أخبار عاجلةالرأي

الدكتور عبد الناصر سلم حامد يكتب : آبي أحمد .. قوة الحكم وهشاشة السلام

في أبريل 2018، جاء آبي أحمد إلى رئاسة الحكومة الإثيوبية وسط آمال واسعة بأن تخرج البلاد من سنوات الاحتجاج والانغلاق السياسي, ثم جاء التقارب مع إريتريا ليمنح تلك الآمال سندًا، وحصل في العام التالي على جائزة نوبل للسلام، وخصوصًا لمبادرته إلى حل النزاع الحدودي معها, كان المشهد يوحي ببداية مختلفة, لكن السنوات التالية حملت حرب تيجراي، ومواجهات أمهرة وأوروميا، وضغوطًا اقتصادية، وعلاقات مضطربة مع الجوار.

بين الصورتين مسافة تستحق التوقف عندها , فقد نجح آبي أحمد في تغيير مواقع النفوذ داخل الحكم، لكنه واجه صعوبة أكبر في إقناع الأطراف المتضررة بأن لها مكانًا آمنًا في الترتيب الجديد, ومن هذه الفجوة يمكن فهم جانب مهم من أزماته: اتسعت سلطة الحكومة، فيما بقي القبول بقواعدها أضيق من أن يحمل هذا التغيير دون صدام.

ورث الرجل مشكلات لم يصنعها: نزاعات على الأرض والهوية، وخلافات على توزيع السلطة، واقتصادًا يعاني شح العملات الأجنبية وأعباء الدين, كما أن خصومه المسلحين يتحملون مسؤولية قراراتهم وانتهاكاتهم , ومع ذلك، فإن صعوبة الإرث لا تكفي لتفسير ما حدث, يبقى السؤال عن القرارات التي اتخذها، وعن ترتيب تنفيذها، وعن قدرته على تعديل المسار حين ظهرت كلفتها.

كانت إثيوبيا قبل وصوله تجمع بين فيدرالية تعترف بالقوميات والأقاليم، وحكم شديد المركزية داخل الائتلاف المسيطر, تعترف المادة 39 من الدستور بحق تقرير المصير، بما فيه الانفصال، وبالحكم الذاتي والتمثيل. أما التوازن السياسي الفعلي، فكانت تديره تفاهمات بين النخب والحزب والأجهزة, ولهذا كان تغيير الائتلاف يمس وسائل المشاركة والحماية، إلى جانب شكله التنظيمي.

عندما تأسس حزب الازدهار عام 2019، عبر دمج أحزاب الائتلاف وشركاء آخرين، رفضت جبهة تحرير شعب تيغراي الانضمام إليه , أراد آبي أحمد تجاوز الانقسام القومي وتسهيل اتخاذ القرار، لكن مشروعه أثار مخاوف من تركز النفوذ , ظلت الفيدرالية قائمة في الدستور، وبقي الخلاف على مقدار ما تستطيع الأقاليم ممارسته من صلاحيات تحت حزب أكثر توحيدًا.

كان لهذا التحول أن يجد قبولًا أوسع لو صاحبه اطمئنان إلى قواعد المحاسبة وحسم النزاعات, فالنخبة التي تخسر موقعها قد تقبل الخسارة إذا رأت طريقًا للعودة بالمنافسة وضمانًا لحقوقها , أما إذا رأت فيها بداية إقصاء دائم، فسيسهل عليها نقل خوفها إلى جمهورها، وتصوير النزاع على النفوذ باعتباره تهديدًا للجماعة كلها , وتلك إحدى الطرق التي يتحول بها الخلاف السياسي إلى تعبئة مسلحة.

ظهرت المشكلة بوضوح في أزمة انتخابات 2020 , أُجل الاقتراع بسبب الجائحة، ثم أجرت سلطات تيغراي انتخابات في سبتمبر رغم اعتراض المركز, أخذ الطرفان يطعنان في شرعية بعضهما، وصار الخلاف متعلقًا بمن يملك تفسير الدستور وتقرير استمرار الحكم, ومع كل إعلان ينفي شرعية الطرف الآخر، كانت مساحة التفاوض تضيق, فالقيادة التي عبأت جمهورها ضد خصم تصفه بأنه غير شرعي تحتاج لاحقًا إلى تفسير جلوسها معه.

في الرابع من نوفمبر 2020، أعلن آبي أحمد بدء العمليات العسكرية عقب هجوم قوات تيغراي على مواقع للجيش الاتحادي , اعتبرت الحكومة الهجوم خيانة، بينما قالت قيادة تيغراي ” إنها تحركت استباقًا لهجوم اتحادي “, ولا تنتهي مناقشة المسؤولية عند روايات البداية؛ فطريقة إدارة الحرب والتحالفات وحماية السكان جزء أساسي منها.

وثقت تحقيقات أممية وحقوقية انتهاكات جسيمة ارتكبتها أطراف متعددة، بينها قوات حكومية وإريترية وقوى من أمهرة وقوات تيغراي, وتختلف المسؤوليات بحسب الوقائع، فلا يجوز تسويتها في حكم واحد , كذلك تبقى المسؤولية الجنائية الفردية بحاجة إلى إثبات قانوني، مهما كان النقد السياسي للحكومة شديدًا.

ساعد التحالف مع إريتريا وقوى أمهرة الحكومة عسكريًا، لكنه ترك وراءه أسئلة صعبة , ماذا يحدث عندما تريد الحكومة التسوية ويتمسك الحليف بمكاسب الحرب؟ وكيف تُعالج أرض متنازع عليها إذا أصبح تغيير وضعها سببًا لغضب قوى قاتلت إلى جانب المركز؟ بهذا المعنى، احتاج إنهاء الحرب إلى تفاوض مع الخصوم والحلفاء معًا.

وفي غرب تيغراي، ارتبط النزاع الإداري بالسيطرة المسلحة والتهجير والانتهاكات , لم تعد الأرض مسألة خطوط على الخريطة؛ فقد صارت تحدد من يستطيع العودة إلى بيته، ومن يدير المنطقة، ومن يمثل سكانها , وكان تأجيل حماية النازحين إلى حين حسم التبعية الإدارية يحمّلهم كلفة خلاف لا يملكون حله، ويهدد بتثبيت نتائج التهجير.

جرت انتخابات يونيو 2021 والحرب مستمرة , وفي النتائج الأولية المعلنة في يوليو حصل حزب الازدهار على 410 مقاعد، من أصل 436 دائرة أُجري فيها الاقتراع , عُدّل رصيده عن تلك الجولة لاحقًا إلى 411، وبلغ مجموع مقاعده في جولتي يونيو وسبتمبر 448. لكن الانتخابات لم تشمل جميع الدوائر، وغابت عنها تيغراي، وقاطعتها قوى معارضة بارزة في أوروميا , أعطت النتيجة الحكومة أغلبية كبيرة، فيما بقي الخلاف على شروط المشاركة مفتوحًا.

بعيدًا عن الأرقام الانتخابية، كانت الحرب تترك أثرها في تفاصيل الحياة. أعيد فتح مدرسة مينغي الابتدائية في تيغراي في أكتوبر 2021 بعد التأكد من إزالة الألغام , وبحسب اليونيسف في فبراير 2022، استقبلت نحو 400 طالب، مقابل 800 قبل النزاع، بسبب الأضرار ونقص المستلزمات والتمويل, عادت المدرسة إلى العمل، لكن قدرتها بقيت ناقصة. وهذا فرق مهم عند الحديث عن التعافي: فتح الأبواب لا يعني أن جميع الأطفال عادوا إليها.

أوقف اتفاق بريتوريا، الموقع في الثاني من نوفمبر 2022، الحرب الواسعة، وتناول نزع السلاح وحماية المدنيين واستعادة الخدمات وتيسير المساعدات , ثم ربط إعلان نيروبي التنفيذي في 12 نوفمبر نزع السلاح الثقيل بانسحاب القوات الأجنبية والقوات غير التابعة للجيش الاتحادي , غير أن إريتريا، رغم دورها العسكري، لم تكن طرفًا موقعًا، فبقي جانب من أمن التسوية متصلًا بقوة خارج إطارها.

حقق الاتفاق نتائج مهمة , ففي نوفمبر 2023 سجل الاتحاد الإفريقي تسليم أسلحة ثقيلة ومتوسطة، وعودة خدمات أساسية، واستئناف الدراسة والأنشطة التجارية، وتأسيس إدارة إقليمية مؤقتة , لذلك يصعب وصفه بأنه لم يُنفذ , الأدق أن تنفيذه لم يحسم جميع الملفات، وأن ما تحقق لم يصبح مضمون الاستمرار , وفي 23 سبتمبر 2026 عبّر الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة عن القلق من تجدد التصعيد والاستيلاء على مطارات ميكيلي وأكسوم وشيري وتعطل الخدمات واتساع القتال.

من أسباب صعوبة التنفيذ أن الطرف الذي يسلم سلاحه قد يفقد وسيلة حماية يصعب استعادتها، بينما تستطيع أطراف أخرى إعادة التعبئة , ولهذا تحتاج الخطوات المتزامنة إلى مراقبين يصلون إلى المواقع، وبيانات يمكن التحقق منها، وآلية تعالج الخلاف قبل عودته إلى الميدان , وهذه ترتيبات تحتاج إلى موارد وتعاون , كما أن التنفيذ التدريجي قد يتحول إلى مماطلة أو فرصة لإعادة التسليح، إذا غابت المواعيد والمعايير الملزمة.

وفي أمهرة، ظهرت كلفة أخرى لتحالفات الحرب , أعلنت الحكومة في السادس من أبريل 2023 دمج القوات الخاصة الإقليمية في مؤسسات أخرى، وسط مقاومة للعملية , والتحق عناصر بمجموعات فانو، ثم اتسعت المواجهات وأُعلنت الطوارئ في الرابع من أغسطس , لم يكن الدمج السبب الوحيد؛ فقد سبقته خلافات على الأرض والأمن والعلاقة بالمركز , لكنه لامس مخاوف قائمة من التخلي عن القوة دون ضمان لما سيأتي بعدها.

تحتاج الدولة إلى قيادة أمنية موحدة، ويحتاج السكان إلى معرفة من سيحميهم وكيف سيُحاسب , ومن هنا تأتي أهمية معايير الدمج والتسريح، وتمويل إعادة الاندماج، والرقابة على القوات التي تتولى الأمن , وحتى هذا المسار لا يضمن النجاح؛ فقد يستغل الرافضون التأجيل، وقد يعجز قادة محليون عن إلزام جميع المقاتلين , لكن تقدير هذه الصعوبات كان جزءًا من مسؤولية القرار، مثل تقدير كلفة فرضه ثم مواجهة مقاومته.

أما أوروميا، فقد بينت أن انتماء رئيس الوزراء إليها لا يكفي لإنهاء خلافاتها , لم تنتج محادثات أبريل ومايو 2023 في تنزانيا مع جيش تحرير أورومو اتفاقًا، وأعلن الطرفان في 21 نوفمبر انتهاء الجولة الثانية دون تسوية , كما أن الإقليم لا يُختزل في التنظيم المسلح؛ ففيه مطالب ومصالح متباينة تتصل بالأرض والأمن والتمثيل والعلاقة بالعاصمة.

يحتاج التعامل مع هذه الساحة إلى فصل حقوق المواطنين ومشاركة الأحزاب عن التفاوض مع المقاتلين , فلا ينبغي أن تنتظر الحقوق المدنية اتفاقًا عسكريًا، ولا أن يمنح التفاوض تنظيمًا مسلحًا حق الحديث باسم الجميع , وعندما تضيق قنوات المشاركة، يزداد وزن السلاح في السياسة , ويضعف تضييق الإعلام والمجتمع المدني قدرة الحكومة نفسها على معرفة الأخطاء، إذ قد يبدو الصمت الناجم عن الخوف قبولًا بالواقع.

اقتصاديًا، اجتمعت كلفة الحرب مع مشكلات سابقة وصدمات خارجية , زاد الإنفاق، وتضرر الإنتاج والإيرادات، بينما احتاجت البلاد إلى العملات الأجنبية لاستيراد الضروريات ومدخلات العمل , وفي السنة المالية 2023/2024 لم تغطِّ الاحتياطيات سوى نحو 0.7 شهر من الواردات , كما لم تسدد الحكومة فوائد قدرها 33 مليون دولار، مستحقة في 11 ديسمبر 2023 على سند بقيمة مليار دولار، وانتهت مهلة السماح دون السداد.

في 29 يوليو 2024، انتقلت إثيوبيا إلى نظام أكثر اعتمادًا على السوق لتحديد سعر الصرف، وأقر صندوق النقد برنامجًا لأربع سنوات بنحو 3.4 مليارات دولار؛ وهو إجمالي التمويل المعتمد، وليس مبلغًا صُرف دفعة واحدة. وسجلت مراجعات الصندوق تحسنًا في الصادرات والإيرادات والاحتياطيات , لكن أثر الإصلاح لم يكن واحدًا على الجميع: قد يستفيد المصدر، وتزداد كلفة المنشأة التي تعتمد على الواردات، وتضغط أسعار السلع المرتبطة بها على الأسر.

ولهذا لا يكفي تراجع التضخم للحكم على المعيشة , بلغ متوسطه 26.6% في السنة المالية 2023/2024، ثم سجل تقرير الصندوق المنشور في يوليو 2026 معدلًا سنويًا قدره 11.7% في أبريل , تختلف الفترتان وطريقة القياس، وليستا وصفًا للوضع في أكتوبر 2026 , وفي كل الأحوال، تباطؤ ارتفاع الأسعار لا يعيدها إلى مستوياتها السابقة , يبقى التحسن الذي يشعر به المواطن متعلقًا بدخله وفرص العمل والخدمات التي يحصل عليها.

وتوضح مشروعات تطوير المدن كيف يمكن للإنجاز الظاهر أن يخفي كلفة على السكان , ففي وثيقة للعفو الدولية في مايو 2025، قُدّر عدد من أُخلوا قسرًا من بولي وليمي كورا في أديس أبابا بنحو 872 شخصًا خلال نوفمبر 2024، ضمن مشروع تطوير الممرات , وذكرت المنظمة غياب التشاور الكافي والإخطار الملائم وعدم إفادة المتضررين بتلقي تعويض , الرقم ليس إجمالي المتضررين، لكنه يضع سؤالًا واضحًا أمام الحكومة: كيف تُحسب حقوق الناس ضمن المشروع قبل أن يفقدوا منازلهم؟

ويمتد أثر قرارات الداخل إلى الجوار , فقد دخلت إريتريا المعادلة الأمنية في تيغراي عبر الحرب، ثم بقيت خارج التوقيع على بريتوريا , وفي الأول من أكتوبر 2026 أعلنت أسمرة قطع العلاقات بعد قرار إثيوبيا إغلاق سفارتها وطرد عشرة دبلوماسيين إريتريين، وسط اتهامات إثيوبية بدعم المعارضة المسلحة نفتها أسمرة , يكشف هذا المسار أن التوافق بين القيادات قد ينجح في مرحلة، ثم يعجز عن تحمل تغير المصالح إذا لم تسنده ترتيبات مستمرة لإدارة الخلاف.

وفي ملف البحر، تملك إثيوبيا مصلحة اقتصادية في الوصول الموثوق إلى الموانئ , لكن الوصول التجاري يختلف عن امتلاك الساحل أو الترتيبات العسكرية , أثارت مذكرة التفاهم مع أرض الصومال في الأول من يناير 2024 أزمة مع الحكومة الصومالية، لأنها مست مسألة السيادة إلى جانب التجارة , ثم وفر إعلان أنقرة في 11 ديسمبر إطارًا للتفاوض على ترتيبات تجارية تحت السيادة الصومالية , كانت الخطوتان تمهيديتين، ولم تثبت أي منهما وحدها تشغيل منفذ بحري.

وزاد حساسية الخلاف وجود قوات إثيوبية في الصومال لمواجهة حركة الشباب ضمن ترتيبات إفريقية وثنائية , فالتوتر السيادي يستطيع إرباك التعاون الأمني الذي يحتاج إليه الطرفان , ويبقى السؤال عن سياسة آبي أحمد: هل ساعدت خياراتها على تأمين المصلحة التجارية والحفاظ على التعاون، أم رفعت الكلفة قبل الوصول إلى نتيجة مستقرة؟

أما جيبوتي، فهي شريك لوجستي رئيسي , وتنويع المنافذ قد يكون مفيدًا، لكنه يحتاج إلى حساب الطرق والسكك والنقل والتأمين والعائد المتوقع , فالميناء الإضافي لا يصبح بديلًا اقتصاديًا لمجرد ظهوره على الخريطة، ولا ينبغي أن تتقدم رمزيته على حسابات التجارة.

ويحتاج السد الإثيوبي ” سد النهضة ” إلى معالجة من نوع آخر، تقوم على التشغيل والمعلومات والضمانات المائية , بدأ المشروع عام 2011 قبل حكم آبي أحمد، وشهد عهده بدء الملء عام 2020 والافتتاح الرسمي في التاسع من سبتمبر 2025، بعد بدء توليد الكهرباء بسنوات , لكن اكتمال السد لم يحسم كيفية التعامل مع نقص المياه والجفاف المتتابع.

تتصل مصالح مصر والسودان بأمن المياه وسلامة التشغيل وإمكان التخطيط على أساس بيانات موثوقة , ولذلك تحتاج الحكومة الإثيوبية إلى ضمانات تحمي مصالح دول المصب، وقواعد لتبادل المعلومات ومعالجة الظروف الاستثنائية وتسوية الخلافات , فالإنجاز الهندسي يحتاج إلى تفاهم يحفظ استقراره ويجعل فوائده الإقليمية ممكنة.

ويضيف ملف الفشقة بعدًا حدوديًا إلى العلاقة مع السودان، بما يفرض على أديس أبابا إدارة الخلاف دبلوماسيًا وتجنب التصعيد , كما تزيد الحرب التي يعاني منها السودان أهمية ضبط الحدود وحماية المدنيين , ويخدم التعاون فصل الملفات قدر الإمكان، حتى لا يعطل الخلاف الحدودي التنسيق المائي , وفي البحر والسد معًا، يحتاج خطاب الحكومة إلى ترك مساحة للتفاوض، بدل رفع توقعات تجعل أي تنازل ضروري خسارة داخلية.

وامتدت كلفة الحرب إلى التعاون الدولي، ومنها إنهاء الولايات المتحدة أهلية إثيوبيا لبرنامج «أغوا» في يناير 2022 بسبب انتهاكات حقوق الإنسان , تعلق الإجراء بالمزايا التجارية، ولم يكن حظرًا شاملًا للتجارة , وفي المقابل استمر دعم المؤسسات المالية للإصلاح، باختصاصات وأولويات مختلفة  يستطيع التمويل تخفيف الضغط، لكنه لا يعوض تفاهمًا داخليًا على قواعد الحكم وتوزيع كلفة التعافي.

يمكن الدفاع عن آبي أحمد بالقول إنه واجه إرثًا صعبًا وتمردات مسلحة وصدمات اقتصادية، وإن الدولة لا تستطيع قبول تعدد سلطات السلاح , لهذا الدفاع وزنه، لكنه لا يغلق النقاش عن ملاءمة الاستجابة , فتوحيد الأمن يحتاج إلى حماية يمكن الوثوق بها، والإصلاح الاقتصادي يحتاج إلى أثر ملموس في المعيشة، والتسوية تحتاج إلى ما يجعل الالتزام بها أقل خطرًا من نقضها.

وفي النهاية، يمكن الحكم على التجربة من نتائج واضحة: هل يتراجع العنف وتعود الخدمات والنازحون؟ هل يستطيع المعارض المنافسة دون أن يخشى أن تصبح خسارته تهديدًا له؟ وهل تتحسن المعيشة وتستقر العلاقات الإقليمية على احترام السيادة وحماية المصالح، وفي مقدمتها المصالح المائية المصرية والسودانية؟

نجح آبي أحمد في إعادة ترتيب السلطة، لكن حصيلة حكمه تتوقف على ما يستطيع هذا الترتيب أن ينتجه من أمان مستمر , فالدولة تستقر حين يمكن الاعتماد على قواعدها حتى خارج دائرة القيادة، وحين لا يحتاج الناس إلى السلاح ليطمئنوا إلى حقوقهم , عندها فقط تتحول قوة الحكم إلى قوة دولة، ويصبح السلام قادرًا على البقاء بعد تغير الأشخاص والتحالفات .

طالع المزيد :

إثيوبيا تشتعل : حكومة أبي أحمد في مأزق .. حرب في أمهرة وصراع علي السلطة في تيجراي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى