الرأي

السفير دكتور محمد حجازي يكتب : مينا هاوس 1943… حين رسمت القاهرة ملامح آسيا بعد الحرب العالمية الثانية

إعلان القاهرة الذي وُلد عند سفح الأهرامات لا يزال حاضراً في الجدل الدولي حول تايوان وكوريا والنظام الآسيوي حتى اليوم

“لم يقرر مؤتمر القاهرة تقسيم كوريا، ولم يحسم الجدل القانوني حول تايوان، لكنه وضع المبادئ السياسية التي ما زالت تحكم النقاش الدولي حول القضيتين بعد أكثر من ثمانين عاماً.”

 

في نوفمبر عام 1943، وبينما كانت الحرب العالمية الثانية تقترب من نقطة تحول حاسمة، لم تكن القاهرة مجرد عاصمة لدولة تقع في قلب الشرق الأوسط، بل كانت مركزاً لصناعة القرار الدولي. ففي فندق مينا هاوس، المطل على أهرامات الجيزة، اجتمع ثلاثة من أبرز قادة الحلفاء، الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، والرئيس الصيني تشيانغ كاي شيك، لبحث مستقبل الحرب في آسيا ورسم ملامح النظام الإقليمي الذي سيولد بعد هزيمة اليابان. ومن هذا الاجتماع خرج «إعلان القاهرة»، الذي لم يكن مجرد بيان سياسي مرتبط بظروف الحرب، بل أصبح إحدى الوثائق المرجعية التي ما زالت تلقي بظلالها على السياسة الدولية حتى يومنا هذا.

لم يكن اختيار القاهرة لاستضافة هذا المؤتمر قراراً بروتوكولياً، وإنما جاء نتيجة لموقعها الاستراتيجي الذي جعلها مركز قيادة عمليات الحلفاء في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بعد أن أثبتت معركة العلمين أهمية المسرح المصري في تغيير موازين الحرب، كما كانت القاهرة تتمتع باستقرار سياسي وأمني يسمح باستضافة لقاء على هذا المستوى، إضافة إلى ما تمثله مصر من نقطة التقاء بين الشرق والغرب، وهو ما منح المؤتمر بعداً سياسياً يتجاوز الاعتبارات العسكرية المباشرة.

وكان فندق مينا هاوس، الذي شُيد في القرن التاسع عشر عند سفح الأهرامات، أكثر من مجرد مقر لاجتماعات القادة، فقد تحول إلى شاهد على لحظة مفصلية في التاريخ العالمي، حين اجتمعت فيه إرادة القوى الكبرى لرسم مستقبل آسيا، في مشهد جمع بين عظمة المكان ورمزية الحدث، وبين حضارة تمتد لآلاف السنين وقرارات ستؤثر في مصير شعوب لعقود طويلة.

جاء مؤتمر القاهرة في مرحلة كانت فيها قوات الحلفاء قد بدأت تستعيد زمام المبادرة في الحرب، بينما أخذت الإمبراطورية اليابانية تتراجع تدريجياً تحت وطأة العمليات العسكرية في المحيط الهادئ. وأدرك قادة الحلفاء أن الانتصار العسكري وحده لن يكون كافياً، وأن من الضروري الاتفاق على المبادئ التي ستحكم شرق آسيا بعد انتهاء الحرب، بما يضمن عدم تكرار السياسات التوسعية التي قادت إلى الصراع.

ومن هنا صدر إعلان القاهرة، الذي أكد أن هدف الحلفاء ليس احتلال أراضٍ جديدة أو تحقيق مكاسب استعمارية، وإنما إنهاء الإمبراطورية اليابانية وإعادة الأراضي التي استولت عليها إلى أصحابها. ونص الإعلان على إعادة منشوريا وفورموزا، التي تعرف اليوم بتايوان، وجزر بيسكادور إلى جمهورية الصين، كما تعهد بأن تصبح كوريا «حرة ومستقلة في الوقت المناسب»، وهي العبارة التي أصبحت لاحقاً محوراً لكثير من النقاشات التاريخية والقانونية.

ورغم أن إعلان القاهرة لم يكن معاهدة دولية بالمعنى القانوني، بل بياناً سياسياً مشتركاً، فإنه اكتسب أهمية استثنائية بعدما أُعيد التأكيد على مبادئه في إعلان بوتسدام عام 1945، الذي حدد شروط استسلام اليابان، فأصبح جزءاً من الإطار السياسي الذي استندت إليه ترتيبات ما بعد الحرب في آسيا. ومن ثم، تحول إلى وثيقة مرجعية في العلاقات الدولية، رغم استمرار الجدل بين فقهاء القانون الدولي حول مدى إلزاميته القانونية.

وتبقى قضية تايوان أبرز الملفات التي ما زالت ترتبط مباشرة بإعلان القاهرة. فقد كانت الجزيرة خاضعة للسيطرة اليابانية منذ عام 1895، عندما انتقلت إلى اليابان بموجب معاهدة شيمونوسيكي. وعندما صدر إعلان القاهرة، أكد الحلفاء أن فورموزا ستعود إلى جمهورية الصين، وهو ما تم بالفعل بعد استسلام اليابان عام 1945، حيث تسلمت الحكومة الصينية إدارة الجزيرة.

غير أن التطورات التي شهدتها الصين بعد ذلك غيّرت المشهد بالكامل. فقد انتهت الحرب الأهلية الصينية بقيام جمهورية الصين الشعبية في بكين عام 1949، بينما انتقلت حكومة جمهورية الصين إلى جزيرة تايوان، لتنشأ واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في النظام الدولي المعاصر. ولا تزال بكين حتى اليوم تستند إلى إعلان القاهرة باعتباره دليلاً سياسياً على الاعتراف الدولي بعودة تايوان إلى الصين، في حين ترى أطراف أخرى أن الإعلان لم يكن معاهدة ملزمة، وأن الوضع القانوني النهائي للجزيرة لم يُحسم بصورة قاطعة في الاتفاقات اللاحقة. وهكذا، بقي إعلان صدر في القاهرة قبل أكثر من ثمانين عاماً حاضراً في قلب التنافس الاستراتيجي في منطقة الإندو ـ باسيفيك.

أما القضية الكورية، فتقدم مثالاً آخر على تأثير إعلان القاهرة في تشكيل النظام الآسيوي. فقد كانت كوريا منذ عام 1910 خاضعة للاحتلال الياباني، ولذلك حرص الإعلان على النص صراحة على أن تصبح «حرة ومستقلة في الوقت المناسب». ولم يكن المقصود آنذاك تقسيم شبه الجزيرة أو إنشاء دولتين، بل كان الهدف إنهاء السيطرة اليابانية وتمكين الشعب الكوري من استعادة استقلاله.

غير أن التطورات الدولية بعد انتهاء الحرب اتخذت مساراً مختلفاً. فقد أدى التنافس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي إلى تقسيم شبه الجزيرة الكورية على طول خط العرض الثامن والثلاثين، ثم إلى قيام جمهورية كوريا في الجنوب وجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية في الشمال، قبل أن تنفجر الحرب الكورية عام 1950، لتصبح أول مواجهة عسكرية كبرى في الحرب الباردة. ومن ثم، فإن مؤتمر القاهرة لم يكن نقطة انطلاق لتقسيم كوريا، وإنما وضع الأساس السياسي لتحريرها، بينما جاء الانقسام نتيجة للتوازنات الدولية التي أعقبت انتهاء الحرب العالمية الثانية.

وتكشف تجربتا تايوان وكوريا حقيقة جوهرية في تطور النظام الدولي، وهي أن الاتفاق على المبادئ العامة لا يعني بالضرورة الاتفاق على آليات التنفيذ. فكثيراً ما تنجح الدبلوماسية في الوصول إلى صيغ توافقية تترك بعض القضايا مفتوحة، حفاظاً على وحدة المواقف بين القوى الكبرى، غير أن هذه الصيغ نفسها تتحول مع مرور الزمن إلى مصدر لتفسيرات متباينة وصراعات سياسية وقانونية، عندما تتغير موازين القوى وتبرز أولويات جديدة.

ولعل القيمة الحقيقية لإعلان القاهرة لا تكمن فقط في نصوصه، وإنما في كونه عكس بداية الانتقال من نظام دولي تحكمه الإمبراطوريات الاستعمارية إلى نظام جديد يقوم على إعادة ترتيب العلاقات الدولية بعد الحرب، كما أنه أسهم في ترسيخ مبدأ رفض الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وهو المبدأ الذي أصبح لاحقاً أحد الأسس التي قام عليها ميثاق الأمم المتحدة.

ويبقى فندق مينا هاوس شاهداً على تلك اللحظة التاريخية الاستثنائية. فعند سفح الأهرامات، رمز الحضارة المصرية الخالدة، اجتمع قادة العالم لرسم مستقبل قارة بأكملها، في مشهد يؤكد المكانة التي احتلتها القاهرة في الدبلوماسية الدولية خلال القرن العشرين. ولم تكن مصر في ذلك الوقت مجرد دولة تستضيف مؤتمراً دولياً، بل كانت طرفاً فاعلاً في البيئة الاستراتيجية التي انطلقت منها ترتيبات ما بعد الحرب.

وبعد أكثر من ثمانين عاماً، لا يزال مؤتمر القاهرة وإعلانه يمثلان جزءاً من الذاكرة السياسية للعالم، كما يذكران بأن القاهرة كانت إحدى العواصم التي ساهمت في صياغة النظام الدولي الحديث. وفي وقت يشهد فيه العالم تصاعد التنافس بين القوى الكبرى في آسيا، واستمرار التوتر حول تايوان، وبقاء الانقسام في شبه الجزيرة الكورية، تبدو العودة إلى مؤتمر القاهرة عام 1943 ضرورة لفهم جذور كثير من أزمات الحاضر. فالتاريخ لا ينتهي بانتهاء الحروب، بل يظل حاضراً في الوثائق التي أرست قواعد النظام الدولي، وفي المدن التي شهدت ميلاد تلك الوثائق، وكانت القاهرة، ومينا هاوس على وجه الخصوص، أحد أهم هذه الشواهد الخالدة.

* السفير الدكتور محمد حجازي ..مساعد وزير الخارجية الأسبق .. عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية

طالع أيضاً 

وزيرا خارجية مصر وجيبوتي يبحثان تطورات الأوضاع في القرن الأفريقي

زر الذهاب إلى الأعلى