أخبار عاجلةالرأي

السفير دكتور محمد حجازي يكتب : العلاج المؤسسي… كيف تصبح مصر العاصمة الطبية لأفريقيا؟

لم تعد الصحة مجرد خدمة اجتماعية، بل أصبحت أحد أهم محركات التنمية الاقتصادية، وأحد معايير الأمن القومي للدول. وقد كشفت جائحة “كوفيد-19” أن امتلاك منظومة صحية قوية لا يحمي الإنسان فقط، وإنما يحمي الاقتصاد والاستثمار والاستقرار الاجتماعي، وفي أفريقيا، حيث لا يزال ملايين المواطنين يفتقرون إلى الخدمات الصحية المتخصصة، تبرز فرصة حقيقية أمام مصر لقيادة مشروع قاري للرعاية الصحية، مستندة إلى ما حققته خلال السنوات الأخيرة من تطور غير مسبوق في القطاع الطبي.

ومن هنا، يمكن أن يشهد منتدى العلمين أفريقيا إطلاق “مبادرة العلاج المؤسسي الأفريقي”، باعتبارها إحدى المبادرات الاستراتيجية التي تحول مصر إلى مركز إقليمي للرعاية الصحية والتدريب الطبي ونقل التكنولوجيا العلاجية إلى مختلف أنحاء القارة.

ولا تقوم المبادرة على استقبال المرضى للعلاج في المستشفيات المصرية فحسب، بل تعتمد على إنشاء شبكة أفريقية للرعاية الصحية تقودها مصر، تضم المستشفيات الجامعية، والمراكز الطبية المتخصصة، والمستشفيات التابعة للقوات المسلحة والشرطة، والقطاع الخاص، وشركات الدواء، ومراكز البحوث، بحيث تعمل جميعها في إطار مؤسسي موحد لخدمة القارة الأفريقية.

وقد أثبتت التجربة المصرية في القضاء على فيروس “سي” أن الإرادة السياسية، والتنظيم المؤسسي، والتكنولوجيا الطبية، قادرة على تحقيق نتائج غير مسبوقة. وتحولت مصر من إحدى أكثر الدول معاناة من المرض إلى نموذج عالمي في المكافحة والعلاج والكشف المبكر، وهي تجربة تستحق أن تنتقل إلى الدول الأفريقية التي لا تزال تعاني من الأمراض المعدية والمتوطنة.

ولهذا، ينبغي أن تتضمن المبادرة برنامجاً قارياً لمكافحة الأمراض المعدية، وفي مقدمتها فيروس “سي”، والإيبولا، والملاريا، والدرن، والأمراض المدارية المهملة، من خلال القوافل الطبية، والتشخيص المبكر، وتوفير العلاج، وتدريب الكوادر الطبية، ونقل الخبرات المصرية إلى الدول الأفريقية.

كما يمكن أن تتوسع المبادرة لتشمل إنشاء المركز المصري الأفريقي للتطبيب عن بُعد، الذي يربط المستشفيات المصرية بالمراكز الصحية في الدول الأفريقية باستخدام تقنيات الاتصالات والذكاء الاصطناعي، بما يسمح بتقديم الاستشارات الطبية، وقراءة الأشعات، ومتابعة الحالات المرضية، دون الحاجة إلى انتقال المرضى لمسافات طويلة.

ويمثل تصنيع الدواء أحد المحاور الرئيسية للمبادرة، إذ تمتلك مصر صناعة دوائية متقدمة يمكن أن تصبح قاعدة لإمداد الأسواق الأفريقية بالأدوية الأساسية واللقاحات والمستلزمات الطبية، مع تشجيع إقامة مصانع مشتركة داخل الدول الأفريقية ونقل التكنولوجيا إليها.

وفي مجال بناء القدرات، يمكن إنشاء الأكاديمية المصرية الأفريقية للعلوم الصحية لتدريب الأطباء والممرضين والفنيين ومديري المستشفيات من مختلف الدول الأفريقية، بما يسهم في رفع كفاءة النظم الصحية، وتكوين شبكة من الكفاءات الطبية ترتبط علمياً ومهنياً بالمؤسسات المصرية.

كما ينبغي أن تشمل المبادرة برنامجاً خاصاً لصحة الأم والطفل، ومكافحة سوء التغذية، والأمراض غير السارية، والتوسع في حملات الكشف المبكر عن السرطان، وأمراض القلب، والسكري، مستفيدة من الخبرات المصرية في تنفيذ المبادرات الرئاسية للصحة العامة.

ولا يمكن إغفال الدور الذي يمكن أن تلعبه السياحة العلاجية، إذ تمتلك مصر مقومات تجعلها وجهة رئيسية للمرضى الأفارقة، سواء من حيث جودة الخدمات الطبية، أو انخفاض تكلفتها مقارنة بالأسواق العالمية، أو توافر الكفاءات الطبية المتميزة، أو سهولة الربط الجوي مع معظم العواصم الأفريقية.

إن العلاج المؤسسي لا يعني تصدير الخدمات الطبية فقط، بل يعني بناء منظومة شراكة صحية مستدامة، تقوم على نقل المعرفة، وتوطين التكنولوجيا، وبناء القدرات، وتحقيق الأمن الصحي للقارة، بما يجعل الصحة جسراً جديداً للتكامل المصري الأفريقي.

وإذا كان منتدى العلمين يسعى إلى أن يصبح منصة لإطلاق المبادرات القارية الكبرى، فإن هذه المبادرة ستكون من أكثرها تأثيراً في حياة المواطن الأفريقي، لأنها تخاطب حقه الأساسي في العلاج والرعاية الصحية، وتؤكد أن مصر تنظر إلى التنمية في أفريقيا باعتبارها تنمية للإنسان أولاً.

إن بناء الشبكة المصرية الأفريقية للرعاية الصحية سيضيف بعداً جديداً للدور المصري في القارة، ويجعل من القاهرة العاصمة الطبية لأفريقيا، تماماً كما أصبحت مركزاً سياسياً ودبلوماسياً وثقافياً للقارة عبر عقود طويلة.

وفي المقال المقبل من سلسلة “نحو العلمين”، نتناول مبادرة “أفريقيا الرقمية”… وكيف يمكن لمصر أن تقود تدريب خمسة آلاف شاب أفريقي سنوياً في مجالات الحاسب الآلي والذكاء الاصطناعي، لبناء جيل يقود الاقتصاد الرقمي في القارة .

 

طالع أيضاً 

مصر تجدد تأكيد دعمها الكامل لوحدة وسيادة وسلامة أراضي الصومال 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى