أخبار عاجلةالرأي

الباحث السياسي الصومالي عبد الكامل أبشر يكتب : ” مظالم مشتركة “.. التهديد المائي يجمع دول قمة العلمين التشاورية الرباعية

تجمع مصر والسودان والصومال وإريتريا مظالم ومخاوف مشتركة تجاه التحولات الاستراتيجية التي تقودها إثيوبيا في منطقة القرن الإفريقي وحوض النيل والبحر الأحمر, ورغم اختلاف طبيعة التحديات التي تواجه كل دولة، فإن القاسم المشترك بينها يتمثل في تنامي الدور الإثيوبي وسعي أديس أبابا إلى تعزيز مصالحها المائية والبحرية والاستراتيجية.

فبالنسبة إلى مصر والسودان، يتمثل التحدي الرئيسي في الأمن المائي، خاصة في ظل الخلاف المستمر حول السد الإثيوبي “سد النهضة ” وقواعد ملئه وتشغيله وتأثيراته المحتملة على تدفقات مياه النيل , أما الصومال وإريتريا، فتتركز مخاوفهما بصورة أكبر حول الطموحات الإثيوبية للوصول إلى البحر الأحمر والموانئ، في ظل حاجة إثيوبيا، بوصفها دولة حبيسة، إلى منفذ بحري.

وتزداد أهمية هذا التقاطع مع مذكرة التفاهم التي وقعتها إثيوبيا مع سلطات أرض الصومال، والتي جعلت قضية المنفذ البحري الإثيوبي مرتبطة بصورة مباشرة بالأمن القومي الصومالي، كما أعادت إلى الواجهة أهمية البحر الأحمر في التنافس الإقليمي, وأسهمت في بلورة المخاوف المشتركة التي مهّدت لقمة أسمرة الثلاثية بين مصر والصومال وإريتريا، قبل أن يتطور هذا التنسيق لاحقًا إلى قمة العلمين الرباعية بمشاركة السودان، في إطار أوسع يجمع بين قضايا الأمن المائي والأمن البحري والاستقرار الإقليمي.

أولاً: مصر والسودان والتهديد المائي الإثيوبي حول السد الإثيوبي

يمثل السد الإثيوبي “سد النهضة “أحد أهم مصادر التوتر الاستراتيجي بين إثيوبيا من جهة ومصر والسودان من جهة أخرى، لأن الخلاف لم يعد محصورًا في مشروع لتوليد الكهرباء، بل تحول تدريجيًا إلى قضية تتصل بالأمن المائي وبقواعد إدارة مورد مائي عابر للحدود.

فإثيوبيا تنظر إلى السد باعتباره مشروعًا تنمويًا وسياديًا يهدف إلى إنتاج الطاقة وتحقيق التنمية الاقتصادية، بينما تنظر مصر إلى النيل باعتباره مصدرًا حيويًا للأمن القومي، وترى أن طريقة ملء السد وتشغيله، ولا سيما خلال فترات الجفاف الممتد، يجب أن تخضع لقواعد واضحة وملزمة تضمن عدم إلحاق ضرر جسيم بمصالح دولتي المصب.

أما السودان، فإن موقفه أكثر تعقيدًا؛ فهو يمكن أن يستفيد من تنظيم تدفقات المياه وتقليل الفيضانات وإمكانات الكهرباء، لكنه في الوقت نفسه يتأثر مباشرة بأي تغيير كبير في تدفقات النيل الأزرق وبسلامة تشغيل السد وتنسيق عملياته مع سدوده ومنشآته المائية , ولذلك أصبحت القضية بالنسبة إلى القاهرة والخرطوم تتجاوز الجانب الفني إلى سؤال أوسع حول من يضع قواعد إدارة المياه المشتركة وكيف يمكن منع تحول السيطرة على المنبع إلى أداة نفوذ سياسي.

وقد شهد مسار التفاوض خلال سنوات طويلة جولات متكررة دون التوصل إلى اتفاق نهائي ملزم، وفي عام 2023 عادت المفاوضات بعد توقف، قبل أن تعلن مصر في 19 ديسمبر 2023 انتهاء المسار التفاوضي الأخير دون التوصل إلى اتفاق، معتبرة أن المواقف الإثيوبية حالت دون الوصول إلى حلول فنية وقانونية مقبولة. وهنا تبرز أهمية التوقيت؛ فتعثر المفاوضات لم يحدث في فراغ إقليمي، وإنما جاء في مرحلة كانت فيها إثيوبيا توسع أيضًا خطابها حول مصالحها الاستراتيجية خارج المجال المائي، بما في ذلك مسألة الوصول إلى البحر.

 ومن ثم أصبح ينظر إلى السياسة الإثيوبية في القاهرة والخرطوم باعتبارها جزءًا من إعادة تعريف موقع إثيوبيا الإقليمي: قوة تتحرك في حوض النيل، وفي القرن الإفريقي، وفي المجال البحري للبحر الأحمر في الوقت نفسه, وهذا لا يعني أن ملف سد النهضة والمنفذ البحري قضية واحدة، وإنما يعني أن تزامنهما خلق لدى بعض الأطراف تصورًا بأن التنافس مع إثيوبيا يتخذ أكثر من مسار، الأمر الذي شجع على البحث عن مساحات أوسع للتنسيق.

ثانياً: الصومال وإريتريا وطموحات إثيوبيا للمنفذ البحري

يعود جوهر المسألة البحرية إلى التحول الجيوسياسي الذي أعقب استقلال إريتريا عام 1993، عندما فقدت إثيوبيا منفذها الساحلي وأصبحت دولة حبيسة تعتمد بصورة كبيرة على ممرات الدول المجاورة للوصول إلى التجارة البحرية ,ومع نمو الاقتصاد الإثيوبي واتساع حاجاته التجارية والأمنية، أصبح تأمين منفذ بحري أكثر من مجرد مطلب اقتصادي؛ فقد أخذ يتحول إلى عنصر من عناصر التفكير الاستراتيجي الإثيوبي، خصوصًا مع الاعتماد الكبير على ممر جيبوتي والحاجة إلى تنويع طرق التجارة.

وفي هذا السياق جاءت مذكرة التفاهم التي وقعتها إثيوبيا مع سلطات أرض الصومال في 1 يناير 2024، والتي فتحت الباب أمام ترتيبات للحصول على وصول بحري واستخدام جزء من الساحل، وأثارت في الوقت نفسه أزمة حادة مع الحكومة الفيدرالية الصومالية التي اعتبرت الاتفاق مساسًا بسيادة الصومال ووحدة أراضيه, وبالنسبة إلى مقديشو، لم تكن المسألة مجرد إنشاء ميناء أو الحصول على ممر تجاري، وإنما أصبحت مرتبطة باحتمال وجود ترتيبات عسكرية وبإمكانية استخدام قضية المنفذ البحري للتعامل مع إقليم يقع ضمن الأراضي التي تعتبرها الدولة الصومالية جزءًا من سيادتها.

أما إريتريا، فقد قرأت عودة الطموح الإثيوبي إلى المجال البحري ضمن حسابات أكثر حساسية، لأن البحر الأحمر والساحل الإريتري يمثلان جزءًا من البيئة الأمنية المباشرة لإريتريا، ولأن تاريخ العلاقات بين البلدين يجعل أي تحرك إثيوبي باتجاه البحر قضية ذات أبعاد استراتيجية تتجاوز التجارة.

والأهم أن هذه التطورات تزامنت زمنيًا مع تعثر مسار السد الإثيوبي “سد النهضة “؛ ففي أغسطس وديسمبر 2023 انتهت جولات تفاوضية بين مصر والسودان وإثيوبيا دون اختراق حاسم، وفي 19 ديسمبر أعلنت مصر انتهاء المسار التفاوضي الأخير دون اتفاق , وبعد أيام قليلة، في 1 يناير 2024، ظهرت مذكرة التفاهم الإثيوبية مع سلطات أرض الصومال، فأصبح التوقيت نفسه ذا دلالة سياسية في حسابات الأطراف المعنية، حتى وإن كان لا يصح القول إن أحد الملفين تسبب مباشرة في الآخر.

لقد أدى التزامن إلى تقاطع مسارين: مسار مصري–سوداني يتمحور حول الأمن المائي، ومسار صومالي–إريتري يتمحور حول السيادة والأمن البحري, ومن هنا يمكن فهم مذكرة التفاهم باعتبارها نقطة تحول ساعدت على تسريع تقارب المصالح، لا باعتبارها السبب الوحيد لظهور هذا التقارب , وفي 10 أكتوبر 2024 انعقدت قمة أسمرة الثلاثية بين مصر والصومال وإريتريا، وركز بيانها على احترام السيادة والاستقلال ووحدة الأراضي ورفض التدخل في الشؤون الداخلية والتنسيق لتحقيق الاستقرار الإقليمي, وبذلك انتقل التقارب من مجرد تشابه في المخاوف إلى إطار سياسي للتشاور والتنسيق، ثم بدأ لاحقًا يتسع ليشمل السودان باعتباره الطرف الآخر المباشر في أزمة السد ، ودولة ذات موقع استراتيجي على البحر الأحمر، الأمر الذي مهّد للانتقال من الصيغة الثلاثية إلى الصيغة الرباعية.

ثالثاً:  من قمة أسمرة الثلاثية قمة العلمين الراباعية

ومن هذا المنطلق، يمكن فهم الانتقال من قمة أسمرة الثلاثية إلى قمة العلمين الرباعية باعتباره تطوراً تدريجياً في طبيعة التنسيق الإقليمي بين مصر والصومال وإريتريا والسودان، وليس مجرد انتقال من اجتماع إلى آخر, فقد جاءت قمة أسمرة في أكتوبر 2024 في سياق إقليمي اتسم بتصاعد التوتر حول أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وبروز قضية السيادة الصومالية عقب مذكرة التفاهم التي وقعتها إثيوبيا مع سلطات أرض الصومال في يناير من العام نفسه، الأمر الذي دفع مصر والصومال وإريتريا إلى تعزيز التشاور حول أمن البحر الأحمر ووحدة الأراضي الصومالية وبناء قدرات الدولة.

ولم يبق هذا التنسيق في إطار القمة، بل جرى تفعيله من خلال اللجنة الوزارية الثلاثية التي تابعت مخرجات أسمرة ووسعت النقاش ليشمل تطورات السودان وأمن القرن الأفريقي والبحر الأحمر , ومع مرور الوقت، اتسعت دائرة التوترات المحيطة بهذا المسار؛ فالعلاقات المصرية–الإثيوبية ظلت مثقلة بالخلاف حول السد الإثيوبي ” سد النهضة ” وقواعد استخدام مياه النيل، بينما أخذت العلاقات الإثيوبية–الإريترية تتجه نحو مزيد من التوتر بسبب قضية الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر وتداعيات الحرب في إقليم تيغراي، حتى أصبحت احتمالات اندلاع مواجهة جديدة بين أديس أبابا وأسمرة موضع تحذير وتحليل إقليمي منذ عام 2025.

وفي هذا السياق المتوتر تحديداً انعقدت قمة العلمين في 4 أكتوبر 2026، أي في لحظة كانت فيها البيئة الاستراتيجية للقرن الأفريقي تشهد تصعيداً متزامناً على أكثر من جبهة، بما في ذلك تدهور العلاقات الإثيوبية–الإريترية إلى حد قطع العلاقات الدبلوماسية في الأول من أكتوبر، وتصاعد القتال في شمال إثيوبيا، بالتزامن مع استمرار الخلاف المصري–الإثيوبي حول مياه النيل، الأمر الذي جعل القمة الرباعية تأتي في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة لتوازنات المنطقة.

وفي هذه البيئة، برز السودان بصورة متزايدة باعتباره حلقة وصل بين المجال النيلي والمجال البحري؛ فالسودان، إلى جانب مصر، يرتبط مباشرة بملف مياه النيل، بينما ترتبط الصومال وإريتريا بصورة وثيقة بأمن البحر الأحمر وباب المندب وقضايا السيادة والموانئ , ومن هنا جاءت قمة العلمين لتوسع الإطار الذي بدأ في أسمرة من صيغة ثلاثية إلى صيغة رباعية، بحيث أصبحت قضايا المياه والأمن البحري والسيادة والاستقرار الإقليمي مترابطة داخل إطار تشاوري واحد.

وقد أكدت وثيقة العلمين بالفعل احترام سيادة دول المنطقة وسلامة أراضيها، وحرية الملاحة، وأن إدارة البحر الأحمر مسؤولية الدول المشاطئة، كما شددت على مبادئ القانون الدولي في إدارة الأنهار العابرة للحدود، بما في ذلك مبدأ عدم الإضرار والتشاور والإخطار المسبق.

وبذلك، يمكن قراءة المسار من أسمرة إلى العلمين باعتباره انتقالاً من «نواة ثلاثية» للتنسيق الإقليمي إلى «إطار رباعي» أكثر اتساعاً، فرضته طبيعة الأزمات المتداخلة في المنطقة؛ فالقضية لم تعد أزمة مياه منفصلة بين مصر وإثيوبيا، أو خلافاً بحرياً بين إثيوبيا وإريتريا، أو أزمة سيادة بين إثيوبيا والصومال، بل بدأت هذه الملفات تتقاطع داخل فضاء جغرافي واحد يمتد من حوض النيل إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

ومن ثم، فإن أهمية قمة العلمين لا تكمن فقط في انضمام السودان إلى صيغة أسمرة، وإنما أيضاً في توقيتها، إذ جاءت في لحظة بلغت فيها التوترات الإقليمية مستوى جعل قضايا المياه والبحر الأحمر والسيادة والأمن القومي مترابطة بصورة غير مسبوقة، مع بقاء احتمال اتساع الصراع الإثيوبي–الإريتري عاملاً إضافياً يزيد من أهمية التنسيق بين الدول الأربع, ومع ذلك، فإن الأدق وصف هذا المسار بأنه آلية تشاور وتنسيق إقليمي متنامية، وليس تحالفاً رسمياً موجهاً ضد إثيوبيا، وهو ما ينسجم أيضاً مع الطابع التشاوري المعلن لقمة العلمين.

رابعاً: الخلاصة والمآلات

تكشف هذه التطورات عن انتقال تدريجي من أزمات تبدو منفصلة إلى شبكة مترابطة من الحسابات الاستراتيجية في حوض النيل والقرن الإفريقي والبحر الأحمر؛ فمصر والسودان دخلا في مواجهة سياسية وقانونية طويلة مع إثيوبيا حول السد الإثيوبي “سد النهضة ” وقواعد ملئه وتشغيله، بينما واجه الصومال تحدياً يتعلق بالسيادة والوصول البحري عقب مذكرة التفاهم الإثيوبية مع سلطات أرض الصومال, في حين تنظر إريتريا إلى الطموحات الإثيوبية البحرية من منظور أمن البحر الأحمر وتجربتها التاريخية مع إثيوبيا.

وقد خلق تزامن هذه الملفات أرضية مشتركة للمصالح، ساعدت قمة أسمرة على تحويلها إلى إطار ثلاثي للتنسيق، قبل أن تتوسع إلى صيغة رباعية في قمة العلمين بانضمام السودان بصورة مباشرة, ولا تكمن أهمية هذا المسار في عقد القمم بحد ذاته، وإنما في قدرة الدول الأربع على تحويل التقارب إلى آليات مستدامة تشمل التنسيق الدبلوماسي والأمني، وقضايا النيل والبحر الأحمر، والتعاون الاقتصادي والتجاري ,فإذا ظل التعاون قائماً على رد الفعل تجاه التحركات الإثيوبية، فقد يبقى تقارباً ظرفياً، أما إذا تطور إلى مؤسسات وآليات دورية ومصالح اقتصادية مشتركة، فقد يتحول إلى إطار إقليمي أكثر تأثيراً في إدارة التوازنات.

وفي المقابل، فإن تحويل هذا التقارب إلى اصطفاف صلب قد يدفع إلى مزيد من الاستقطاب والبحث عن تحالفات مضادة في منطقة تعاني أصلاً من هشاشة أمنية وصراعات داخلية؛ لذلك قد تكون المصلحة في استخدام التنسيق الجماعي لتقوية المواقف التفاوضية وحماية السيادة وتعزيز أمن المياه والممرات البحرية، مع إبقاء قنوات الحوار مفتوحة.

ومن هذه الزاوية، يمثل الانتقال من أسمرة إلى العلمين تطوراً في بنية التفاعل الإقليمي، انتقلت فيه الدول من تأكيد السيادة والاستقرار والأمن إلى إطار أوسع يجمع الأمن المائي والبحري والتعاون السياسي والاقتصادي، بما قد يمهد لصيغة تشاور أكثر انتظاماً حول النيل والبحر الأحمر والقرن الإفريقي. وسيبقى نجاح هذا المسار مرتبطاً بقدرته على الانتقال من تلاقي المخاوف إلى صياغة مصالح مشتركة، ومن ردود الفعل إلى سياسة إقليمية استباقية، ومن إدارة الأزمات المنفردة إلى بناء توازن إقليمي أكثر استقراراً.

 ملاحظة توثيقية

  1. وزارة الموارد المائية والري المصرية: إعلان انتهاء الجولة الأخيرة من مفاوضات سد النهضة في 19 ديسمبر 2023 دون اتفاق.
  2. وزارة الخارجية الصومالية والرئاسة المصرية: بيان قمة أسمرة الثلاثية في 10 أكتوبر2024
  3. الرئاسة المصرية: الإعلان المشترك لقمة العلمين الرباعية في 4 أكتوبر 2026.
  4. وكالة الأنباء الإثيوبية (ENA)، Ethiopia Signs Historic MOU with Somaliland to Secure Access to Sea، 1 يناير 2024  .الاتحاد الأفريقي (AU)، بيان بشأن تصاعد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا ومصر، 1 أكتوبر 2026.
  5. Al Jazeera، تقارير أكتوبر 2026 حول الأزمة الإثيوبية–الإريترية واحتمال اتساعها إلى أزمة إقليمية.
  6. الأمم المتحدة – مجلس الأمن، الوثيقة S/2024/102، رسالة إثيوبيا بشأن مذكرة التفاهم مع أرض الصومال، 26 يناير 2024.

 

طالع المزيد : 

إعلان قمة العلمين الرباعية.. رفض التدخلات والكيانات الموازية والتأكيد علي وحدة وسيادة السودان والصومال

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى