أخبار عاجلةالرأي

الكاتب والمحلل السياسي الليبي إدريس أحميد يكتب : نيجيريا 2027.. انتخابات لحماية الديمقراطية وبناء الدولة واستقرار أفريقيا

تتجه أنظار أفريقيا والمجتمع الدولي إلى نيجيريا، أكبر دول القارة من حيث عدد السكان، وإحدى أهم قواها السياسية والاقتصادية، بما تمتلكه من احتياطيات كبيرة من النفط والغاز وثروات طبيعية واسعة، فضلاً عن سوق ضخمة وثقل إقليمي يجعل استقرارها عاملاً مؤثراً في مستقبل القارة.

ومن هنا، تكتسب الانتخابات الرئاسية المقررة في يناير 2027 أهمية تتجاوز المنافسة بين المرشحين على الرئاسة، لتصبح اختباراً لقدرة نيجيريا على مواصلة مسارها الديمقراطي وترسيخ التداول السلمي للسلطة، وتحويل الانتخابات إلى وسيلة لبناء الدولة ومؤسساتها. ومن المقرر إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في 16 يناير 2027.

من الانقلابات إلى الديمقراطية

لفهم أهمية هذا الاستحقاق، لا بد من استحضار التاريخ السياسي لنيجيريا. فقد شهدت البلاد ستة انقلابات عسكرية ناجحة بين عامي 1966 و1993، إلى جانب محاولات انقلابية فاشلة، وظلت المؤسسة العسكرية لاعباً أساسياً في الحياة السياسية لعقود.

لكن عودة الحكم المدني عام 1999 شكلت نقطة تحول مهمة. ومنذ ذلك التاريخ، حافظت نيجيريا على مسار انتخابي متواصل، رغم الأزمات والتوترات والاتهامات التي رافقت بعض الاستحقاقات الانتخابية.

لذلك، فإن انتخابات 2027 تمثل أكثر من مجرد موعد دستوري؛ فهي اختبار جديد لترسيخ قاعدة أن الوصول إلى السلطة يكون عبر صناديق الاقتراع، وأن التداول السلمي للسلطة هو الطريق الطبيعي لإدارة الدولة.

الديمقراطية وبناء الدولة

التحدي أمام الانتخابات المقبلة لا يتعلق فقط بمن سيصل إلى قصر الرئاسة، وإنما بما إذا كانت القيادة الجديدة قادرة على استخدام الشرعية الانتخابية لمعالجة أزمات الدولة، وفي مقدمتها الاقتصاد والفقر والبطالة والفساد والأمن والخدمات العامة.

وتأتي الانتخابات في ظل ضغوط اقتصادية واجتماعية كبيرة، رغم تسجيل الاقتصاد نمواً سنوياً بنسبة 4.43% في الربع الثاني من عام 2026. كما لا تزال تكاليف المعيشة والأوضاع الاقتصادية من أبرز مصادر القلق لدى النيجيريين.

وهنا تظهر القيمة الحقيقية للديمقراطية: ليس فقط في إجراء الانتخابات، وإنما في قدرة النظام السياسي على إنتاج حكومات تخضع للمحاسبة، وتستجيب لمطالب المواطنين، وتحول موارد الدولة إلى تنمية ملموسة.

ثروة تبحث عن التنمية

تمتلك نيجيريا موارد نفطية وغازية ضخمة، إلى جانب إمكانات واسعة في الزراعة والطاقة والمعادن. إلا أن حجم هذه الموارد لم ينعكس دائماً على مستوى معيشة السكان بالصورة التي تتناسب مع إمكانات البلاد.

وتسعى نيجيريا إلى زيادة إنتاجها النفطي إلى نحو ثلاثة ملايين برميل يومياً بحلول 2030، فيما ترى وكالة الطاقة الدولية أن البلاد قادرة على جذب استثمارات أكبر في قطاع الطاقة.

ومن ثم، ستكون أمام القيادة المقبلة مهمة أساسية تتمثل في تحويل الموارد الطبيعية من مجرد مصدر للإيرادات إلى قاعدة للتنمية المستدامة، وتمويل التعليم والصحة والبنية التحتية وخلق فرص العمل.

الأمن شرط للاستقرار

ولا يمكن بناء دولة مستقرة من دون معالجة التحديات الأمنية. فنيجيريا تواجه تهديدات من جماعات مسلحة وتنظيمات إرهابية، خصوصاً في شمال شرق البلاد، إلى جانب أشكال أخرى من العنف والصراعات المحلية.

والمطلوب ليس حلاً أمنياً فقط، بل معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تساعد على استمرار عدم الاستقرار. فالديمقراطية والتنمية والأمن حلقات مترابطة، ولا يمكن تحقيق إحداها بصورة مستدامة من دون الأخرى.

لماذا تهتم واشنطن؟

ويفسر الوزن السياسي والاقتصادي والأمني لنيجيريا جانباً من الاهتمام الأمريكي بها. فواشنطن تنظر إلى نيجيريا باعتبارها شريكاً رئيسياً في أفريقيا، بحكم حجمها السكاني، وثقلها الاقتصادي، ومواردها من الطاقة، ودورها في مواجهة الإرهاب ودعم الاستقرار في غرب أفريقيا.

ولهذا فإن انتخابات 2027 تهم الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، ليس بهدف تحديد من يحكم نيجيريا، وإنما لأن استقرار البلاد واستمرار مسارها الديمقراطي ستكون لهما انعكاسات على الأمن والطاقة والاستقرار الإقليمي.

نيجيريا واستقرار أفريقيا

الأهم أن تأثير الانتخابات لن يتوقف عند الحدود النيجيرية. فالدولة التي تضم أكبر عدد من السكان في أفريقيا، وتمتلك هذا الثقل الاقتصادي والسياسي، تلعب دوراً محورياً في غرب القارة وفي «إيكواس»، كما أن سياساتها الداخلية والخارجية تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في محيطها الأفريقي.

وفي وقت شهدت فيه أفريقيا خلال السنوات الأخيرة عودة الانقلابات العسكرية وتراجعاً في الثقة بالمسار الديمقراطي في عدد من الدول، فإن نجاح نيجيريا في تنظيم انتخابات نزيهة، وقبول نتائجها، وضمان انتقال سلمي للسلطة، يمكن أن يشكل نموذجاً مهماً لدول القارة.

أما إذا تحولت الانتخابات إلى أزمة سياسية أو صراع على الشرعية، فإن تداعيات ذلك ستكون أكبر من مجرد أزمة داخلية، بالنظر إلى حجم نيجيريا وموقعها ودورها الإقليمي.

اختبار يتجاوز الرئاسة

في النهاية، فإن السؤال الأهم في انتخابات نيجيريا 2027 ليس فقط: من سيفوز؟ وإنما: هل ستنجح الانتخابات في حماية المسار الديمقراطي وتحويل الشرعية الشعبية إلى قوة لبناء الدولة؟

فاستمرار الانتخابات المنتظمة منذ العودة إلى الحكم المدني عام 1999 يمثل مكسباً مهماً لنيجيريا، لكن التحدي الأكبر هو أن تتحول هذه العملية الديمقراطية إلى مؤسسات أكثر قوة، وحكم أكثر كفاءة، واقتصاد أكثر قدرة على استيعاب السكان، وأمن يوفر الاستقرار والتنمية.

ولهذا، فإن نجاح انتخابات 2027 لن يكون شأناً نيجيرياً خالصاً؛ بل سيكون اختباراً لقدرة واحدة من أكبر وأهم دول أفريقيا على تثبيت الديمقراطية وبناء الدولة، ورسالة إلى القارة بأن استقرارها يمكن أن يبدأ من احترام صناديق الاقتراع، وحماية التداول السلمي للسلطة، وربط الديمقراطية بمصالح الشعوب ومستقبلها.

 

طالع أيضاً 

خبير سوداني يرد على وزير المياه الإثيوبي: «السيطرة على مياه النيل» تكشف الهدف الحقيقي لسد النهضة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى