الدكتور حسين عبد البصير يكتب : كنيسة سانت كاترين بالإسكندرية… عندما تتحدث الحجارة بلغة الحضارات
ليست الكنائس مجرد أماكن للصلاة، كما أن المعابد ليست مجرد أحجار، والمساجد ليست مجرد قباب ومآذن. فالمباني العظيمة هي مرايا للحضارات، تختزن في جدرانها ذاكرة الشعوب، وتحفظ بين أعمدتها قصص البشر، وتروي للأجيال كيف يمكن للإيمان والفن والتاريخ أن يتحدوا في عمل خالد.
في قلب الإسكندرية، المدينة التي لم تعرف يومًا معنى الانغلاق، تقف كنيسة سانت كاترين كأنها رسالة مفتوحة إلى العالم كله , إنها ليست مجرد كاتدرائية رومانية كاثوليكية، بل فصل من الرواية الكبرى التي كتبتها الإسكندرية عبر أكثر من ألفي عام، حين كانت عاصمة للثقافات والأديان والأفكار.
كلما اقتربت من واجهتها، شعرت أنك لا تدخل كنيسة، بل تدخل متحفًا حيًا للفنون الأوروبية وقد استقر على أرض مصر, الأعمدة الأيونية ترتفع في هدوء، والقديسون يراقبون المدينة من أماكنهم، والزخارف الكلاسيكية تعلن أن الجمال نفسه يمكن أن يكون صلاة.
لكن الحكاية لا تبدأ بالحجر، بل بالإنسان.
في القرن الخامس عشر، اختار الرهبان الفرنسيسكان هذا المكان ليكون بيتًا للعبادة. اندثرت الكنيسة الأولى، كما تندثر أشياء كثيرة في التاريخ، لكن الفكرة بقيت حية, ثم جاء محمد علي باشا عام 1832، ومنح الأرض للطائفة الرومانية الكاثوليكية لبناء كنيسة جديدة، في خطوة تعكس فهمًا عميقًا لمعنى الدولة الحديثة التي تتسع لجميع أبنائها وزائريها.
حتى عندما انهار البناء أثناء التشييد، لم يتوقف العمل. وكأن القدر أراد أن يختبر إرادة البنائين قبل أن يمنحهم الخلود. وعندما اكتمل البناء، خرجت إلى النور واحدة من أجمل الكنائس في مصر وأكثرها ثراءً في عناصرها المعمارية والفنية.
داخل الكنيسة يبدأ عالم آخر.
الصحن الواسع يقود الزائر نحو المذبح كما تقود الرواية قارئها نحو ذروتها. القباب المزخرفة، والأيقونات، والفسيفساء، والرخام، والخشب المنحوت، كلها لا تتنافس فيما بينها، بل تعزف سيمفونية بصرية تجعل الفن نفسه نوعًا من العبادة.
وتحتفظ الكنيسة باسم القديسة كاترين، الفتاة السكندرية التي واجهت إمبراطورًا ولم تتخل عن قناعتها. لقد استشهدت في الإسكندرية، لكنها لم تغادرها أبدًا، إذ بقي اسمها يزين هذه الكنيسة، لتصبح رمزًا للشجاعة الفكرية قبل أن تكون رمزًا دينيًا.
ومن أجمل مفارقات التاريخ أن الكنيسة لا تحكي قصة المسيحيين وحدهم، بل تحكي قصة الإسكندرية نفسها؛ المدينة التي كانت تفتح أبوابها للقادمين من إيطاليا وفرنسا واليونان وبلاد الشام ومالطا، فيعيش الجميع تحت سماء واحدة، ويتشاركون الميناء والأسواق والجامعات ودور العبادة.
ولهذا لم يكن غريبًا أن تضم الكنيسة رفات آخر ملوك إيطاليا، الملك فيكتور عمانويل الثالث، الذي انتهت رحلته في هذه المدينة المتوسطية الفريدة. فالإسكندرية كانت دائمًا مدينة تستقبل الملوك كما تستقبل الفقراء، وتمنح الجميع مكانًا في ذاكرتها.
وعندما أنظر إلى برج الكنيسة الشاهق، لا أراه مجرد برج للأجراس، بل أراه منارة أخرى من منارات الإسكندرية. فكما أضاءت مكتبة الإسكندرية القديمة عقول البشر، وكما أرشدت منارة الإسكندرية السفن إلى الميناء، ظل هذا البرج يذكر الناس بأن الحضارة لا تقوم بالحجارة وحدها، بل بالتسامح واحترام الاختلاف.
إن القيمة الحقيقية لكنيسة سانت كاترين لا تكمن في زخارفها أو ارتفاع برجها أو جمال أعمدتها، بل في الرسالة التي تحملها. إنها تقول إن مصر كانت، وما زالت، أرضًا قادرة على احتضان التنوع، وإن الإسكندرية لم تكن مدينة للمصريين وحدهم، بل كانت مدينة للعالم.
واليوم، ونحن نعيد اكتشاف تراثنا، لا ينبغي أن ننظر إلى هذه الكنيسة باعتبارها أثرًا دينيًا فقط، بل باعتبارها جزءًا أصيلًا من الهوية المصرية الحديثة، وشاهدًا على عصر كانت فيه الإسكندرية نموذجًا عالميًا للتعايش، قبل أن يصبح هذا المفهوم شعارًا تتبناه المؤسسات الدولية.
هكذا تبقى كنيسة سانت كاترين أكثر من مبنى أثري، وأكثر من تحفة معمارية، وأكثر من مكان للعبادة.
إنها شهادة من الحجر على أن الحضارات العظيمة لا تُبنى بالقوة، بل بالإنسان… وأن الإسكندرية كانت، وستظل، مدينةً تتحدث إلى العالم كله بلغة الجمال.


إقرأ المزيد :
الدكتور حسين عبد البصير يكتب : حين يتكلم الحجر.. كيف تروي آثار مصر قصة الإنسانية؟




