أخبار عاجلةالرأي

السفير دكتور محمد حجازي يكتب : لقاء العلمين .. من التنسيق السياسي إلى بناء معادلة إقليمية جديدة

لقاء العلمين الذي جمع وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا، الدكتور بدر عبد العاطي والأمير فيصل بن فرحان والسيد هاكان فيدان، أراه لقاءً بالغ الأهمية، ليس فقط من زاوية العلاقات الثنائية بين الدول الثلاث، وإنما باعتباره تعبيراً عن حقيقة جديدة تتشكل في النظام الإقليمي.

وصف اللقاء بأنه «أخوي» يحمل دلالة مهمة؛ فالعلاقات المصرية السعودية والتركية شهدت خلال السنوات الأخيرة انتقالاً واضحاً من إدارة بعض نقاط الاختلاف إلى بناء مساحات متزايدة من التفاهم والتنسيق، خصوصاً في ظل الأزمات المتلاحقة التي تواجه المنطقة.

والأهم أن الدول الثلاث تمثل مراكز ثقل رئيسية في الشرق الأوسط: مصر بثقلها العربي والإفريقي وموقعها الجغرافي، والسعودية بثقلها العربي والخليجي والاقتصادي، وتركيا بثقلها الإقليمي والدولي وموقعها الاستراتيجي بين آسيا وأوروبا. وبالتالي فإن أي تقارب بينها يمكن أن تكون له انعكاسات تتجاوز حدود العلاقات الثلاثية.

وأعتقد أن هناك ثلاث رسائل استراتيجية يمكن قراءتها من لقاء العلمين:

أولاً: المنطقة تحتاج إلى تنسيق إقليمي من داخلها.

التطورات المتسارعة في غزة، والسودان، وليبيا، وأمن البحر الأحمر، وأمن الطاقة والممرات البحرية، تؤكد أن دول المنطقة لم يعد بإمكانها التعامل مع كل أزمة بصورة منفصلة. هناك ترابط متزايد بين هذه الملفات، وهو ما يفرض إنشاء آليات تشاور وتنسيق أكثر انتظاماً.

ثانياً: مصر والسعودية وتركيا يمكن أن تشكل نواة منظومة الامن والتعاون الاقليمي الجديد بالمنطقة.

والمستهدف بناء شبكة تعاون إقليمية قادرة على إدارة الأزمات، ومنع التصعيد، ودعم التسويات السياسية، وحماية سيادة الدول ووحدة أراضيها، والانتقال الي مأسسة هذا التعاون بسكرتارية مقيمة لها اذرع ولجان امنية وعسكرية وسياسية واقتصادية وتعمل علي تأمين مسارات الملاحة والطاقة، وإرساء قواعد التعايش من خلا مباديء مقاربة من مبادي إعلان هيلسنكي ١٩٧٥ بعدم الاعتداء واحترام السيادة الوطنية وعدم التدخل وإعمال الدبلوماسية والتفاوض وغيرها ، ومن الهام ان تدعو القاهرة لمؤتمر تدعو فية دول المنطقة لإطلاق وتبني هذا الإعلان

وكذلك إعلان قيام سكرتارية مقيمة للأمن والتعاون الإقليمي تضم اللجان المشار إليها ويدير لجانها خبراء يعرضون علي وزرائهم في مجلس وزاري يعد الذراع التنفيذي والذي بدورة يعرض علي قمة الروساء

وهنا تكتسب التطورات الأخيرة أهمية خاصة؛ فقد أكد الجانب التركي أن القاهرة وأنقرة تتجهان إلى اتخاذ إجراءات أكثر جدية بشأن غزة، كما برز التنسيق بشأن ليبيا والسودان، في حين يجري التشاور الأوسع بين مصر والسعودية وتركيا وباكستان حول قضايا الأمن والاستقرار الإقليمي

ثالثاً: نحن أمام فرصة للانتقال من “التنسيق في مواجهة الأزمات” إلى “بناء منظومة إقليمية للتعاون”.

وهذه هي النقطة الأهم، فالشرق الأوسط يحتاج اليوم إلى إطار أمني وسياسي جديد يقوم على الحوار، واحترام السيادة، وعدم استخدام القوة لتغيير الحدود، وحماية حرية الملاحة والممرات البحرية، وتسوية النزاعات بالوسائل السياسية، والتعاون في إعادة الإعمار والتنمية.

ومن هذا المنظور، فإن لقاء العلمين يمكن أن يكون جزءاً من مسار أوسع نحو هندسة إقليمية جديدة، يكون فيها لمصر والسعودية وتركيا دور محوري، بالتعاون مع الدول العربية والإقليمية الأخرى بحيث ينشأ شرق أوسط مبني علي مصالح دولة واستقرارها قائم علي التفاهم والنهوض والتمسك والشراكة والاحتواء بدلا من التربص والتناحر وبناء هيكل اقليمية تخدم أمن إسرائيل، وقد اثبتت اليات الامن القائمة اعتمادا علي الولايات المتحدة انها حملت دول الخليج لمصلحتها واسرائيل أحمالا وخسائر هائلة بحربها مع ايران وحولت الخليج لساحة للمعركة . 

وأعتقد أن قوة مصر في هذا المسار تكمن في قدرتها على الجمع بين دوائرها العربية والإفريقية والمتوسطية، ودورها في أمن البحر الأحمر وقناة السويس، وعلاقاتها المتوازنة مع مختلف القوى الإقليمية والدوليةلصياغة اقليمية شاملة وتحويل الشرق الأوسط لجغرافية متجاورة كما هو حال أوروبا بحيث تتكامل الجغرافيتين، وتتحمل أوروبا مسؤلية نجاة الشرق الاوسط كجوار جنوبي والمساعدة في تشكيل موسسات شرق أوسطية تتكامل مع أوروبا اقتصاديا وتنمويا وفي مجالات الطاقة وأطر الاستثمار والتعليم والصحة، وأن تمنح أوروبا دول الشرق الأوسط وضعا خاص واطارا مشابها لتركيا أو المغرب في ظل تكامل اقتصادي منشود واتفاقية التجارة الحرة التفضيلية

لذلك فإن صورة الوزراء الثلاثة في العلمين ليست مجرد صورة بروتوكولية أو مشهداً أخوياً جميلاً؛ وإنما يمكن النظر إليها باعتبارها صورة لدبلوماسية إقليمية جديدة تبحث عن التفاهم والتنسيق في منطقة لم تعد تحتمل مزيداً من الاستقطاب والصراعات المفتوحة.

والتحدي الآن هو: كيف نحول هذا التقارب السياسي إلى آليات مؤسسية دائمة للتشاور والتعاون، بحيث لا نكتفي بإدارة الأزمات، وإنما نبدأ في بناء نظام إقليمي أكثر أمناً واستقراراً وتنمية؟

وهنا، في تقديري، تكمن أهمية لقاء العلمين الحقيقية.

 

اقرأ المزيد 

السفير دكتور محمد حجازي يكتب : فتحي الديب… مهندس العلاقات المصرية مع حركات التحرر الإفريقية .. ورجل المهام الإستراتيجية في عهد عبد الناصر 

زر الذهاب إلى الأعلى