أخبار عاجلةالرأي

رامي زهدي يكتب : «زمن إفريقي جديد» .. لماذا تبدو قمة “إفريقيا إلى الأمام” مختلفة عن كل القمم الفرنسية الإفريقية السابقة؟

القمم الفرنسية الإفريقية عبر تاريخها لم تكن مجرد لقاءات سياسية عابرة بين باريس والعواصم الإفريقية، لكنها دائما ما جاءت في سياق تاريخي شديد التعقيد مرتبط بإرث استعماري واسع فرضت فرنسا من خلاله نفوذها المباشر أو غير المباشر على ما يقارب 25 دولة إفريقية، فضلا عن ثلاث دول أخرى خضعت للاحتلال البلجيكي لكنها ظلت ضمن الفضاء الفرانكوفوني والحليف التقليدي لباريس بحكم اللغة والتشابكات السياسية والثقافية والاقتصادية.

 بل إن الأمر لم يتوقف عند حدود التاريخ، إذ ما تزال أقاليم وجزر إفريقية مثل ريونيون ومايوت تخضع للسيادة الفرنسية حتى اليوم، إلى جانب جزر صغيرة أخرى تنتشر في المحيط الهندي وتحمل التبعية الإدارية لفرنسا، ومن ثم، فإن القمم الفرنسية الإفريقية لم تكن عبر العقود الماضية مجرد منصات للحوار الدبلوماسي، و انما مثلت أحد أهم أدوات إعادة إنتاج النفوذ السياسي والاقتصادي والثقافي الفرنسي داخل القارة، وصياغة شبكة معقدة من المصالح والتحالفات والتأثيرات العابرة للحدود.

غير أن قمة “إفريقيا إلى الأمام 2026” التي تستضيفها العاصمة الكينية نيروبي تبدو مختلفة بصورة لافتة، وكأنها تحاول للمرة الأولى إعادة تعريف الفلسفة ذاتها التي قامت عليها العلاقة الفرنسية الإفريقية منذ حقبة ما بعد الاستعمار.

 فالفارق هنا لا يتعلق فقط بمكان انعقاد القمة أو توقيتها أو طبيعة المشاركين فيها، بل يرتبط بتحول أعمق يمس بنية النظام الدولي، وتوازنات القوة داخل القارة الإفريقية، وصعود أجيال إفريقية جديدة لم تعد تقبل المعادلات التقليدية القديمة، ولم تعد تنظر إلى الشراكات الدولية بالمنطق ذاته الذي حكم العقود السابقة.

القمة مختلفة لأن انعقادها في كينيا يحمل دلالة سياسية تتجاوز الجغرافيا، فهذه هي المرة الأولى التي تنعقد فيها قمة فرنسية إفريقية بهذا الحجم في دولة أنجلوفونية بشرق إفريقيا، بعيدا عن المجال الفرانكوفوني التقليدي الذي شكل لعقود الامتداد الطبيعي للنفوذ الفرنسي، و هذه النقلة ليست تفصيلا بروتوكوليا، بل اعتراف ضمني بأن إفريقيا الجديدة لم تعد تدار عبر الخرائط اللغوية والتاريخية القديمة، وأن شرق القارة بات أحد أهم مراكز الثقل الاقتصادي والتكنولوجي والاستثماري في إفريقيا، خصوصا مع صعود نيروبي كمركز إقليمي للتمويل الرقمي والتكنولوجيا والاقتصاد الأخضر.

كما أن القمة مختلفة لأن باريس تدخلها وهي تدرك أن صورتها داخل إفريقيا تعرضت لهزة استراتيجية عنيفة خلال السنوات الأخيرة، فمنذ عام 2020 شهدت منطقة الساحل سلسلة انقلابات في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، انتهت بخروج القوات الفرنسية أو تقليص وجودها العسكري بشكل غير مسبوق، وفي المقابل تمددت قوى دولية وإقليمية أخرى داخل القارة، سواء روسيا عبر الأدوات الأمنية والعسكرية، أو الصين عبر الاقتصاد والبنية التحتية، أو تركيا والهند ودول الخليج عبر الاستثمار والتجارة واللوجستيات، فرنسا اليوم لا تتحرك من موقع القوة التقليدية، بل من موقع إعادة التموضع ومحاولة ترميم النفوذ.

القمة مختلفة أيضا لأن إفريقيا ذاتها تغيرت، القارة التي تضم اليوم أكثر من 1.5 مليار نسمة، ويتوقع أن يصل عدد سكانها إلى نحو 2.5 مليار بحلول 2050، لم تعد مجرد سوق للمواد الخام أو ساحة تنافس جيوسياسي، بل تحولت إلى أحد أهم مراكز النمو المستقبلي عالميا، إفريقيا تمتلك نحو 30% من الثروات المعدنية العالمية، وأكثر من 60% من الأراضي الزراعية غير المستغلة في العالم، ونحو 70% من احتياطات الكوبالت العالمية، إضافة إلى ثروات الليثيوم والمنجنيز والنحاس واليورانيوم والمعادن النادرة التي أصبحت العمود الفقري للاقتصاد الرقمي العالمي وصناعات الطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية.

والقمة مختلفة لأن جدول أعمالها يعكس للمرة الأولى تحولا من الخطاب السياسي التقليدي إلى خطاب الاقتصاد والتكنولوجيا والمناخ والطاقة والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، ففي الوقت الذي كانت فيه القمم السابقة تتمحور حول الأمن والهجرة ومكافحة الإرهاب، نجد أن قمة نيروبي تركز على الاقتصاد الأخضر، وتمويل المناخ، وربط الأسواق، والتحول الرقمي، والطاقة المتجددة، وريادة الأعمال، وسلاسل الإمداد العالمية. وهذه ليست مجرد عناوين براقة، بل اعتراف بأن معركة النفوذ في إفريقيا لم تعد تحسم بالسلاح فقط، وإنما بالبنية التحتية الرقمية والقدرة على التمويل ونقل التكنولوجيا.

كما أن القمة مختلفة لأنها تأتي في لحظة انهيار تدريجي لفكرة “الوصاية الدولية” على إفريقيا، الأجيال السياسية والاقتصادية الجديدة داخل القارة باتت أكثر حساسية تجاه مفاهيم السيادة الوطنية والاستقلال الاستراتيجي، وهناك مزاج إفريقي عام يرفض التبعية لأي قوة دولية، ويبحث عن شراكات متوازنة قائمة على المصالح المتبادلة لا على الإرث التاريخي أو الهيمنة الثقافية، ولهذا فإن الخطاب الفرنسي نفسه تغير، وأصبح يتحدث عن “الشراكة المتكافئة” بدلا من “الدور الفرنسي” في إفريقيا.

ومن أبرز أسباب اختلاف القمة أيضا أنها تنعقد في ظل إعادة تشكيل عميقة للاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد الدولية، العالم بعد جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية والأزمات الجيوسياسية المتلاحقة، بدأ يدرك خطورة الاعتماد على مراكز إنتاج محدودة، وهنا برزت إفريقيا كخيار استراتيجي جديد للصناعة والطاقة والمواد الخام والأسواق الاستهلاكية، القارة التي يتجاوز حجم ناتجها المحلي الإجمالي 3 تريليونات دولار، وتمتلك واحدة من أسرع نسب التحضر والنمو السكاني عالميا، أصبحت تمثل “المخزون الاستراتيجي” للاقتصاد الدولي خلال العقود القادمة.

القمة مختلفة كذلك بسبب الحضور المصري اللافت والمهم داخل المشهد الإفريقي الحالي، مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي لا يمكن قراءتها فقط باعتبارها مشاركة في قمة دولية، بل باعتبارها انعكاسا لمكانة مصر المتصاعدة داخل القارة خلال السنوات الأخيرة، فالقاهرة نجحت في إعادة بناء حضورها الإفريقي سياسيا واقتصاديا وتنمويا بصورة غير مسبوقة، سواء عبر مشروعات البنية التحتية، أو الربط الكهربائي، أو التعاون الصحي والتعليمي، أو دعم جهود السلم والأمن، أو تعزيز التكامل القاري.

الأهم أن مصر تقدم اليوم نموذجا مختلفا في التعامل مع إفريقيا، يقوم على مفهوم “الشراكة التنموية” لا “الهيمنة الاقتصادية”، ومن هنا تبدو القاهرة أحد أكثر الأطراف قدرة على فهم التحولات الإفريقية الجديدة، خصوصا أن مصر تتحرك داخل القارة بمنطق الدولة الإفريقية الكبرى ذات الامتداد الحضاري والتاريخي والإنساني، وليس بمنطق القوة الخارجية الباحثة عن النفوذ فقط.

كما أن القمة مختلفة لأنها تعقد بينما تشهد القارة واحدة من أكبر موجات التحول الاقتصادي المؤسسي في تاريخها الحديث، مع بدء تفعيل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية AfCFTA، التي تضم 54 دولة ويعيش داخلها أكثر من 1.3 مليار نسمة، بإجمالي ناتج يتجاوز 3.4 تريليون دولار، وهذه المنطقة تمثل أكبر سوق حرة في العالم من حيث عدد الدول المشاركة، وهي تعيد رسم خريطة التجارة والاستثمار والنقل والإنتاج داخل إفريقيا بالكامل، وبالتالي فإن أي قوة دولية تريد الاحتفاظ بموقعها داخل القارة، بات عليها أن تفهم إفريقيا باعتبارها كتلة اقتصادية موحدة لا مجرد أسواق منفصلة.

القمة مختلفة أيضا لأن ملف الطاقة بات في قلب الحسابات الدولية تجاه إفريقيا، فالقارة تمتلك نحو 40% من احتياطات الطاقة الشمسية العالمية، إضافة إلى إمكانات هائلة في الغاز الطبيعي والهيدروجين الأخضر والطاقة الكهرومائية، وأوروبا التي تواجه تحديات متزايدة في أمن الطاقة، تنظر اليوم إلى إفريقيا باعتبارها شريكا استراتيجيا حاسما في معادلة الطاقة المستقبلية، ومن هنا يصبح مفهوما لماذا تحاول فرنسا إعادة التموضع داخل إفريقيا عبر بوابة الاقتصاد الأخضر والطاقة النظيفة والاستثمارات المستدامة.

ومن الأسباب الجوهرية التي تجعل القمة مختلفة أنها تأتي في ظل صعود غير مسبوق للدبلوماسية الاقتصادية كأداة نفوذ رئيسية داخل القارة، لم تعد السفارات وحدها هي التي تدير العلاقات الدولية، بل أصبحت الشركات العابرة للقارات، والبنوك، وصناديق الاستثمار، ومؤسسات التمويل الدولية، وشركات التكنولوجيا والطاقة، جزءا أساسيا من هندسة النفوذ داخل إفريقيا، ولهذا فإن الحضور الكثيف للقطاع الخاص ورواد الأعمال والمؤسسات الاقتصادية في القمة يحمل دلالة أكبر من مجرد المشاركة الشكلية.

وربما يكون الفارق الأهم أن إفريقيا نفسها لم تعد تنتظر من يكتب مستقبلها نيابة عنها، هناك وعي إفريقي متصاعد بأن القرن الحادي والعشرين قد يكون “القرن الإفريقي” إذا نجحت القارة في إدارة مواردها وصراعاتها وشراكاتها الدولية بصورة أكثر استقلالا واحترافية، ومن هنا تبدو قمة نيروبي وكأنها ليست فقط محاولة فرنسية لإعادة صياغة العلاقة مع إفريقيا، بل اختبار حقيقي لقدرة القارة ذاتها على فرض شروطها وأولوياتها ورؤيتها للمستقبل.

قمة “إفريقيا إلى الأمام” في نيروبي قد لا تنهي كل تعقيدات العلاقة بين فرنسا والقارة الإفريقية، لكنها بالتأكيد تعكس بداية مرحلة جديدة مختلفة في الشكل والمضمون والحسابات، مرحلة لم تعد فيها إفريقيا مجرد ساحة نفوذ دولي، بل تحولت إلى لاعب رئيسي في تشكيل الاقتصاد والسياسة والطاقة والأمن العالمي، وربما لهذا السبب تحديدا تبدو نيروبي 2026 مختلفة، ليس فقط لأنها قمة فرنسية إفريقية جديدة، وإنما لأنها تعقد في زمن إفريقي جديد بالكامل.

 

اقرأ المزيد 

وزيرا خارجية مصر وجيبوتي يبحثان تطورات الأوضاع في القرن الأفريقي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى