أخبار عاجلةالرأي

الدكتور رمضان قرني يكتب : الدلالات الاستراتيجية لقمة “العلمين الرباعية التشاورية”

تحمل مخرجات قمة العلمين التشاورية لقادة مصر والسودان وإريتريا والصومال، و التي استضافتها مصر  على هامش القمة نصف سنوية التنسيقية للاتحاد الأفريقي،  العديد من الدلالات الاستراتيجية على صعيد العلاقات الثنائية لمصر مع الدول الثلاث، أو التنسيق الرباعي بين الدولة المعنية خاصة إزاء العديد من القضايا، والتي يمكن وصفها بأنها جاءت في توقيت بالغ “الدقة” والحساسية للدول الأربع.

وتنبع أهمية القمة، بجانب التنسيق والتشاور، من السياق الإقليمي المحيط بها، خاصة الحرب الأهلية في إثيوبيا وتأثيرها على دول الجوار الجغرافي خاصة إريتريا والسودان والصومال، علاوة على تطورات الأوضاع في منطقة البحر الأحمر وباب المندب، وانعكاساتها على أمن الممرات المائية الكبرى،

وتشير قراءة السياق الإقليمي ، وأجندة القمة ومخرجاتها إلى جملة من الرسائل الاستراتيجية والثوابت المهمة للدول الأربع على النحو التالي:

أولا: تفعيل أطر الشراكة الاستراتيجية :

 تلك الشراكة الاستراتيجية التي تشكلت في السنوات الأخيرة بين الدول الأربع في العديد من الملفات ومن أبرزها: ترفيع العلاقات الثنائية إلى مستوى “الشراكة الاستراتيجية” بين مصر والدول الثلاث، وتنسيق المواقف على مختلف الصعد الأمنية والسياسية والاقتصادية.

ويحسب لقمة العلمين التشاورية سعيها إلى خلق إطار مؤسسي مستدام يضمن التنسيق المستمر بين دولها، ومتابعة مخرجاتها من خلال اتفاق قادة الدول الأربع على “انشاء آلية لمتابعة مخرجات هذه القمة التشاورية والتي سيتم عقدها بشكل دوري وكلما استدعى الأمر لتعزيز التشاور والتنسيق فيما بينهم“.

ثانيا: التأسيس لنظام إقليمي لأمن القرن الأفريقي:

يمكن القول إن قمة “العلمين التشاورية” تعد امتدادا لمخرجات قمة أسمرة الثلاثية علم 2024 بين قادة مصر وإريتريا والصومال، والتي أسست لما يمكن تسميته بنظام أمني إقليمي لمنطقتي القرن الأفريقي والبحر الأحمر، حيث سعت مصر ، بالتعاون مع الشركاء في منطقة القرن الأفريقي ( إريتريا والصومال وجيبوتي)، لصياغة نظام أمني بتلك المنطقة برتكز على احترام سيادة الدول ووحدة ترابها ، ويعلي من شأن قواعد القانون الدولي.

وفي هذا الإطار تعكس الزيارات الرئاسية المصرية لإريتريا وجيبوتي، وكذلك القمة الثلاثية المصرية الإريترية الصومالية، وأيضا زيارات الرئيس الصومالي المتتالية للقاهرة،  وزيارات الفريق البرهان إلى مصر في أكثر من مناسبة، تعكس حرصا مصريا على صياغة مثل هذا النظام الإقليمي.

ثالثا: الرؤية الواقعية لأزمات القرن  الأفريقي:

حيث تولي القاهرة أولوية خاصة لمناقشة  تلك الأولويات وتصدرها أجندة سياستها الخارجية تجاه منطقة القرن الأفريقي، ومن أبرزها التحديات الجيوسياسية المعقدة والمتشابكة، بدءاً من أمن البحر الأحمر، و النزاعات المسلحة الداخلية في دول القرن الأفريقي، مروراً بتفشي آفة الإرهاب،وصولاً إلى الجريمة المنظمة العابرة للحدود، فضلاً عن تداعيات تغيرالمناخ.

رابعا: تأكيد مبدأ احترام الدولة الوطنية:

باعتبارها الوحدة الأساسية وحجر الزاوية في النظام الإقليمي والدولي. ويرتبط بذلك احترام سيادة الدول الأخرى، وعدم التدخل في شؤونها، والتأكيد على أن إضعاف مؤسسات الدولة أو تهديدها يؤدي إلى عدم استقرار العلاقات بين الدول، ويزيد من فُرص الاضطراب والفوضى، وزيادة دور الكيانات المنظمة من غير الدولة كالتنظيمات والميليشيات العسكرية. وقد تجلى هذا المبدأ بوضوح في دعم القمة لوحدة وسيادة الصومال ورفض أي اعتراف بإقليم “أرض الصومال الانفصالي”. ودعم القمة وحدة وسيادة السودان وسلامة أراضيه، في مواجهة ميليشيا الدعم السريع،  ورفض إنشاء أي كيانات موازية.

وفي هذا السياق، أكد الرؤساء المشاركون في القمة، بجلاء، الحرص على مواصلة التنسيق والتشاور إزاء مختلف التحديات الإقليمية المشتركة، واحترام سيادة الدول ووحدتها وسلامة أراضيها، ودعم مؤسساتها الوطنية، ورفض التدخل في شؤونها الداخلية، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية.

خامسا: الرؤية الاستباقية لأزمات المنطقة:

تعكس مناقشات ومخرجات القمة الرباعية، والتحركات الرئاسية المصرية، والجهود الدبلوماسية على مختلف الصعد، رؤية استباقية للدولة المصرية، بهدف حماية المجالات الحيوية المشتركة للدول الأربع وتحديداً في منطقة القرن الأفريقي وجنوب البحر الأحمر، علاوة على عدم إغفال الجوانب التنموية في العلاقات، بالنظر إلى رؤية مصر الاستراتيجية بأن التنمية هي الأداة الرئيسية لإنهاء النزاعات.

وفي هذا السياق ناقشت القمة المشروعات الجاري تنفيذها في إطار التعاون الاقتصادي والتنموي بين الدول الأربع، وسبل تعزيز الربط والتكامل الإقليمي في مجالات البنية التحتية والطاقة والتجارة.

سادسا: التأكيد على المسؤولية الحصرية لأمن البحر الأحمر وحوكمته:

لعل أهم مخرجات القمة يتمثل في تأكيد دولها على جانب مهم يتعلق بالتطورات الأمنية في منطقة البحر الأحمر وباب المندب ، حيث أكدت على ضرورة ضمان أمن واستقرار البحر الأحمر وحرية وسلامة الملاحة الدولية في خليج عدن ومضيق باب المندب.

من جانب آخر، جددت القمة مواقف الدول الأربع فيما يتعلق بأمن البحر البحر ، بالتأكيد على أن  أمن وحوكمة البحر الأحمر مسؤولية حصرية للدول المشاطئة.

ويبدو هذا البند في غاية الأهمية في ضوء المحاولات الإسرائيلية والإثيوبية للمشاركة في ترتيبات أمن وحوكمة البحر الأحمر، بالمخالفة لقواعد القانون الدولي، ومواثيق الاتحاد الأفريقي.

سابعا : دعم الأمن المائي المصري والسوداني:

في لفتة مهمة لمخرجات القمة، تتسق مع التطورات الجارية بشأن قضية سد النهضة الإثيوبي، والحملات الإعلامية الإثيوبية الموجهة ضد مصر في هذا الملف، حرص البيان الختامي على تقديم الدعم السياسي للأمن المائي لدولتي المصب مصر والسودان، من خلال التأكيد على أهمية احترام القانون الدولي المنظم للانهار الدولية العابرة للحدود، ومنها نهر النيل، لاسيما مبدأ عدم الاضرار ووجوب التعاون من خلال الاخطار المسبق والتشاور والتوافق مع دول المصب، والرفض الكامل لأي اجراءات أحادية تضر بالاستخدامات المائية القائمة لدولتي مصب نهر النيل.

 

حاصل القول ، فإن القمة جاءت في توقيت إقليمي دقيق للغاية، وحرصت على إيصال العديد من الرسائل لدول الجوار  بشأن العديد من القضايا الاستراتيجية.

 

 

طالع المزيد :

إعلان قمة العلمين الرباعية.. رفض التدخلات والكيانات الموازية والتأكيد علي وحدة وسيادة السودان والصومال

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى