أخبار عاجلةالرأي

السفير عبد المحمود عبد الحليم يكتب : تهديفات على مرمى المونديال

…كان لافتاً للآلاف الذين شهدوا مباراة ختام المونديال من داخل الاستاد بنيوجيرسى 

والملايين الذين تابعوها حول العالم أثناء دخول اللاعبين للملعب مصطحبين أطفالا رؤيتهم لنجم الأرجنتين العالمى ليونيل ميسي ممسكاً بيد طفل أسود البشرة فيما بدأ كرد على الحملة التى تصاعدت مؤخرا ضد ذلك البلد ودمغته بعنصرية بغيضة على خلفية أن الأرجنتين وإسرائيل والولايات المتحدة هى الدول الثلاث التى صوتت فى مارس الماضى ضد مشروع قرار أمام الجمعية العامة للأمم للامم المتحدة يدين ما حدث من استرقاق للأفارقة وتجارة لهم عبر الأطلنطي كأفدح الجرائم ضد الإنسانية ، علاوة على مقال كبير لصحيفة القارديان البريطانية استعرض نظرة الأرجنتين لنفسها ككيان أوروبي وسياسة التبييض التى مارستها بصورة ممنهجة لافناء الأفارقة من سكانها الذين كانوا يشكلون نسبة مقدرة من سكانها .

و كانت مباراة إنجلترا والأرجنتين سانحة للتذكير بحرب الفوكلاند والهزيمة الساحقة التى منيت بها الأرجنتين وهو الفريق الذى لا يضم فى صفوفه نجوماً ملونين على عكس منتخبات فرنسا و إنجلترا التى يعكس تشكيلها وتشكلها انفتاحا وتسامحاً وتعددية ثقافية ،وعلى الرغم من أن لوائح الفيفا تحرم الخلط بين الرياضة والسياسة إلا أن الأخيرة ظللت تتسلل إلى الملاعب الرياضية على النحو الذى عكسته العديد من المنافسات السابقة لكأس العالم من تضامن مع فلسطين ، وما قام به لاعبان ألبان مع منتخب سويسرا من رفع لشعار النسر الألبان عقب إحرازهما لهدفين فى مرمى صربيا إبان مونديال روسيا عام ٢٠١٨ .

انتهت المباراة مع صافرة الحكم السلوفينى وتم تسليم الكأس لمنتخب إسبانيا الذى حظى باستقبال أسطورى ببلاده ولا يزال الحديث مستمراً حول الجوانب السالبة والموجبة التى حفلت بها دورة المونديال ٢٠٢٦ والتى شهدت لأول مرة مشاركة ٤٨ منتخبا “وتنظيم ثلاث دول شملت المكسيك وكندا إلى جانب الولايات المتحدة فكانت الأضخم دخلا وموارد وجوائز إلا أنها حفلت بسلبيات أهمها تدخلات الولايات المتحدة فى المسائل الفنية مثل قضية لاعبهم الموقوف ،وإبعاد الحكم الصومالى ومنعه من الدخول والمشاركة وفظاظة تعامل سلطاتها مع بعض البعثات عند الوصول ،وهو حديث سيتصل لحين بلوغ المونديال القادم عام ٢٠٣٠ والذى ستنظمه أيضا ثلاث دول هى المغرب والبرتغال وإسبانيا والذى يصادف الذكرى المئوية لمنافسات كأس العالم حيث سيتم الاحتفاء بالمناسبة بإقامة ثلاث مباريات استهلالية بارقواى وبراقواى والأرجنتين قبل أن ينتقل هذا المهرجان الكروى فى نسخة عام ٢٠٣٤ التالية للمملكة العربية السعودية .

منذ أن أتقن الإنجليز صناعتها ونظمها وشهدت ممارستها انتشاراً بمدارسهم عام ١٧١٠ وإنشاء الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم بها عام ١٨٦٣ وإقامة أول مباراة دولية فى التاريخ عام ١٨٧٢ بين إنجلترا واسكتلندا بقلاسقو ملأت الساحرة المستديرة الدنيا وشغلت الناس خاصة بعد إنشاء الاتحاد الدولى لكرة القدم “الفيفا ” فى مايو عام ١٩٠٤ بباريس بآباء مؤسسين سبعة هم فرنسا ، بلجيكا  الدنمارك , هولندا ، إسبانيا السويد وسويسرا ، واستطاع الاتحاد برئاسة الفرنسى جول ريميه الذى يسمى كأس العالم بإسمه أحيانا تنظيم أول منافسة دولية بالارقواى التى فازت بها عام ١٩٣٠ بمشاركة ١٣ منتخباً ٧ منها من أمريكا الجنوبية و٤ منتخبات أوروبية وإثنان من أمريكا الشمالية.

منذ ذلك الحين توسعت عضوية الفيفا وتضخمت امبراطوريتها فبلغت ٢١١ عضوا متجاوزة عضوية الأمم المتحدة البالغة ١٩٣ ، وتضم عضوية الفيفا مناطق حكم ذاتى وجزر وكيانات لا تعترف بها الأمم المتحدة مثل تايوان و أقاليم تابعة للصين مثل هونغ كونغ كما أن المملكة المتحدة ممثلة بالفيفا بأربعة منتخبات هى إنجلترا ، وويلز واسكتلندا وأيرلندا الشمالية ، وربما سمع الكثير من الناس و لأول مرة باسم كوراساو فى مونديال ٢٠٢٦ وهى جزيرة بجنوب البحر الكاريبي تتبع لمملكة هولندا وقد خسرت من المانيا وكوت ديفوار وتعادلت مع الأكوادور ، وقد كانت كوراساو نقطة هروب فنزويليين عبرها للخارج إثر الأحداث الأخيرة بها.. وأعادت إلى الأذهان أن بعض القوى الغربية لا يزال لها وجود وراء البحار مثل فرنسا بجزيرة مايوت ، كبرى جزر جمهورية جزر القمر الإسلامية ، التى صوت سكانها للبقاء مع فرنسا ، علاوة على وجودها بجزيرة لارينيون.

وقد تساءل البعض عن مشاركة بلدان وجزر قد يصعب على الكثيرين تحديد مواقعها على خريطة العالم وغياب دول مثل الصين والهند رغم أن الاخيرة مثلا كانت أهم مستعمرات التاج البريطانى، وقد كانت أقرب أسباب عدم الترويج الكافى لكرة القدم وقتها أن الإدارة البريطانية رأت أن الكريكت يلامس أمزجة ورغبات علية القوم والطبقات العليا فركزت عليها، وربما أخافها المد الجماهيرى الذى تخلقه كرة القدم ، ولا أرى دقة فى الأسباب التى تشير إلى أن من أسباب عدم بروز الهند كقطب كروى عالمى إصرار الهند على شعوذة اللعبة وطلبها أن لا يرتدى منتخبها أحذية بل ياتون حفاة علما بأنها تأهلت عام ١٩٥٠ ولم تشارك .

اما الصين فقد ركزت فى الماضى على الألعاب الأولمبية الفردية وسجلت نجاحات عالمية ، وهنالك اهتمام أيضا حالياً بتطوير كرة القدم ، ولا تقل شهرة نجم الكريكت الهندى تندولكار والباكستانى عمران خان الذى أصبح رئيساً للوزراء فى باكستان وقاد منتخب بلاده من قبل للفوز بكأس العالم للكريكت عن شهرة ليونيل ميسى وكليان امبابى فى كرة القدم ، و فى مجال خفض التوترات فى علاقات الهند وباكستان تلعب الكريكت عادة ذات الدور الذى لعبته دبلوماسية البنق بونق فى مجال العلاقات الصينية الأمريكية.

المفكر السياسي بجامعة هارفارد وصاحب نظرية القوة الناعمة جوزيف ناى أسهب فى كتابه ” القوة الناعمة ” عن نجاعة كسب القلوب والعقول عبر استخدام القوة الناعمة عوضاً عن القوة والإكراه ، وتعد الرياضة عنصرا حيويا وأساسيا من عناصر تلك القوة إلى جانب الثقافة والموسيقى والأدب ، وروج أن حوار الالآت الموسيقية أكثر وقعا من تبادل أدوات الدمار الشامل .

وقد تباينت الآراء حول مدى نجاح الولايات المتحدة فى كسب القلوب خاصة وقد أتت إلى المونديال بذهن شتتهه حروبها الشرق أوسطية وسعيها لاختراق دفاعات مضيق هرمز فأبانت غلظة وتدخلات سياسية فى المسائل الفنية.

وفى الوقت الذى بدأت فيه المضيفات الجويات فى شرح إجراءات السلامة للوفود العائدة فإن لاعبا واحدا لن يغادر خوفا على حياته بعد تهديدات بالقتل تلقاها إن فعل ذلك وهو مهاجم منتخب كولومبيا كامباز لاضاعته هدفا مضمونا فى مباراة منتخب بلاده ضد سويسرا ، وأعاد ذلك إلي الأذهان اغتيال مدافع كولومبيا أندريس اسكوبار بعد عودة المنتخب بسبب إدخاله هدفا فى مرماه فى مباراة كولومبيا والولايات المتحدة فى مونديال ١٩٩٤ الذى استضافته الولايات المتحدة بباسدينا / كاليفورنيا.

فى مجال القوة الناعمة يفخر السودان بافشاء وتعزيز دور الرياضة فى محاربة الفصل العنصرى عندما تم إبعاد منتخب نظام جنوب إفريقيا عن المشاركة فى أول بطولة للكاف بالخرطوم عام ١٩٥٧ الذى شهد انشاء الاتحاد الاتحاد الأفريقى لكرة القدم .

نبارك لإسبانيا الفور المستحق وهو فوز للتميز والتنوع والهمة العالية… لم تلج كرة مهاجم إسبانيا ‘ توريس’ شباك الأرجنتين مستثمراً كرة وليامز فحسب بل استعادت وهجاً أضاء شبه جزيرة ايبيريا بكاملها.. كانت فتحاّ لعمورية أخرى سيفها أصدق أنباء من الكتب.

طالع أيضاً : 

الأهلي يعلن رسمياً إنهاء التعاقد مع تريزيجيه بالتراضي

زر الذهاب إلى الأعلى