده بشكل غير مباشر عبر سلاسل التكرير.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبقى نيجيريا أمام تحدٍ استراتيجي كبير يتمثل في إعادة ضبط توازنها بين كونها دولة مصدّرة للنفط الخام، وبين بناء منظومة تكرير محلية فعّالة قادرة على تقليل الاعتماد الخارجي وتعزيز القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني.
إقرأ المزيد :




