أخبار عاجلةالرأيرياضة

يوسف العومي يكتب : محمد صلاح.. كيف اشترت طرابزون مستقبلها السياحي والاقتصادي بصفقة واحدة؟

لم يكن تعاقد نادي طرابزون سبور التركي مع النجم المصري العالمي محمد صلاح مجرد صفقة رياضية تهدف إلى الفوز بمباريات أو المنافسة على لقب الدوري التركي، بل كان مشروعًا اقتصاديًا وتسويقيًا وسياحيًا متكاملًا، ربما يعد أحد أذكى الاستثمارات الرياضية التي شهدتها تركيا خلال السنوات الأخيرة، والأتراك ليسوا سُذّجًا في التجارة والتسويق، بل يجيدون حساب المكاسب بعقلية استثمارية ذكية. وإذا كانوا قد دفعوا مبالغ كبيرة في محمد صلاح، فبالتأكيد يرون وراء الصفقة أهدافًا اقتصادية وسياحية وتسويقية تتجاوز كرة القدم نفسها.

ففي عالم اليوم لم تعد الأندية الكبرى تتعاقد مع النجوم من أجل تسجيل الأهداف فقط، وإنما لشراء التأثير والنفوذ الجماهيري والانتشار الإعلامي والقوة التسويقية. واللاعبون من طراز محمد صلاح أصبحوا علامات تجارية عالمية تتجاوز قيمتها حدود المستطيل الأخضر، ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا تعاقد طرابزون سبور مع محمد صلاح؟ بل: كم ستربح مدينة طرابزون وتركيا من محمد صلاح؟

وعندما أعلن النادي التركي ضم محمد صلاح، لم يكن يستقبل لاعبًا فقط، بل كان يستقبل مئات الملايين من المتابعين حول العالم، صلاح يعد أحد أكثر الرياضيين العرب والأفارقة شهرة وتأثيرًا، ويحظى بمتابعة ضخمة تمتد من الخليج ومصر وشمال أفريقيا إلى أوروبا وآسيا، ومنذ اللحظة الأولى للإعلان عن الصفقة، تصدر اسم طرابزون عناوين الصحف العالمية والمنصات الرياضية والاقتصادية والسياحية، وتحولت المدينة الواقعة على ساحل البحر الأسود إلى حديث وسائل الإعلام الدولية.

لقد حصلت المدينة على دعاية عالمية يصعب شراء ما يماثلها حتى بمئات الملايين من الدولارات، والمؤشرات الأولى تؤكد أن إدارة النادي كانت تعرف جيدًا ما تفعله، فبعد الإعلان عن الصفقة شهدت حسابات النادي طفرة هائلة في عدد المتابعين، وتحدثت تقارير إعلامية عن وصول إجمالي متابعي النادي عبر مختلف المنصات إلى ملايين المتابعين الجدد خلال أيام قليلة، بينما ارتفع الاهتمام العالمي باسم النادي بصورة غير مسبوقة.

وتشير تقارير متعددة إلى أن مبيعات التذاكر الموسمية والمنتجات الرسمية ارتفعت بصورة هائلة فور وصول صلاح، فيما تحدثت مصادر إعلامية عن تحقيق إيرادات تقارب 13 مليون يورو خلال فترة قصيرة من بيع التذاكر والقمصان والمنتجات المرتبطة بالنجم المصري، كما أكدت تقارير صحفية أن النادي حقق مبيعات ضخمة للتذاكر الموسمية خلال الساعات الأولى، بينما قفز الطلب على القمصان والمنتجات الرسمية إلى مستويات غير مسبوقة، هذه الأرقام وحدها تكشف أن الصفقة بدأت في استرداد جزء مهم من تكلفتها قبل أن يلمس صلاح الكرة لأول مرة بقميص فريقه الجديد.

لكن المكاسب الحقيقية لا تتوقف عند خزائن النادي، فطرابزون ليست مجرد مدينة كرة قدم، بل تعد واحدة من أهم الوجهات السياحية التركية وأكثرها جذبًا للسياح العرب، وتتميز المدينة بطبيعتها الساحرة وبحيرة أوزنجول الشهيرة ومرتفعات السلطان مراد ودير سوميلا التاريخي ومئات المواقع الطبيعية التي جعلتها خلال العقد الأخير من أكثر المدن التركية استقطابًا للزوار الخليجيين والعرب، واليوم يضيف محمد صلاح عنصر جذب جديدًا لا يقل أهمية عن الطبيعة نفسها.

فمن المتوقع أن تشهد المدينة ارتفاعًا ملحوظًا في أعداد الزوار الأجانب والمصريين والعرب الراغبين في مشاهدة مباريات النجم المصري أو زيارة المدينة التي أصبح يقيم فيها، ولن يكون المستفيد هو النادي فقط، بل الفنادق وشركات الطيران والمطاعم والمقاهي وشركات النقل والأسواق التجارية ومراكز التسوق، فكل سائح إضافي يعني إنفاقًا إضافيًا داخل الاقتصاد المحلي.

العالم عرف خلال العقود الأخيرة مفهوم “السياحة الرياضية”، وهو أحد أسرع القطاعات نموًا في صناعة السفر العالمية، فمدن مثل برشلونة ومدريد ومانشستر وليفربول استفادت لسنوات من نجوم كرة القدم في جذب ملايين الزوار.

واليوم تحاول طرابزون الاستفادة من النموذج نفسه، ووجود محمد صلاح يمنح المدينة فرصة ذهبية للتحول إلى مقصد للسياحة الرياضية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بل إن بعض شركات السياحة قد تبدأ قريبًا في تسويق برامج تجمع بين زيارة معالم طرابزون الطبيعية وحضور مباريات صلاح مع ناديه الجديد.

لماذا محمد صلاح تحديدًا؟ الإجابة بالتأكيد: لأن صلاح ليس مجرد لاعب مشهور، إنه رمز عربي وإسلامي وعالمي، ويمتلك صورة ذهنية إيجابية لدى ملايين الأسر العربية، ولهذا فإن تأثيره يتجاوز الرياضة إلى مجالات السياحة والاستثمار والتجارة والتسويق، وتدرك إدارة طرابزون سبور أن اسم محمد صلاح قادر على فتح أسواق جديدة للنادي في أوروبا وبالتحديد في إنجلترا ومصر والخليج وشمال أفريقيا، وهي أسواق لم يكن للنادي حضور قوي فيها من قبل.

وهناك من يرى أن هذه الصفقة قد تمثل نقطة تحول تاريخية في مستقبل النادي اقتصاديًا، فالإيرادات الجديدة الناتجة عن التذاكر والرعايات والمنتجات التجارية والانتشار الإعلامي قد تجعل طرابزون سبور أكثر قدرة على جذب المستثمرين والرعاة العالميين، وقد أشارت تقارير صحفية إلى أن العائدات التجارية المباشرة للصفقة جاءت سريعة للغاية، وأن الإدارة تتوقع مكاسب كبيرة من الرعايات والمنتجات المرتبطة باسم صلاح خلال الفترة المقبلة، بل إن بعض المحللين يرون أن النادي لا يراهن على أهداف صلاح فقط، وإنما على القيمة الاقتصادية الهائلة التي يجلبها معه أينما ذهب.

تركيا تفكر بعقل المستثمر

من الخطأ النظر إلى الصفقة باعتبارها مجرد إنفاق رياضي، فالأتراك أثبتوا خلال السنوات الماضية أنهم ينظرون إلى الرياضة باعتبارها صناعة اقتصادية متكاملة، والنجاح الحقيقي لأي صفقة لا يقاس فقط بعدد الأهداف المسجلة، وإنما بحجم العائد الاقتصادي الذي تحققه، من هذه الزاوية تبدو صفقة محمد صلاح أقرب إلى مشروع استثماري ضخم منها إلى تعاقد رياضي تقليدي.

والخلاصة:

إذا كان محمد صلاح سيسجل أهدافًا داخل الملعب، فإن تأثيره الحقيقي بدأ بالفعل خارج الملعب، ولهذا يمكن القول إن طرابزون سبور لم يشترِ لاعبًا فقط، لقد اشترى جمهورًا عالميًا، واشترى دعاية دولية مجانية، واشترى فرصة تاريخية لتحويل مدينة سياحية ناجحة إلى علامة عالمية أكثر حضورًا وتأثيرًا، وفي عالم اقتصاد الرياضة الحديث، قد تكون هذه هي الصفقة التي لم تربح بها طرابزون سبور لاعبًا فقط، بل ربحت بها مدينة بأكملها.

إقرا المزيد: 

محمد صلاح يشعل تركيا.. استقبال جماهيري حافل وترحيب بـ”الملك المصري” قبل انضمامه إلى طرابزون سبور

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى